بسم الله الرحمن الرحیم
سليمان بن عبد الملك بن مروان(54 - 99 هـ = 674 - 717 م)
سليمان بن عبد الملك بن مروان(54 - 99 هـ = 674 - 717 م)
الأمويون(41 - 132 هـ = 661 - 750 م)
الأعلام للزركلي (3/ 130)
سُلَيمان بن عبد المَلِك
(54 - 99 هـ = 674 - 717 م)
سليمان بن عبد الملك بن مروان، أبو أيوب: الخليفة الأموي. ولد في دمشق، وولي الخلافة يوم وفاة أخيه الوليد (سنة 96 هـ وكان بالرملة، فلم يتخلف من مبايعته أحد، فأطلق الأسرى وأخلى السجون وعفى عن المجرمين، وأحسن إلى الناس. وكان عاقلا فصيحا طموحا إلى الفتح، جهز جيشا كبيرا وسيره في السفن بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك، لحصار القسطنطينية. وفي عهده فتحت جرجان وطبرستان، وكانتا في أيدي الترك. وتوفي في دابق (من أرض قنسرين - بين حلب ومعرة النعمان) وكانت عاصمته دمشق. ومدة خلافته سنتان وثمانية أشهر إلا أياما (2) .
__________
(2) ابن الأثير 5: 14 والطبري 8: 126 وابن شاكر 1: 177 واليعقوبي 3: 36 وابن خلدون 3: 74 والمسعودي 2: 127 والخميس 2: 314 و 315
وفيه: (كان طويلا جميلا أبيض كبير الوجه مقرون الحاجبين فصيحا بليغا، متوقفا عن الدماء، معجبا بنفسه، أكولا جدا) .
البيان والتبيين للجاحظ (3/ 176)
قال بينا سليمان بن عبد الملك يتوضأ ليس عنده غير خاله والغلام يصب عليه إذ خر الغلام ميتا فقال سليمان
( قرب وضوءك يا حصين فانما ... هذي الحياة تعلة ومتاع )
ونظر سليمان في مرآة فقال أنا الملك الشاب فقالت جارية له
( أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير ان لا بقاء للإنسان )
البيان والتبيين للجاحظ (3/ 144)
وركب سليمان بن عبد الملك يوما في زي عجيب فنظرت اليه جارية
فقالت انك لمعنى ببيتي الشاعر قال وما هما فأنشدته
( أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للانسان )
( ليس فيما بدا لنا منك عيب ... كان في الناس غير أنك فان )
قال ويلك نعيت الى نفسي
المؤلف : أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ
الإعتبار وسلوة العارفين (ص: 173)
* إسماعيل بن ذكوان: لبس سليمان بن عبدالملك ثياباً له حمراً رقاقاً، وكان جميلاً، صبيح المنظر، بهياً، وكانت له جارية حظية عنده، واقفة على رأسه، فكأن نفسه أعجبته.
فقال لها: كيف ترين هذه الهيئة؟
فقالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى .... غير أن لا بقاء للإنسان
أنت خلو من العيوب ومما .... يكره الناس غير أنك فاني
المؤلف : الإمام الموفق بالله الحسين بن إسماعيل الجرجاني المتوفى سنة 430 هـ.
سراج الملوك (ص: 18)
وروي أن سليمان بن عبد الملك لبس أفخر ثيابه، ومس أطيب طيبه ونظر في مرآة فأعجبته نفسه وقال: أنا الملك الشاب! وخرج إلى الجمعة وقال لجاريته: كيف ترين؟ فقالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى
غير أن لا بقاء للإنسان!
ليس فيما بدا لنا منك عيب
عابه الناس غير أنك فان!
فأعرض بوجهه ثم خرج وصعد المنبر وصوته يسمع آخر المسجد، ثم ركبته الحمى فلم يزل صوته ينقص حتى ما يسمعه من حوله، فصلى ورجع بين اثنين يسحب رجليه، فلما صار على فراشه قال للجارية: ما الذي قلت لي في صحن الدار وأنا خارج؟ قالت: ما رأيتك ولا قلت لك شيئاً وأنى لي بالخروج إلى صحن الدار؟ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون نعيت إلى نفسي. ثم عهد عهده وأوصى وصيته، فلم تدر عليه الجمعة الأخرى إلا وهو في قبره رحمه الله تعالى. ووجد مكتوباً على ق
المؤلف: أبو بكر محمد بن محمد ابن الوليد الفهري الطرطوشي المالكي (المتوفى: 520هـ)
الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية (ص: 128)
ثمّ ملك بعده أخوه سليمان بن عبد الملك
كانت أيّامه ذات فتوح متوالية، وكان غيورا شديد الغيرة، وكان نهما فيقال إنّ الطّبّاخ كان يأتيه بالشّواء فلا يصبر حتى يبرد، فيأخذه بكمّه، وكان فصيحا بليغا وها هنا موضع حكاية: قال الأصمعيّ [1] : كنت مرّة أفاوض هارون الرّشيد، فجرى حديث أصحاب النّهم، فقلت: كان سليمان بن عبد الملك شديد النّهم، وكان إذا أتاه الطّبّاخ بشواء تلقّاه فأخذه بأكمامه، فقال الرشيد: ما أعلمك يا أصمعيّ بأخبار النّاس لقد اعترضت منذ أيّام جباب سليمان فوجدت أثر الدّهن في أكمامها فظننته طيبا. قال الأصمعيّ: ثمّ أمر لي بجبّة منها. وقيل: إنّ سليمان لبس يوما حلّة خضراء وعمامة خضراء ونظر في المرآة فقال: أنا الملك الفتى؟ ثمّ نظرت إليه جارية من جواريه فقال ما تنظرين؟ قالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... على أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما علمته فيك عيب ... كان في الناس، غير أنك فاني
(خفيف) فلم تمض إلا جمعة واحدة حتّى مات. وكانت وفاته في سنة تسع وتسعين.
المؤلف: محمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي (المتوفى: 709هـ)
الزهد الكبير للبيهقي (ص: 233)
615 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْغُسَيْلِيُّ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ: لَبِسَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثِيَابًا جَمِيلَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ فِي الْمِرْآةِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ أَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ، فَأَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ قَالَ: وَجَارِيَةٌ تَصُبُّ عَلَى يَدَيْهِ فَقَالَتْ:
[البحر الخفيف]
أَنْتَ نِعْمَ الْمَتَاعُ لَوْ كُنْتَ تَبْقَى ... غَيْرَ أَنْ لَا بَقَاءَ لِلْإِنْسَانِ
أَنْتَ خِلْوٌ مِنَ الْعُيُوبِ وَمِمَّا ... يَكْرَهُ النَّاسُ غَيْرَ أَنَّكَ فَانِي
قَالَ: فَصَاحَ بِهَا وَقَالَ لِلْوَلِيدِ:
[البحر الكامل]
قَرِّبْ وُصُولَكَ يَا وَلِيدُ فَإِنَّمَا ... دُنْيَاكَ هَذِهِ بُلْغَةٌ وَمَتَاعُ
[ص:234]
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ فِي حَيَاتِكَ صَالِحًا ... فَالدَّهْرُ فِيهِ تَفَرُّقٌ وَجِمَاعُ
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس (2/ 315)
(ذكر وفاته)
* قيل انّ سليمان جلس يوما فى نبت أخضر على وطاء أخضر عليه ثياب خضر ثم نظر فى المرآة فأعجبه شبابه وكان من أجمل الناس فقال كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا وكان أبو بكر صدّيقا وكان عمر فاروقا وكان عثمان حييا وكان معاوية حليما وكان يزيد صبورا وكان عبد الملك سيوفا وكان الوليد جبارا وأنا الملك الشاب فمات من جمعته فى يوم الجمعة عاشر صفر سنة تسع وتسعين* ويقال انه لبس يوما أفخر ما عنده وتطيب بأفخر الطيب وتزين بأحسن الزينة فأعجبته نفسه فالتفت فرأى جارية من جواريه واقفة فقال لها كيف ترين فقالت شعر
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للانسان
أنت خلو من العيوب ومما ... يكره الناس غير أنك فانى
وفى حياة الحيوان
ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنك فانى
فطردها ثم أحضرها فقال لها ما قلت فقالت ما قلت شيئا ولا رأيتك اليوم فتعجب الناس من ذلك ومات من جمعته* وفى دول الاسلام ولما احتضر أشار عليه وزيره رجاء بن حيوة بأن يستخلف ابن عمه الامام العادل عمر بن عبد العزيز بشرط أن تكون الخلافة من بعد عمر ليزيد بن عبد الملك أخى سليمان وفى الجملة هو من خيار ملوك بنى أمية قرّب ابن عمه عمر بن عبد العزيز وجعله ولىّ عهده بالخلافة وليس عهد فى الخلافة وانما العهد كان ليزيد وهشام فأدخل عمر قبلهما وبايع الناس على العهد وهو مكتوب وفيه عمر بن عبد العزيز ثم يزيد وهشام فصحت البيعة* وفى المختصر الجامع توفى سليمان بذات الجنب بمرج دابق من أرض قنسرين لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين وله خمس وأربعون سنة وقيل تسع وثلاثون وصلى عليه عمر بن عبد العزيز وكانت خلافته سنتين وثمانية أشهر الا خمسة أيام* وفى دول الاسلام دون ثلاثة أعوام وكان نقش خاتمه آمنت بالله مخلصا وكان له من الولد أربعة عشر ذكرا*
المؤلف: حسين بن محمد بن الحسن الدِّيار بَكْري (المتوفى: 966هـ)
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (7/ 49)
545- سليمان بن عبد الملك بن مروان [4] :
لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء، ونظر في المرآة، فقال: أنا الملك الشاب، فما عاش بعد ذلك إلا أسبوعا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْن عَبْد الجبار، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر محمد بن علي بن البيع، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر أحمد بْن إبراهيم بن شاذان، قال: حدثنا أبو عبد الله بن عرفة، قال: أخبرنا محمد بن عيسى، أنه سمع عبد الله بن محمد التيمي يقول:
كان سليمان بن عبد الملك [يوما] [5] جالسا، فنظر في المرآة إلى وجهه، وكان حسن الوجه، فأعجبه ما رأى من جماله، وكان على رأسه وصيفة، فقال: أنا الملك الشاب، فرأى شفتي جاريته تتحركان، فقال لها: ما قلت؟ قالت: خيرا. قال: لتخبريني، قالت: قلت:
أنت نعم [6] المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
وزاد غيره في الشعر بيتا آخر، فقال:
أنت خلو من العيوب ومما ... يكره الناس غير أنك فاني [7]
__________
[1] الخبر في طبقات ابن سعد 7/ 1/ 129.
[2] في الأصل: «ثم قال: ألست الدار المفرقة» . وما أوردناه من ت وابن سعد.
[3] الخبر في طبقات ابن سعد 7/ 1/ 130.
[4] مروج الذهب 3/ 184، والبداية والنهاية 9/ 198، وتاريخ الطبري 6/ 546، واليعقوبي 3/ 36، وابن خلدون 3/ 74.
[5] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.
[6] في الطبري 6/ 547: «خير المتاع» .
[7] البيت في الطبري:
ليس فيما علمته فيك عيب ... كان في الناس غير أنك فاني
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (7/ 50)
ثم خرج إلى المسجد يخطب، فسمع أقصى من في المسجد صوته، ثم لم يزل يضعف، وانصرف محموما حمى موصولة بمنيته، فكانت وفاته سنة تسع وتسعين، وهو ابن أربعين سنة.
توفي بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليال بقين- وقيل مضين- من صفر. وكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام.
أخبرنا ابن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو علي التميمي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن مالك، قَالَ: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال:
حدثنا يزيد، قال: حدثنا عبد الله بن يونس، عن سيار أبي الحكم [1] ، قال:
لما دخل سليمان بن عبد الملك قبره أدخله عمر بن عبد العزيز وابن سليمان فاضطرب على أيديهما، فقال ابنه: عاش والله [أبي] [2] ، فقال: لا والله ولكن عوجل أبوك.
الكامل في التاريخ (4/ 94)
[ثم دخلت سنة تسع وتسعين]
99 -
ثم دخلت سنة تسع وتسعين
ذكر موت سليمان بن عبد الملك
في هذه السنة توفي سليمان بن عبد الملك بن مروان لعشر بقين من صفر، فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام. وقيل توفي فيها لعشر مضين من صفر، فتكون ولايته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز. وكان الناس يقولون: سليمان مفتاح الخير، ذهب عنهم الحجاج، وولي سليمان، فأطلق الأسرى، وأخلى السجون، وأحسن إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد العزيز. وكان موته بدابق من أرض قنسرين، لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء، ونظر في المرآة، فقال: أنا الملك الفتى، فما عاش جمعة، ونظرت إليه جارية، فقال: ما تنظرين؟ فقالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما علمته فيك عيب ... كان في الناس غير أنك فان
الكامل في التاريخ (4/ 95)
يل: وشهد سليمان جنازة بدابق، فدفنت في حقل، فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة ويقول: ما أحسن هذه [التربة] وأطيبها! فما أتى عليه جمعة حتى دفن إلى جنب [ذلك] القبر.
البداية والنهاية ط هجر (12/ 647)
ودخل ذات يوم بستانا له قد أمر قيمه أن يحبس ثماره، وقطفت له ومعه أصحابه، فأكل القوم، واستمر هو يأكل أكلا ذريعا من تلك الفواكه، ثم استدعى بشاة مشوية فأكلها، ثم أقبل على الفاكهة، ثم أتي بدجاجتين فأكلهما، ثم عاد إلى الفاكهة، ثم أتي بقعب يقعد فيه الرجل مملوءا بسويق وسمن وسكر، فأكله، ثم عاد إلى دار الخلافة، وأتي بالسماط، فما فقد من أكله شيئا.
وقد روي أنه عرضت له حمى أدته إلى الموت. وقد قيل: إن سبب مرضه كان من أكل أربعمائة بيضة، وسلتين من تين. فالله أعلم.
وذكر الفضل بن المهلب وغيره، أنه لبس في يوم جمعة حلة صفراء، ثم نزعها ولبس بدلها حلة خضراء، واعتم بعمامة خضراء، وجلس على فراش أخضر، وقد بسط ما حوله بالخضرة، ثم نظر في المرآة فأعجبه حسنه، وشمر عن ذراعيه وقال: أنا الخليفة الشاب.
البداية والنهاية ط هجر (12/ 648)
وقيل: إنه كان ينظر في المرآة من فرقه إلى قدمه ويقول: أنا الملك الشاب.
وفي رواية أنه كان ينظر فيها ويقول: كان محمد نبيا صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر صديقا، وكان عمر فاروقا، وكان عثمان حييا، وكان علي شجاعا، وكان معاوية حليما، وكان يزيد صبورا، وكان عبد الملك سائسا، وكان الوليد جبارا، وأنا الملك الشاب.
قالوا: فما دار عليه شهر وفي رواية: جمعة حتى مات.
قالوا: ولما حم شرع يتوضأ، فدعا بجارية، فصبت عليه ماء الوضوء، ثم أنشدته:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما علمته فيك عيب ... كان في الناس غير أنك فان
قالوا: فصاح بها وقال: عزتني في نفسي. وصرفها ثم أمر خاله الوليد
البداية والنهاية ط هجر (18/ 626)
وروي عن سليمان بن عبد الملك بن مروان أنه خرج يوما لصلاة الجمعة، وكان سوي الخلق حسنه، وقد لبس حلة خضراء، وهو شاب ممتلئ شبابا، وينظر في أعطافه ولباسه فأعجبه ذلك من نفسه، فلما بلغ إلى صرحة الدار تلقته جنية في صورة جارية من حظاياه، فأنشدته:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا حياة للإنسان
ليس فيما علمت فيك عي ... ب يذكر غير أنك فاني
فصعد المنبر الذي في جامع دمشق، وخطب الناس، وكان جهوري الصوت، يسمع أهل الجامع وهو قائم على المنبر، فضعف صوته قليلا قليلا حتى لم يسمعه أهل المقصورة، فلما فرغ من الصلاة حمل إلى منزله، فاستحضر تلك الجارية التي تبدت تلك الجنية على صورتها، وقال: كيف أنشدتيني تينك البيتين؟ فقالت: ما أنشدتك شيئا، فقال: الله أكبر، نعيت والله إلي نفسي، فأوصى أن يكون الخليفة من بعده ابن عمه عمر بن عبد العزيز، رحمه الله.
شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/ 401)
خطبته التي أرادها، التي يريد يخطب بها الناس، فأعجبته نفسه، فقال: أنا الملك الشابّ السّيّد [1] الحجاب [2] الكريم الوهّاب، فتمثّلت له جارية [من جواريه] [3] وكان يتحظّاها، فقال لها: كيف ترين أمير المؤمنين، قالت: أراه منى النفس، وقرّة العين، لولا ما قال الشاعر، قال: وما قال [الشاعر؟] [4] قالت قال:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس أنّا يريبنا منك شيء ... علم الله غير أنّك فان
فدمعت عيناه، وخرج على النّاس باكيا، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بالجارية فقال لها: ما دعاك إلى ما قلت لأمير المؤمنين؟ فقالت: والله ما رأيت أمير المؤمنين اليوم ولا دخلت عليه، فأكبر ذلك ودعا بقيّمة [5] جواريه فصدّقتها [6] في قولها، فراع ذلك سليمان، ولم ينتفع بنفسه، ولم يمكث بعد ذلك إلّا مدّة حتى توفي.
وكان يقول: قد أكلنا الطّيّب، ولبسنا اللّيّن، وركبنا الفاره، ولم يبق [7] لي لذّة إلّا صديق أطرح معه فيما بيني وبينه مؤونة [8] التّحفّظ.
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (10/ 204)
وقال ابن أبي الدنيا: نزل سليمان بمَرْج دابِق من أرض قِنَّسرين، فنظر في المرآة يومًا فأعجبتْه نفسُه فقال: أنا الملك الشَّابّ، أنا السلطان الوهَّاب -وكان جميلًا، وعليه حُلَّةٌ خضراء، وعلى رأسه وَصيفة- فلما قال: أنا الملك الشاب حرَّكت شفتيها، فقال لها: يا جارية، كيف ترينني؟ قالت: قُرَّة العين، ومُنى النَّفْس، قال: فما الذي حرَّكتِ به شفتيكِ؟
قالت: قلت: [من الخفيف]
أنت نعمَ المتاعُ لو كنتَ ... تَبقى غيرَ أن لا بَقاءَ للإنسانِ
أنت خِلْوٌ من العيوبِ ومما ... يَكرهُ الناسُ غير أنك فانِ
ثم خرج إلى الجمعة ليَخطبَ بالناس ويُصلّي، فشرع في الخطبة وصوته يُسمع من أقصى المسجد، فطعن، فلم يزل يَضعف صوتُه، وثَقُل حتى لم يسمعه القريب من المنبر، ثم حُمل إلى بيته فقال: عليَّ بتلك الوَصيفة -التي كانت قائمة على رأسه- فجاءت، فقال لها: أعيدي ما قلتِ، قالت: وما الذي قلت؟ قال: ألستِ القائلة:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى؟
قالت: والله ما طَرقَ سَمعي هذا قط، ولا رأيتُك منذ شهر، فسأل القَيمةَ على الجواري فقالت: صدقت، فارْتَاعَ، وعلم أن نفْسَه قد نُعيت إليه، فما عاش إلا أسبوعًا (1).
واختلفوا في وفاته؛ فقال هشام بن محمد: تُوفّي بدابِق يوم الجمعة لعشرِ ليالٍ بقينَ من صفر سنة تسع وتسعين، فكانت خلافتُه سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام.
[وقال ابن عساكر: إنه توفي في رمضان، وهو وهم منه.]
وقال ابن أبي الدنيا: توفي لعشر ليال مضين من صفر.
واختلفوا في عمره، فقال قوم: [ولد سنة ستين، فيكون عمره] تسعًا وثلاثين سنة، وقيل: ثلاث وخمسون سنة، والأول أشهر (2).
__________
(1) انظر "تاريخ الطبري" 6/ 547، و"مروج الذهب" 5/ 402 - 404، و "العقد" 4/ 425، و"المنتظم" 7/ 49 - 50.
(2) انظر "المعارف" 361، والطبري 6/ 546، و"مروج الذهب" 5/ 396 - 398، و"العقد"4/ 424 - 425.
بلاغات النساء (ص: 103)
" المدائني " قال قال سليمان بن عبد الملك لجارية له ونظر في المرآة فأعجبه حسنه كيف تريني فقالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
أنت خلو من العيوب ومما ... يكره الناس غيرك انك فاني
العقد الفريد (5/ 172)
ولاية سليمان بن عبد الملك
أبو الحسن المدائني قال: ثم بويع سليمان بن عبد الملك في ربيع الأول سنة ست وتسعين.
ومات سنة تسع وتسعين بدابق يوم الجمعة لعشر خلون من صفر، وهو ابن ثلاث وأربعين، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز. وكانت ولايته سنتين وعشرة أشهر ونصفا.
ولد سليمان بن عبد الملك بالمدينة في بني حديلة، ومات بدابق من أرض قنسرين وكان سليمان فصيحا جميلا وسيما، نشأ بالبادية عند أخواله بني عبس.
وكانت ولايته يمنا وبركة، افتتحها بخير وختمها بخير: فأما افتتاحه فيها بخير فردّ المظالم وأخرج المسجونين، وبغزاة مسلمة بن عبد الملك الصائفة حتى بلغ القسطنطينية؛ أما ختمها بخير فاستخلافه عمر بن عبد العزيز.
العقد الفريد (5/ 173)
ولبس يوما واعتم بعمامة، وكانت عنده جارية حجازية، فقال لها: كيف ترين الهيئة؟ فقال: أنت أجمل العرب لولا ... قال: عليّ ذلك لتقولنّ. قالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
أنت خلو من العيوب وممّا ... يكره الناس غير أنك فان!
قال: فتنغص عليه ما كان فيه، فما لبث بعدها إلا أياما حتى توفي رحمه الله! وتفاخر ولد لعمر بن عبد العزيز وولد لسليمان بن عبد الملك، فذكر ولد عمر فضل أبيه وخاله، فقال له ولد سليمان: إن شئت أقلّ وإن شئت أكثر؛ فما كان أبوك إلا حسنة من حسنات أبي.
محمد بن سليمان قال: فعل سليمان في يوم واحد ما لم يفعله عمر بن عبد العزيز في طول عمره: أعتق سبعين ألفا ما بين مملوك ومملوكة وبتّتهم- أي كساهم- والبتّ:
الكسوة.
ولد لسليمان: أيوب، وأمه أم أبان بنت الحكم بن العاص، وهو أكبر ولد سليمان وولي عهده، فمات في حياة سليمان، وله يقول جرير:
إنّ الإمام الذي ترجى فواضله ... بعد الإمام وليّ العهد أيّوب
وعبد الواحد، وعبد العزيز، أمهما أم عامر بنت عبد الله بن خالد بن أسيد وفي عبد الواحد يقول القطامي:
أهل المدينة لا يحزنك حالهم ... إذا تخطّأ عبد الواحد الأجل
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل «1»
ولما مات أيوب وليّ عهد سليمان بن عبد الملك؛ قال ابن عبد الأعلى يرثيه، وكان من خواصه:
ولقد أقول لذي الشماتة إذ رأى ... جزعي ومن يذق الحوادث يجزع
نهاية الأرب في فنون الأدب (21/ 354)
أنه لبس يوما حلّة خضراء وعمامة خضراء، ونظر فى المرآة، فقال:
أنا الملك الفتى، فما عاش جمعة.
وقيل: كانت له جارية معها مرآة، فدعاها يوما فجاءته بها، فنظر وجهه، ونظرت الجارية إليه، فقال لها: ما تنظرين؟ قالت «1» :
أنت نعم «2» المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنك فانى «3»
وانصرفت، فاستدعاها فجاءت بالمرآة «4» فسألها عن البيتين، فقالت: والله ما جئتك اليوم؛ فعلم أنه نعى.
وقيل: إنه شهد جنازة بدابق فدفنت فى حقل، فجعل سليمان يأخذ من تلك التّربة، ويقول: ما أحسن هذه وأطيبها! فما أتى عليه جمعة حتى دفن إلى جنب ذلك القبر.
وقيل: إنه كان له من الأولاد الذكور أربعة عشر.
وكان نقش خاتمه: آمنت بالله مخلصا.
وكتّابه: يزيد بن المهلب، ثم المفضل «5» بن المهلب عم عبد العزيز ابن الحارث بن الحكم.
قاضيه: محمد بن حزم.
حاجبه: أبو عبيدة «6» مولاه.
الأمير بمصر: عبد الله بن رفاعة.
حياة الحيوان الكبرى (1/ 102)
عنه. وذكر المفضل وغيره، أن سليمان بن عبد الملك، خرج من الحمام في يوم الجمعة، فلبس حلة خضراء، واعتم بعمامة خضراء، وجلس على فراش أخضر، وبسط ما حوله بالخضرة، ثم نظر في المرآة وكان جميلا، فأعجبه جماله، فشمر عن ذراعيه وقال: كان فينا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه صديقا، وكان عمر رضي الله تعالى عنه فاروقا، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه حييا، وكان علي رضي الله تعالى عنه شجاعا، وكان معاوية رضي الله تعالى عنه حليما، وكان يزيد صبورا، وكان عبد الملك سائسا، وكان الوليد جبارا، وأنا الملك الشاب. ثم خرج لصلاة الجمعة فوجد حظية له في صحن الدار فانشدته هذه الأبيات:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنك فاني
فلما فرغ من الصلاة، ودخل داره، قال لتلك الحظية: ما قلت لي في صحن الدار وأنا خارج؟ قالت: ما قلت لك شيئا، ولا رأيتك، وأني لي بالخروج، إلى صحن الدار؟ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، نعيت إلي نفسي، فما دارت عليه جمعة أخرى حتى مات. وقيل: إنه صعد المنبر وخطب، وإن صوته ليسمع في أقصى المسجد، فأخذته الحمى فما زال صوته يخفى، حتى لم يسمعه من تحته، ثم دخل داره يسحب رجليه بين رجلين، فما دارت عليه جمعة أخرى حتى مات. وقال ابن خلكان: إنه حم ومات في ليلته، وقيل: إنه مات بذات الجنب، وتوفي في صفر في عاشره سنة ثمان وتسعين وقيل سنة تسع وتسعين، بمرج دابق من أرض قنسرين، وله تسع وثلاثون سنة وقيل خمس وأربعون سنة وكانت خلافته سنتين وثمانية شهور رحمة الله تعالى عليه.
خلافة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه
ثم قام بالأمر بعده الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. بويع له بالخلافة يوم مات سليمان بن عبد الملك، بعهد له منه بذلك، وكان يقال له: إنه أشج «1» بني أمية، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما فعمر رضي الله تعالى جده من قبل أمه، وهو تابعي جليل، روى عن أنس بن مالك، والسائب بن يزيد رضي الله تعالى عنهما.
وروى عنه جماعة. ومولده رضي الله تعالى عنه، بمصر سنة إحدى وستين. قال الإمام أحمد: ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر بن عبد العزيز، وفي طبقات ابن سعد عن عمر بن قيس، أنه قال لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، سمع صوت لا يدري قائله:
من الآن قد طابت وقر قرارها ... على عمر المهدي قام عمودها
وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، عفيفا زاهدا ناسكا عابدا مؤمنا تقيا صادقا.
وهو أول من اتخذ دار الضيافة من الخلفاء، وأول من فرض لأبناء السبيل، وأزال ما كانت بنو أمية
مجاني الأدب في حدائق العرب (2/ 28)
34 إن سليمان بن عبد الملك لبس أفخر ثيابه ومس أطيب طيبه ونظر في مرآة فأعجبته نفسه وقال: أنا الملك الشاب. وخرج إلى الجمعة وقال لجاريته: كيف ترين. فقالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيبٌ ... عابه الناس غير أنك فان
فأعرض بوجهه ثم خرج وصعد النبر وصوته يسمع آخر المسجد. ثم ركبته الحمى فلم يزل صوته ينقص حتى لم يسمعه من حوله. فصلى ورجع فلم تدر عليه الجمعة الأخرى إلا وهو في قبره.
شرح مقامات الحريري (2/ 340)
[الدهر وما قيل فيه]
ونذكر بعض من ذمّ الدهر من ملوك الإسلام.
من ذلك أنّ سليمان بن عبد الملك لبس في يوم الجمعة لباسا شهر به، ودعا بتخت فيه عمائم، وبيده مرآة، فلم يزل يعتمّ بواحدة بعد أخرى، وأرخى سدولها، وأخذ بيده مخصرة، واعتلى منبره ناظرا في عطفيه، وجمع حشمه، وقال: أنا الملك الشاب، السيد الحبحاب، الكريم الوهاب. فتمثّلت له إحدى جواريه، فقال:
كيف ترين أمير المؤمنين؟ فقالت: أراه منى النفس وقرّة العين، لولا ما قال الشاعر: [الخفيف]
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
أنت خلو من العيوب ومما ... يكره الناس غير أنك فاني
فدمعت عيناه، وخرج على الناس باكيا، فلما فرغ من صلاته رجع ودعا الجارية، وقال لها: ما حملك على ما قلت؟ قالت: والله ما رأيتك ولا دخلت عليك. فأكبر ذلك، ودعا بقية جواريه فصدّقنها على ذلك، فراعه ذلك ولم يبق إلا مديدة حتى مات.
الهفوات النادرة (ص: 7، بترقيم الشاملة آليا)
32 - وروي أن المأمون امتنع من النوم عند وفاة أبي عيسى أخيه، فدخل عليه أبو العتاهية فقال له المأمون: حدثني بحديث بعض الملوك ممن كان في حالنا، يا أمير المؤمنين لبس سليمان بن عبد الملك بن مروان أفخر ثيابه، ومس أطيب طيبه، وركب أفره دوابه، وتقدم إلى جميع من معه بأن يركب في زيه وسلاحه، ونظر في مرآته فأعجبه هيئته وحسنه، فقال: أن الملك الشاب! ثم قال لجارية له: كيف ترينني؟ فقالت:
أنتَ نعمَ المتاعُ لو كنتَ تبقى ... غيرَ أن لا بقاءَ للإنسانِ
أنت خلوٌ من العيوبِ ومما ... يكرهُ الناسُ غيرَ أنك فانِ
الهفوات النادرة (ص: 8، بترقيم الشاملة آليا)
فقال له: ويلك ما أنشدت؟ فقالت: والله ما أعلم، غير أن لساني نطق بما سمعت، فأعراض بوجهه وتطير من قولها، وعلمت الجارية بزلتها فاستطار عقلها، ولم تدر عليه الجمعة حتى حط ف قبره، فبكى الناس والمأمون، فما رئي أكثر باكياً من ذلك اليوم، وهذان البيتان لموسى شهوات.
مجموعة ورام (2/ 142)
قال كان سليمان بن عبد الملك جميلا بهيا و كانت له هيئة حسنة فلبس يوما ثيابا حمرا رقيقة و قال لجارية كانت له حظية عنده قائمة على رأسه و كان أعجب بنفسه كيف ترين هذه الهيئة فقالت
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى غير أن لا بقاء للإنسان أنت خلو من العيوب و مما تكره النفس غير أنك فان
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة (/ 10)
3 « فإنّ صاحبها كلّما اطمأنّ فيها إلى سرور أشخصته عنه إلى محذور » .
في ( المروج ) : لبس سليمان بن عبد الملك يوم الجمعة في ولايته لباسا شهر به ، و تعطّر و دعا بتخت فيه عمائم و بيده مرآة ، فلم يزل يعتمّ بواحدة بعد واحدة ، حتّى رضى منها واحدة فأرخى من سدولها و أخذ بيده مخصرة و علا المنبر ناظرا في عطفيه ، و خطب خطبته التي أرادها فأعجبته نفسه ، فقال : أنا الملك الشابّ ، السيّد المهاب ، الكريم الوهّاب فتمثّلت أي : صارت ممثّلة له جارية من بعض جواريه كان يتخطّاها فقال لها كيف ترينني ؟ قالت أراك منى النّفس لو لا ما قال الشاعر :
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى
غير الاّ بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب
يا سليمان غير أنّك فان
فدمعت عيناه و خرج على الناس باكيا ، فلّما فرغ دعا بالجارية ، فقال : ما دعاك إلى ما قلت لي ؟ قالت : و اللّه ما رأيتك اليوم و لا دخلت عليك ، فأكبر ذلك
-----------
( 1 ) الكامل للمبرد 257 .
-----------
( 2 ) الطرائف للمقدسي : 9 .
-----------
( 3 ) الكامل في الأدب للمبرّد 2 : 371 .
[ 576 ]
و دعا بقيّمة جواريه فصدّقتها في قولها ، فراع ذلك سليمان و لم ينتفع بنفسه ،
و لم يمكث بعد ذلك إلاّ مدّة حتّى توفّى 1 .
فيه أيضا : و لم يكن المتوكّل أشدّ سرورا منه في اليوم الّذي قتل فيه ،
مروج الذهب (1/ 424، بترقيم الشاملة آليا)
ذكر أيام سليمان بن عبد الملك
وبويع سليمان بن عبد الملك بدمشق في اليوم الذي كانت فيه وفاة الوليد، وذلك يوم السبت للنصف من جمادي الآخرة سنة ست وتسعين من الهجرة، وتوفي سليمان بمرج دَابِقٍ من أعمال جند قنسرين يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين، فكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر وخمس ليالٍ، وهلك وهو ابن تسع وثلاثين سنة، وعهد إلى عمر بن عبد العزيز، وقيل: إن وفاة سليمان كانت يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من صفر سنة تسع وتسعين، وإن ولايته سنتان وتسعة أشهر وثمانية عشر يوماً، على حسب ما وجدناه من تباين ما في كتب التواريخ والسِّيَر، وسنذكر جمل أيامهم في باب نُفْرده فيما يرد من هذا الكتاب.
وقد تنوزع في مقدار سِنِّ سليمان: فذكر بعضهم أنه قُبض وهو ابن خمس وأربعين سنة، ومنهم مَنْ زعم أنه كان ابن ثلاث وخمسين، وقد قدمنا قول مَنْ قال: إنه قُبض وهو ابن تسع وثلاثين سنة، ووجَدْتُ أكثر شيوخ بني مروان من ولده وولد غيره بدمشق وغيرها يذهبون إلى أنه كان ابْنَ تسع وثلاثين، والله أعلم.
ذكر لمع هن أخباره وسيره
خطبته أول ما ولي الخلافة
ولما أفْضَى الأمر إلى سليمان صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله، ثم قال: الحمد لله الذي ماشاء صنع، وما شاء أعطى، وما شاء منع، وما شاء رفع، وما شاء وضع، أيها الناس، إن الدنيا دار غرور وباطل وزينة وتقلُّب بأهلها، تُضْحِك باكيها، وتبكي ضاحكها، وتخْيف آمنها، وتؤمن خائفها، وتثري فقيرها، وتفقر مثريها ميالة بأهلها عباد اللّه، اتخذوا كتاب اللّه إماماً، وارْضُوا به حكماً، واجعلوه لكم هادياً ودليلاً، فإنه ناسخ، ولا ينسخه ما بعده، واعلموا عباد الله أنه ينفي عنكم كيد الشيطان ومطامعه، كما يجلو ضوء الشمس الصبح إذا أسفر، وإدبار الليل إذا عسعس، ثم نزل وأذن للناس بالدخول عليه، وأقر عمال من كان قبله على أعمالهم، وأقر خالد بن عبد اللّه القَسْرِي على مكة.
خالد القسري في مكة
وقد كان خالد أحْدَثَ بمكة أحداثاً: منها أنه أدار الصفوف حول الكعبة، وقد كَاَن قبل ذلك صفوف الناس في الصلاة بخلاف ذلك، وبلغه قول الشاعر:
ياحبذا الموسم من موقف ... وحبذا الكعبة من مسجد
وحبذا اللاتي تزاحمننا ... عند استلام الْحَجَرِ الأسود
فقال خالد: أما إنهن لا يزاحمنك بعدها أبداً، ثم أمر بالتفريق بين الرجال والنساء في الطواف.
كان سليمان أكولاً
وكان سليمان صاحب أكل كثير يجوز المقدار، وكان يلبس الثياب الرقاق وثياب الوَشْي، وفي أيامه عمل الوشي الجيد باليمن والكوفة والإسكندرية، ولبس الناس جميعاً الوشي جباباً وأردِيَةً وسراويل وعمائم وقلانس، وكان لا يدخل عليه رجل من أهل بيته إلا في الوَشي، وكذلك عُمًاله وأصحابه ومَنْ في داره، وكان لباسه في ركوبه وجلوسه على المنبر، وكان لا يدخل عليه أحد من خدَامه إلا في الوَشي، حتى الطباخ، فإنه كان يدخل إليه في صدره وشي وعلى رأسه طويلة وشي، وأمر أن يكفن في الوشي المثقلة وكان شبعه في كل يوم من الطعام مائة رطل بالعراقي، وكان ربما أتاه الطباخون بالسفافيد التي فيها الدجاج المشوية وعليه جبه الوشي المثقلة فلنهمه وحرصه على الأكل يُدْخِل يده في كمه حتى يقبض على الدجاجة وهي حارة فيفصلها.
مروج الذهب (1/ 425، بترقيم الشاملة آليا)
وذكر الأصمعي قال: ذكرت للرشيد نَهَمَ سليمان وتناوله الفراريج بكمه من السفافيد، فقال: قاتلك الله فما أعلمك بأخبارهم، إنه عرضَت عليً جباب بني أمية، فنظرتُ إلى جباب سليمان وإذا كل جبة منها في كمها أثر كأنه أثر دهن، فلم أدر ما ذلك حتى حدثتني بالحديث، ثم قال: علىِ بجباب سليمان، فأتي بها، فنظرنا فإذا تلك الآثار فيها ظاهرة، فكساني منها جُبة، فكان الأصمعي ربما يخرج أحياناً فيها فيقول: هذه جُبة سليمان التي كسانيها الرشيد.
وذكر أن سليمان خرج من الحمام ذات يوم اشتدً جوعه، فاستعجل الطعام، ولم يكن فرغ منه، فأمر أن يقدم عليه ما لحق من الشواء، فقدم إليه عشرون خروفَاَ، فأكل أجوافها كلها مع أربعين رقآقة، ثم قرب بعد ذلك الطعام فأكل مع ندمائه كأنه لم يأكل شيئاً.
وحكي أنه كان يتخذ سلال الحلوى، ويجعل ذلك حول مرقده، فكان إذا قام من نومه يمدُّ يده فلا تقع إلا على سلة يأكل منها.
لبس سليمان فأعجبته نفسه
حدث المنقري، عن العتبي، عن إسحاق بن إبراهيم بن الصباح بن مروان - وكان مولى لبني أمية من أرض البلقاء من أعمال دمشق، وكان حافظاً لأخبار بني أمية - قال: لبس سليمان يوم الجمعة في ولايته لباساً شهر به، وتعطر، ودعا بتخت فيه عمائم، وبيده مرآة، فلم يزل يعتمُ بواحدة بعد أخرى حتى رضي منها بواحدة، فأرخى من سُدُولها، وأخذ بيده مخصرة، وعلا المنبر ناظراً في عطفيه، وجمع جمعه، وخطب خطبته التي أرادها، فأعجبته نفسه، فقال: أنا الملك الشاب، السيد المهاب، الكريم الوهاب، فتمثلت له جارية من بعض جواريه وكان يتحظّاها، فقال لها: كيف ترين أمير المؤمنين، قالت: أراه مُنَى النفس وقُرة العين، لولا ما قال الشاعر، قال: وما قال الشاعر. قالت: قال:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غيرأن لا بَقَاء للإِنسان
أنت مَنْ لايَرِيبنامنك شيء ... علم اللَّه غير أنك فإني
ليس فيما بدا لنا منك عيبٌ ... ياسليمان غير أنك فان
فدمعت عيناه وخرج على الناس باكياً، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بالجارية، فقال لها: ما دعاك إلى ما قلت لأمير المؤمنين. قالت: واللّه ما رأيت أمير المؤمنين اليوم ولا دخلت عليه، فأكبره ذلك، ودعا بِقَيِّمَةِ جواريه فصدقتها في قولها، فراع ذلك سليمان، ولم ينتفع بنفسه، ولم يمكث بعد ذلك إلا مُدَيْحَة حتى توفي.
وكان سليمان يقول: قد أكلنا الطيب، ولبسنا اللين، وركبنا ا لْفَارِهَ، ولم يبق لي لذة إلا صديق أطرح معه فيما بيني وبينه مؤنة التحفظ.
بين سليمان وكاتب الحجاج
وأدخل عليه يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج والمستولي عليه، وهو مكبل بالحديد، فلما رآه ازدرَاهُ، فقال: ما رأيت كاليوم قطَ، لعَنَ اللّه رجلاً أجَركَ رَسَنُه، وحكمك في أمره، فقال له يزيد: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنك رأيتني والأمر عني مُدْبر، عليك مُقْبل، ولو رأيتني والأمر مقبل عليً لاستعظمت مني ما استصغرت، ولاستجللت مني ما استحقرت، قال: صدقت فاجلس لا أم لك، فلما استقر به المجلس قال له سليمان: عزمت عليك لتخبرني عن الحجاج ما ظنك به أتراه يَهْوِي بعدُ في جهنم أم قد استقر فيها، قال: يا أمير المؤمنين، لا تقل هذا في الحجاج، فقد بذل لكم نصحه، وأحْقَنَ دونكم دمه، وأمَّنَ وليكم، وأخاف عدوكم، وإنه يوم القيامة لَعَنْ يمين أبيك عبد الملك، ويسار أخيك الوليد، فاجعله حيث شئت، فصاح سليمان: اخْرُجْ عني إلى لعنة اللهّ، ثم التفت إلى جلسائه فقال: قبحه اللّه، ما كان أحسن ترتيبه لنفسه ولصاحبه، ولقد أحسن المكافأة، أطلقوا سبيله.
بين سليمان وأبي حازم الأعرج
مروج الذهب (1/ 426، بترقيم الشاملة آليا)
ودخل عليه أبو حازم الأعرج، فقال: يا أبا حازم، مالنا نكره الموت، قال: لأنكم عمرتم دنياكم وأخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب، قال: فأخبرني كيف القدومُ على اللهّ، قال: أما المحسن فكالغائب يأتي أهله مسروراً، وأما المسيء فكالعبد الأبق يأتي مولاه مَحْزوناً، قال: فأي الأعمال أفضل. قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم، قال: فأي القول اعْدَلُ. قال: كلمة حق عند من تخاف وترجو، قال: فأي الناس أعقل، قال: من عمل بطاعة اللّه، قال: فأي الناس أجهل. قال: من باع آخرته بدنيا غيره، قال: عِظْنِي وأوجز، قال: يا أمير المؤمنين، نَزِّه ربك وعَظمه بحيث أن يراك تجتنب ما نهاك عنه ولا يفقدك من حيث أمرك به، فبكى سليمان بكاءً شديداً، فقال له بعض جلسائه، أسرفت ويحك على أمير المؤمنين، فقال له أبو حازم: اسكت فإن اللّه عز وجل أخَذَ الميثاق على العلماء ليبيننّه للناس ولا يكتمونه ثم خرج، فلما صار إلى منزله بعث إليه سليمان بمالٍ، فرده، وقال للرسول: قل له واللّه يا أمير المؤمنين ما أرضاه لك، فكيف أرضاه لنفسي.
بين سليمان وأعرابي
وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: حدثني الأصمعي، عن شيخ من المَهَالِبَة، قال: دخل أعرابي على سليمان فقال له: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلمك بكلام فافهمه، فقال له سليمان: إنا نجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه، ولا نأمن غِشّه، وأرجو أن تكون الناصح جَيْباً، المأمون غيباً، فهات، قال: يا أمير المؤمنين، أما إذ أمنتُ بادرة غضبك فسأطلق لساني بما خَرسَتْ به الألسُنُ من عظتك تأدَيةً لحق اللّه رحق أمانتك، يا أمير المؤمنين، إنه قد تَكَنَّفَك رجال أساءُوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياهم بدينهم، رضاك بسخط ربهم، خافوك في اللهّ ولم يخافوا اللّه فيك، حَرْب للآخرة وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما يأمنك الله عليه، فإنهم لم يأتوا إلا ما فيه تضييع وللأمة خسف وعسف، وأنت مسؤول عما اجترموا، ولْيسوا مسؤولين عما أجترمت، فلا تُصْلِحْ دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبناً بائع آخرته بدنيا غيره، فقال له سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد سَلَلْتَ علينا لسانَكَ، وهو أقطع من سيفك، فقال: أجل يا أمير المؤمنين، لك لاعليك، فقال سليمان: أما وأبيك يا أعرابي لا تزال العربُ بسلطاننا لأكناف العز مُتَبَوِّئَةً، ولا تزال أيام دولتنا بكل خير مُقْبلة، ولئن ساسكم ولاة غيرنا ليُحْمَدَنَّ منا ما أصبحتم تذمُونَ، فقال الأعرابي: أما إذا رجع الأمر إلى ولد العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وصِنْو أبيه ووارث ما جعله الله له أهلاً فلا، فتغافل سليمان كأنْ لم يسمع شيئاً، وخرج الأعرابي فكان آخر العهد به، هذا الخبر أخبرني به بعض شيوخ ولد العباس بمدينة السلام مدينة أبي جعفر المنصور، وهو ابن ديهة المنصوري، عن أبيه، عن علي بن جعفر النوفلي، عن أبيه، وذلك في سنة ثلثمائة.
سليمان يصف معاوية
وذُكِرَ معاوية بن أبي سفيان في مجلس سليمان، فصلّى على روحه وأرواح من سلف من آبائه، وقال: كان والله هَزْلُه جِدّاً، وجده علماً، واللّه ما رُئي مثل معاوية، كان واللّه غضبه حلماً، وحلمه حكماً، وقيل: إن هذا الكلام لعبد الملك.
خالد القسري في العراق
وكتب سليمان إلى خالد بن عبد اللّه القَسْرِي وهو على العراق في رجل استجار به من قريش، وكان هرب من خالد، أن لا يعرض له، فأتاه بالكتاب فلم يَفُضّه حتى ضربه مائة سوط، ثم قرأه، فقال: هذه نقمة أراد الله أن ينتقم بها منك لتركي قراءة الكتاب، ولو كنت قرأته لأنفذت ما فيه، فخرج القرشي راجعاً إلى سليمان، فسأله الفرزدق وأناس ممن كان بالباب عما صنع خالد، فأخبرهم، فقال الفرزدق في ذلك:
سَلُوا خَالداً لا قدس اللَّه خالدا ... مَتَى وَليت قَسْرٌ قُريْش تَدِينُهَا
أقَبْلَ رسول اللَه أم بَعْدَ عهده ... فأضْحَتْ قًرَيش قد أغثَّ سَمِينُهَا
رَجَوْنَا هُدَاه لاَهَدَى اللَّه سَعْيَه ... وما أمه بالأم يُهدَى جَنِينهَا
فلما بلغ سليمان ذلك وجَّه إلى خالد مَنْ ضربه مائة سوط، فقال الفرزدق في ذلك أبيات:
مروج الذهب (1/ 427، بترقيم الشاملة آليا)
لعمري لقد صُبّتُ على ظهر خالدٍ ... شآ بِيبُ لَيْسَتْ من سَحَاب ولاقَطْرِ
أتضرب في العصيَان من ليس عاصيا ... وتَعْصِي أمير المؤمنين أخَا قَسْر
فلولا يزيد بن المهلب حَلّقَتُ ... بكفك فَتْخَاء إلى الفرخ في الوَكْرِ
لعمري لقد سارابن شيبة سِيرة ... أرَتك نجومَ الليل مُظَهرَةً تجري
فخذ بيديك الخِزْي حقاً، فإنما ... جُزِيتَ قَصاصاً بالمرجرجة السُّمْرِ
بين سليمان وعمر بن عبد العزيز
وقال سليمان لعمر بن عبد العزيز يوماً وقد أعجبه سلطانه: كيف ترى ما نحن فيه، قال: سرور لولا أنه غرور، وحياة لولا أنه موت، وملك لولا أنه هلك، وحسن لولا أنه حزن، ونعيم لولا أنه عذاب أليم، فبكى سليمان من كلامه.
سليمان على الضد من الوليد
وكان سليمان بخلاف الوليد، وعلى الضد منه في الفصاحة االبلاغة، وقد كان الوليد أفسد في أرضٍ لعبد اللّه بن يزيد بن معاوية، فشكا ذلك أخوهُ خالد بن يزيد إلى عبد الملك، فقال له عبد الملك: إن الملوك إذا دخلوا قريه أفسدوها الآية فقال له خالد: " وإذا أردنا أنْ نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها " الآية، فقال عبد الملك: أفي عبد الله تتكلم وبالأمس دخل عليَ فغير في لسانه ولحن في كلامه، فقال: أفعلى الوليد تعَول. قال: إن كان الوليد يلحن فسليمان أخوه، قال خالد: وإن كان عبد اللّه لحاناً فأخوه خالد، فقال الوليد: أتتكلم ولست في العير ولا في النفير، قال خالد: ألم تسمع ما يقول أمير المؤمنين، أنا والله ابن العير والنفير، ولو قلت جُبَيلات وغُنَيْمَات والطائف ورحم اللّه عثمان، قلنا: صدقت، أراد بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نَفَى الحكم بن أبي العاص إلى الطائف فصار راعياً حتى ردَه عثمان.
غضب سليمان على خالد القسري
غضب سليمان على خالد القَسْرِي، فلما دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين، إن القدرة تُذْهِب الحفيظة، وإنك تَجِلُّ عن العقوبة، فإن تعف فأهل لذلك أنت، وإن تعاقب فأهل ذلك أنا، فعفا عنه.
وذم رجل في مجلس سليمان الكلام، فقال سليمان: إنه من تكلم فأحسن قدر على أن يصمت فيحسن وليس مَنْ صمت فأحسن قدر على أن تكلم فيحسن.
ووقف سليمان على قبر ولده أيوب وبه كان يكنى، فقال: اللهم إني أرجوك له، وأخافك عليه فحقق رجائي، وآمن خوفي.
بعض الكتاب ينعى سليمان
قال المسعودي: ولما دُفن سليمان سمع بعض كتابه وهو يقول أبياتاً منها:
وما سالم عما قليل بِسَالم ... وإن كَثُرَتْ أحْرَاسه وكَتَائبه
ومَنْ يَكُ ذَا بَأس شديد ومنعة ... فعمَّا قليلٍ يهجر الباب حاجبه
ويصبح بعد الحجَب للناس مقصيا ... رهينة بيت لم تستر جَوَانبه
فما كان إلا الدًفْن حتى تفرقت ... إلى غَيْرِهِ أحْرَاسه ومواكبه
وَاصبَحَ مسروراً به كل كَاشح ... وأسلمه أحْبَابه وأقاربه
فنفسك أكْسِبْهَا السعَادَة جاهداً ... فكل امرىء رَهْن بما هوكاسبه
قال المسعودي: ولسليمان أخبار حسان لما كان في مدة ملكه من الكوائن، وقد أتينا على مبسوط ذلك في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً طلباً للإيجاز، وميلاً إلى الإِختصار، وباللّه التوفيق.
ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز
بن مروان بن الحكم
واستخلف عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين، وهو اليوم الذي مات فيه سليمان، وتوفي بدَيْرِ سِمْعَانَ من أعمال حمص مما يلي بلاد قنسرين يوج الجمعة لخمس بَقِينَ من رجب سنة إحدى ومائة، فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام، وقُبض وهو ابن تسع وثلاثين سنة، وقبره مشهور في هذا الموضع إلى هذه الغاية، مُعًظّم يَغْشَاه كثير من الناس من الحاضرة والبادية، لم يتعرض لنبشه فيما سلف من الزمان كما تعرض لقبور غيره من بني أمية.