بسم الله الرحمن الرحیم
الخلاف، ج 1، ص 328-331
مسألة 82 [البسملة آية من كل سورة] «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» * آية من كل سورة من جميع القرآن، و هي آية من أول سورة الحمد. و قال الشافعي: انها آية من أول الحمد بلا خلاف بينهم ، و في كونها آية من كل سورة قولان: أحدهما: انها آية من أول كل سورة، و الآخر: انها بعض آية من كل سورة، و انما تتم مع ما بعدها فتصير آية . و قال أحمد، و إسحاق، و أبو ثور، و أبو عبيدة، و عطاء، و الزهري، و عبد الله بن المبارك : إنها آية من أول كل سورة حتى انه قال: من ترك «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» * ترك مائة و ثلاث عشرة آية . و قال أبو حنيفة، و مالك، و الأوزاعي، و داود: ليست آية من فاتحة الكتاب، و لا من سائر السور . و قال مالك و الأوزاعي و داود: يكره أن يقرأها في الصلاة بل يكبر، و يبتدى بالحمد، إلا في شهر رمضان. و المستحب أن يأتي بها بين كل سورتين تبركا للفصل، و لا يأتي بها في أول الفاتحة .
و قال أبو الحسن الكرخي: ليس عن أصحابنا رواية في ذلك، و مذهبهم الإخفاء في قراءتها، فاستدللنا بذلك على أنها ليست من فاتحة الكتاب عندهم، إذ لو كانت منها لجهر بها كما يجهر بسائر السور . و كان أبو الحسن الكرخي يقول: ليست من هذه السورة و لا من سائر السور، سوى سورة النمل. هكذا روى عنه أبو بكر الرازي ، و قال أبو بكر: ثم سمعناه بعد ذلك يقول انها آية تامة مفردة في كل موضع أثبتت فيه الا في سورة النمل، فإنها بعض آية في قوله تعالى «إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمٰانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» . دليلنا: إجماع الفرقة، و قد بينا أن إجماعها حجة. و أيضا روت أم سلمة ان رسول الله صلى الله عليه و آله قرأ في الصلاة «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» فعدها آية «اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» اثنتين، «اَلرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» ثلاث آيات «مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» أربع آيات. و قال: هكذا «إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ» و جمع خمس أصابعه هكذا، ذكره أبو بكر بن المنذر في كتابه. و روى معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إذا قمت إلى الصلاة أقرأ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» في فاتحة الكتاب؟ قال: «نعم»، قلت: فإذا قرأت ما عدا فاتحة الكتاب أقرأ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» * مع السورة؟ قال: «نعم» . و روى علي بن مهزيار عن يحيى بن أبي عمران الهمداني قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدء ب «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» * في صلاته وحده في أم الكتاب، فلما صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها. فقال العباسي ليس بذلك بأس، فكتب بخطه يعيدها مرتين على رغم أنفه، يعني العباسي
نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للشوكاني: 2/ 233
وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا آيَةٌ فِي أَثْنَاءِ سُورَةِ النَّمْلِ وَلَا خِلَافَ فِي إثْبَاتِهَا خَطًّا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ فِي الْمُصْحَفِ إلَّا فِي أَوَّلِ سُورَةِ التَّوْبَةِ. وَأَمَّا التِّلَاوَةُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَفِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ إذَا ابْتَدَأَ بِهَا الْقَارِئُ مَا خَلَا سُورَةَ التَّوْبَةِ. وَأَمَّا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مَعَ الْوَصْلِ بِسُورَةٍ قَبْلَهَا فَأَثْبَتَهَا ابْنُ كَثِيرٍ وقالون وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ مِنْ الْقُرَّاءِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ إلَّا أَوَّلَ سُورَةِ التَّوْبَةِ وَحَذَفَهَا مِنْهُمْ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَوَرْشٌ وَابْنُ عَامِرٍ.
النشر في القراءات العشر (1/ 263)
(الثالث) أن كلا من الفاصلين بالبسملة والواصلين والساكتين إذا ابتدأ سورة من السور بسمل بلا خلاف عن أحد منهم، إلا إذا ابتدأ (براءة) كما سيأتي، سواء كان الابتداء عن وقف أم قطع، أما على قراءة من فصل بها فواضح، وأما على قراءة من ألغاها فللتبرك والتيمن، ولموافقة خط المصحف ; لأنها عند من ألغاها إنما كتبت لأول السورة تبركا، وهو لم يلغها في حالة الوصل إلا لكونه لم يبتدئ، فلما ابتدأ لم يكن بد من الإتيان بها؛ لئلا يخالف المصحف وصلا ووقفا، فيخرج عن الإجماع، فكأن ذلك عنده كهمزات الوصل تحذف وصلا وتثبت ابتداء ; ولذلك لم يكن بينهم خلاف في إثبات البسملة أول الفاتحة سواء وصلت بسورة الناس قبلها أو ابتدئ بها لأنها ولو وصلت لفظا فإنها مبتدأ بها حكما ; ولذلك كان الواصل هنا حالا مرتحلا، وأما ما رواه الخرقي عن ابن سيف، عن الأزرق، عن ورش أنه ترك البسملة أول الفاتحة فالخرقي هو شيخ الأهوازي، وهو محمد بن عبد الله بن القاسم مجهول لا يعرف إلا من جهة الأهوازي، ولا يصح ذلك عن ورش، بل المتواتر عنه خلافه، قال الحافظ أبو عمرو في كتابه " الموجز ": اعلم أن عامة أهل الأداء من مشيخة المصريين رووا أداء عن أسلافهم، عن أبي يعقوب، عن ورش أنه كان يترك البسملة بين كل سورتين في جميع القرآن إلا في أول فاتحة الكتاب، فإنه يبسمل في أولها لأنها أول القرآن، فليس قبلها سورة يوصل آخرها بها.
ما الحكم الشرعي فيمن يقوم بقراءة الفاتحة وسورة من القرآن الكريم في الصلاة دون البدء بالبسملة؟
أجمع العلماءُ على أن البسملةَ الواردةَ في سورة النمل هي جزء من آية في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30]، ولكنهم اختلفوا فيها أهي آية من أول الفاتحة ومن أول كل سورة، أم لا؟ على أقوال:
الأول: هي آيةٌ من الفاتحة ومن كل سورة، وهو مذهب الشافعي رحمه الله.
الثاني: ليست آيةً لا من الفاتحة ولا من شيءٍ من سور القرآن، وهو مذهب مالك رحمه الله.
الثالث: هي آيةٌ تامّة من القرآن أنزلت للفصل بين السور وليست آية من الفاتحة، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله.
وترتيبًا على ذلك اختلف الفقهاء في حكم قراءة البسملة في الصلاة:
1- ذهب مالك رحمه الله إلى منعِ قراءتها في الصلاة المكتوبة جهرًا كانت أو سرًّا لا في استفتاح أمّ القرآن ولا في غيرها من السور، وأجازوا قراءتها في النافلة.
2- وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنّ المصلّي يقرؤها سرًّا مع الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة، وإن قرأَها مع كل سورة فحسنٌ.
3- وقال الشافعي رحمه الله: يقرؤها المصلي وجوبًا في الجهر جهرًا وفي السر سرًّا.
4- وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: يقرؤها سرًّا ولا يُسنّ الجهر بها.
ونقول للسائل بعد هذا البيان: لك أن تتبع أيّ مذهب من هذه المذاهب؛ فالكل على صوابٍ ولكلٍّ دليله، ولتبعد عنك وساوس الشيطان حتى لا يُفسِدَ عليك عبادتك. ومما ذكر يعلم الجواب عن السؤال.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
[هل هناك من القراء من يعد البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة؟]
ـ[أبو يوسف الشافعى]ــــــــ[05 - 05 - 10, 08:08 ص]ـ
أرجو الإيضاح
ـ[أم عمران السلفية]ــــــــ[06 - 05 - 10, 02:58 ص]ـ
لم يختلف ائمة القراءات في قراءة البسملة في أوائل السور، وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على إثباتها في أوائل السور إلا سورة التوبة وذلك في المصحف الذي كتبه عثمان بن عفان رضي الله عنه وبعث به إلى الأمصار .. و هناك من استدل على أن االبسملة ليست من الفاتحة لماثبت في صحيح البخاري من حديث ابي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله:
"اختلف العلماء في البسملة، هل هي آية من أول كل سورة، أو من الفاتحة فقط، أو ليست آية مطلقا، أما قوله في سورة النمل: {إنه من سليمان وإنه باسم الله الرحمن الرحيم} فهي آية من القرآن إجماعا.
وأما سورة " براءة ": فليست البسملة آية منها اجماعا، واختلف فيما سوى هذا، فذكر بعض أهل الأصول أن البسملة ليست من القرآن، وقال قوم: هي منه في الفاتحة فقط، وقيل: هي آية من أول كل سورة، وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.
ومن أحسن ما قيل في ذلك: الجمع بين الأقوال: بأن البسملة في بعض القراءات - كقراءة ابن
كثير - آية من القرآن، وفي بعض القرآءات ليست آية.
مذكرة في أصول الفقه " (ص 66، 67)
وللمزيد من الفائدة وتفاديا للتكرار انظر الرابط فبعض الاخوة ناقشو هذه المسألة في الملتقى.
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=30930
للمعلومة أحد الاخوة أشار إلى كتاب الباعث الحثيث شرح إختصار علوم الحديث (أحمد شاكر) لم يذكر الصفحة أو الباب، فراجعت الكتاب: باب المعلل من الحديث (ص 74،75)
ـ[عمار الأثري]ــــــــ[06 - 05 - 10, 03:46 ص]ـ
عندنا في علم الفواصل والعدد يوجد من يعد البسملة فقط في الفاتحة
ولا يوجد في علماء العدد قط من يعد البسملة في غيرها
ـ[نافع أبو نور]ــــــــ[06 - 05 - 10, 03:48 ص]ـ
في ما يلي كتاب مفيد في المسألة للشيخ الليبي أحمد العالم
ـ[نافع أبو نور]ــــــــ[06 - 05 - 10, 03:58 ص]ـ
حكم البسملة في القرآن الكريم
--------
ج 19، ص331 - أرشيف ملتقى أهل الحديث - هل هناك من القراء من يعد البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة - المكتبة الشاملة الحديثة
--------
الرابط:https://al-maktaba.org/book/31616/9333#p1
وأما السكت: فإن آخر السورة الأولى وأول السورة الثانية آيتان وسورتان وفيه إشعار بالإنفصال لكنهم رجحوا واستحسنوا السكت في أربع سور وهن ما أوله لا , وذلك ما جاء في قوله تعالى: في آخر سورة المدثر (هو أهل التقوى وأهل المغفرة)
ذكر بعدها مباشرة قوله تعالى (لا أقسم بيوم القيامة) (القيامة 1)
وكرهوا ذكر لا بعد ذكر الجنة في مثل قوله تعالى: في آخر سورة الفجر (فادخلي في عبادي وادخلي جنتي)
ذكر بعدها مباشرة (لا أقسم بهذا البلد) (البلد 1)
وكرهوا الوصل بين قوله تعالى (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله) (الانفطار 19) , وبين قوله (ويل للمطففين) (المطففين 1)
كما كرهوا الوصل بين قوله (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (العصر 3) وبين قوله (ويل لكل همزة لمزة) (الهمزة 1)
والكراهة إنما هي للتلاصق لا للبس وأما السكت فلحصول الفصل الدافع للتوهم.
واتفق جميع العلماء على عدم البسملة وصلا وابتداء بين سورتي الأنفال وبراءة لأن البسملة أمان وبراءة ليس فيها أما لنزولها بالسيف أو لأن قصة إحدى السورتين شبيهة بقصة الأخرى وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البيان فظن وحدتهما.
وهذا القول مردود , لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز له أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة , كما قال علماء أصول الفقوالصحيح ما ذكر السيوطي في كتابه الإتقان أن التسمية لم تكن فيها , لأن جبريل لم ينزل بها.
وقد اتفق القراء على الإتيان بالبسملة في أول سورة ما عدا سورة براءة أما أجزاء السور في غير براءة فالقارئ مخير فيها بين الإتيان والترك.
وقال: وليحافظ على قراءة البسملة أول كل سورة غير براءة , لأم أكثر العلماء نص على أنها آية فإذا أخل بها القاريء كان تاركا لبعض الختمة عند الأكثرين وإذا قرأ من أثناء السورة استحب له ذلك أيضا.
وبعد أن ذكرنا آراء علماء القراءات في حكم البسملة , نذكر الآن رأي الفقهاء في حكم البسملة هل هي آية من سورة النمل فقط؟ أن آية من الفاتحة؟ أم آية من القرآن الكريم؟
ونذكر آراء الفقهاء وأدلتهم وما يترتب على هذا الخلاف من أثار فقهية مستعينين بالله تعالى في بيان هذا الخلاف:
آراء الفقهاء في حكم البسملة
رأي أبي حنيفة: يرى الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه أن البسملة آية تامة من القرآن الكريم أنزلت للفصل بين السور وليست آية من الفاتحة.
رأي مالك: ويرى الإمام مالك رضي الله عنه أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من شيء من سور القرآن.
رأي الشافعية والحنابلة: ويرى الشافعية والحنابلة رضي الله عنهما أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة.
دليل الحنفية: واستدل الحنفية على ما ذهبوا إليه بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فضل السورة , وأنها قد انتهت حتى ينزل عليه (بسم الله الرحمن الرحيم) واستدلوا بالأحاديث الواردة التي تدل على عدم قراءة البسملة في الصلاة الجهرية قبل قراءة الفاتحة وحكموا بأن البسملة آية من سورة النمل وهي آية من القرآن الكريم وليست آية من الفاتحة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وكثيرا من أصحابه رضي الله عنهم كانوا لا يجهرون بالبسملة أثناء صلاتهم.
كما قالوا: إن كتابة البسملة في المصحف يدل على أنها من القرآن ولكن هذا لا يدل على أنها آية من كل سورة واستدلوا على قرآنيتها بتنزيلها.
وقالوا: إن مجرد تنزيل البسملة يستلزم قرآنيتها.الفاتحة أم لا؟ فعدها قراء الكوفة آية منها ولم يعدها قراء البصريين.
وقال: وحكي شيخنا أبوالحسن الكرخي عدم الجهر بها وهذا يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة ومذهب أصحابنا أنها ليست بآية من أوائل السور لترك الجهر بها ولأنها إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها.
ثم يقول: ومما يدل على أنها ليست من أوائل السور ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سورة في القرآن ثلاثون آية شفهت لصاحبها حتى غفر له (تبارك الذي بيده الملك) , وقال الترمذي هذا حديث حسن.
¥
--------
ص332 - أرشيف ملتقى أهل الحديث - هل هناك من القراء من يعد البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة - المكتبة الشاملة الحديثة
--------
الرابط:https://al-maktaba.org/book/31616/9334#p1
ولو كانت البسملة آية من سورة الملك لكانت ‘حدى وثلاثين آية وهذا يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم لأنه عد السورة ثلاثين آية فقط يدل على أن البسملة ليسة آية من الفاتحة أو من أوائل السور , إجماع القراء والفقهاء على أن سورة الكوثر ثلاث آيات ولو كانت البسملة آية منها لكان عدد آياتها أربع آيات لا ثلاث.
وعلى هذا القول تكون البسملة عند الحنفية ليست من الفاتحة ولا من أوائل السور وإنما جيء بها للفصل بين السور فقط وهي آية من القرآن الكريم فقط.
دليل المالكية: واستدل المالكية على ما ذهبوا إليه بأن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من القرآن وإنما جيء بها للتبرك فقط بالأدلة الآية: استدلوا بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صليت
وقال الجصاص في كتابه أحكام وهو حنفي المذهب: وقد اختلف العلماء في البسملة أهي آية منخلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون (بالحمد لله رب العالمين)
وفي رواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) إذا افتتح الصلاة.
وفي هذا الحديث دليل على أن البسملة ليست آية من الفاتحة أو من القرآن الكريم لأنها لو كانت من الفاتحة أو القرآن لسمعها الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكن ثبت أن أبابكر وعمر وعثمان كانوا لا يقرءون البسملة فإن هذا يدل على عدم ثبوتها آية من الفاتح أو القرآن كما استدلوا أيضا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عزوجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل , فإن قال العبد (الحمد لله رب العالمين) قال الله تعالي: حمدني عبدي. وإذا قال العبد (الرحمن الرحيم) قال الله تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال العبد (مالك يوم الدين) قال الله تعالى: مجدني عبدي. فإذا قال (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال (إهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغصوب عليهم ولا الضالين) قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
ووجه الدلالة من هذا: أن قوله عزوجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي , يريد بالصلاة هنا: الفاتحة وسماها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بالفاتحة فلو كانت البسملة آية من الفاتحة لذكرت في
هذا الحديث القدسي الشريف.
واستدل المالكية أيضا بقولهم: لو كانت البسملة آية من الفاتحة لكان هناك تكرار في (الرحمن الرحيم) في وصفين: واصبحت السورة هكذا (بسم الله الرحمن الرحيم) (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم) وذلك مخل ببلاغة النظم الكريم.
كما استدلوا أيضا بقولهم: إن كتابة البسملة في أوائل السور وإنما هو للتبرك: ولامتثال الأمر بطلبها والبدء بها في أوائل الأمور وهي وإن تواترت كتابتها في أوائل السور فلم يتواتر كونها قرآنا فيها.
ويقول ابن العربي: ويكفيك أنها ليست من القرآن إختلاف الناس الناس فيها والقرآن لا يختلف فيه والأخبار الصحاح التي اتفق عليها العلماء ولم يرد عليها طعن تدل على أن البسملة لسيت آية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها.
ثم يقول: إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم وهو المنقول وذلك أن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور , ومرت عليه الأزمنة والدهور , من لدن رسول الله صلى الله عدليل الشافعية والحنابلة: استدل الشافعية والحنابلة على أن البسملة آية من الفاتحة بما يأتي: عن قتادة رضي الله عنه قال: سئل أنس كيف كانت قراءة النبي عليه الصلاة والسلام فقال: كانت مدا ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم.
وهذا الحديث يدل على مشروعية قراءة البسملة وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمد قراءته في البسملة وقد استدل بهذا الحديث القابلون بقراءة البسملة في الصلاة , لأن كون قراءته على الصفة التي وصفها أنس تستلزم سماع أنس لقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم وما ذكره أنس يدل على مطلق قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة أو خارجها.
¥
--------
ص333 - أرشيف ملتقى أهل الحديث - هل هناك من القراء من يعد البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة - المكتبة الشاملة الحديثة
--------
الرابط:https://al-maktaba.org/book/31616/9335#p1
واستدلوا أيضا بما روته السيدة أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) (الحمد لله رب العالمين) وعد البسملة آية من الفاتحة.
كما أن الصحابة رضوان الله عليه أجمعين أثبتوا البسملة فيما جمعوا من القرآن وكتبوها في المصحف من غير أن ينكر عليهم أحد صنيعهم فدل ذلك على أن البسملة آية من الفاتحة.
المناقشة
يتضح لنا مما ذكرناه من أدلة الفقهاء أن كل واحد منهم حاول أم يؤكد رأيه بما ذكره من أدلة فيرى أبوحنيفة فيما ذهب إليه أن البسملة آية من القرآن الكريم وقال الشافعية والحنابلة أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة أنا الإمام مالك رضي الله عنه فقد قال: إن البسملة ليست آية من الفاتحة أو من القرآن ما عدا ما جاء في سورة النمل.
ليه وسلم إلى زمان الإمام مالك رضي الله عنه ولم يقرأ فيه أحد قد (بسم الله الرحمن الرحيم) إتباعا للسنة.
بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل , وعليه تحمل الآثار الواردة في قراءتها.
دليل الشافعية والحنابلة: استدل الشافعية والحنابلة على أن البسملة آية من الفاتحة بما يأتي: عن قتادة رضي الله عنه قال: سئل أنس كيف كانت قراءة النبي عليه الصلاة والسلام فقال: كانت مدا ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم.
وهذا الحديث يدل على مشروعية قراءة البسملة وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمد قراءته في البسملة وقد استدل بهذا الحديث القابلون بقراءة البسملة في الصلاة , لأن كون قراءته على الصفة التي وصفها أنس تستلزم سماع أنس لقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم وما ذكره أنس يدل على مطلق قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة أو خارجها.
واستدلوا أيضا بما روته السيدة أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) (الحمد لله رب العالمين) وعد البسملة آية من الفاتحة.
كما أن الصحابة رضوان الله عليه أجمعين أثبتوا البسملة فيما جمعوا من القرآن وكتبوها في المصحف من غير أن ينكر عليهم أحد صنيعهم فدل ذلك على أن البسملة آية من الفاتحة.
المناقشة
يتضح لنا مما ذكرناه من أدلة الفقهاء أن كل واحد منهم حاول أم يؤكد رأيه بما ذكره من أدلة فيرى أبوحنيفة فيما ذهب إليه أن البسملة آية من القرآن الكريم وقال الشافعية والحنابلة أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة أنا الإمام مالك رضي الله عنه فقد قال: إن البسملة ليست آية من الفاتحة أو من القرآن ما عدا ما جاء في سورة النمل.
ونرى من أدلة الفقهاء التي ذكرنا بعضا منها أن رأي المالكية قد جانب الصواب وقولهم يحتاج إلى نظر إذ ليس بلازم أن يقال في كل آية أنها قرآن ويتواتر ذلك بل يكفي أن يقرأها الرسول صلى الله عليه وسلم ويأمر الكتبة بكتابتها في المصحف ويتواتر ذلك عنه.
وقد أجمعت الأمة الإسلامية على أن جميع ما في المصحف الشريف , من القرآن الكريم وصار ذلك إجماعا منهم على أن البسملة آية من القرآن ونرى المالكية قد استدلوا بحديث أنس بن مالك الذي ذكر فيه أنه صلى خلف الرسول صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان وكانوا جمعيا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ونلاحظ أن أبابكر كان من بين الصحابة الذين لا يقرؤن البسملة وكذا عثمان.
وقد جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه وكانت البسملة فيه ثم نسخ المصحف في عهد سيدنا عثمان وكتبت البسملة في أول الفاتحة وأول كل سورة ولم ينكر عثمان كتابة البسملة في المصحف الشريف.
أما الأحاديث الواردة بعدم سماع الصحابة لقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم أو الأحاديث الواردة المؤكدة لسماع الصحابة للرسول صلى الله علالصحابي من الرسول صلى الله عليه وسلم أما من لم يسمع منه البسملة فقد كان ذلك لبعده عنه أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها سرا أو كان يقرؤها بصوت مرتفع.
والصحابة لم يسمعوها لأنهم كانوا مشغولين , بالنية والتكبير.
ما يترتب على هذا الخلاف من أثار فقهية
لقد رأينا أن الفقهاء اختلفوا في حكم البسملة هل هي آية من الفاتحة؟ أو من كل سور؟ أو ليست من القرآن؟
وقد ذكرنا أدلة كل فريق من هؤلاء ورأينا أن الباعث على اختلافهم هو تعارض الآثار الواردة في هذا والذي يترتب على هذا الخلاف أن من جعل البسملة آية من القرآن ولم يجعلها من الفاتحة على وجه الخصوص لم يوجب قراءتها في الصلاة , وإنما تقرأ على سبيل الإستحباب فقط وهذا مذهب الحنفية.
أما من يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة من سور القرآن الكريم فإنه أوجب قراءة البسملة في الصلاة عند قراءة الفاتحة وهذا هو مذهب الشافعي وأحمد
وعلى ذلك فإن الصلاة لا تبطل بسبب ترك البسملة إلا عند الشافعي وأحمد رضي الله عنهما.
الترجيح
والأرجح في هذه المسألة هو القول بقرآنية البسملة وأنها من القرآن الكريم بقطع النظر عن كونها آية من الفاتحة أو آية من كل سورة وأن القول بعدم قرآنية البسملة قول باطل.
كما أن القول بعدم تواتر البسملة ممنوع لأن بعض القراء أثبتها ضمن القراءات المتواترة ولا يجوز إنكارها.
كما أن الاختلاف لا يستلزم عدم التواتر.
وعلى هذا تكون قراءة البسملة في أثناء الصلاة إنما هي على سبيل الندب لا على سبيل الوجوب قطعا للنزاع.
من كتاب أثر القراءات في الفقه الإسلامي
تأليف الدكتور صبري عبدالرءوف محمد عبدالقوي ص179 -
¥
--------
ص334 - أرشيف ملتقى أهل الحديث - هل هناك من القراء من يعد البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة - المكتبة الشاملة الحديثة
--------
الرابط:https://al-maktaba.org/book/31616/9336#p1
التحرير و التنوير، ج1، ص: 143
و اختلفوا في قراءة البسملة في غير الشروع في قراءة سورة من أولها، أي في قراءة البسملة بين السورتين.
فورش عن نافع في أشهر الروايات عنه و ابن عامر، و أبو عمرو، و حمزة، و يعقوب، و خلف، لا يبسملون بين السورتين و ذلك يعلل بأن التشبه بفعل كتاب المصحف خاص بالابتداء، و بحملهم رسم البسملة في المصحف على أنه علامة على ابتداء السورة لا على الفصل، إذ لو كانت البسملة علامة على الفصل بين السورة و التي تليها لما كتبت في أول سورة الفاتحة، فكان صنيعهم وجيها لأنهم جمعوا بين ما رووه عن سلفهم و بين دليل قصد التيمن، و دليل رأيهم أن البسملة ليست آية من أول كل سورة.
و قالون عن نافع و ابن كثير و عاصم و الكسائي و أبو جعفر يبسملون بين السورتين سوى ما بين الأنفال و براءة، و عدوه من سنة القراءة، و ليس حظهم في ذلك إلا اتباع سلفهم، إذ ليس جميعهم من أهل الاجتهاد، و لعلهم طردوا قصد التيمن بمشابهة كتاب المصحف في الإشعار بابتداء السورة و الإشعار بانتهاء التي قبلها.
و اتفق المسلمون على ترك البسملة في أول سورة براءة و قد تبين وجه ذلك آنفا، و وجهه الأئمة بوجوه أخر تأتي في أول سورة براءة، و ذكر الجاحظ في «البيان و التبيين» «1» أن مؤرجا السدوسي البصري سمع رجلا يقول: «أمير المؤمنين يرد على المظلوم» فرجع مؤرج إلى مصحفه فرد على براءةبسم الله الرحمن الرحيم، و يحمل هذا الذي صنعه مؤرج- إن صح عنه- إنما هو على التمليح و الهزل و ليس على الجد.
و في هذا ما يدل على أن اختلاف مذاهب القراء في قراءة البسملة في مواضع من القرآن ابتداء و وصلا كما تقدم لا أثر له في الاختلاف في حكم قراءتها في الصلاة، فإن قراءتها في الصلاة تجري على أحكام النظر في الأدلة، و ليس مذاهب القراء بمعدودة من أدلة الفقه، و إنما قراءاتهم روايات و سنة متبعة في قراءة القرآن دون استناد إلى اعتبار أحكام رواية القرآن من تواتر و دونه، و لا إلى وجوب و استحباب و تخيير، فالقارئ يقرأ كما روى عن معلميه و لا ينظر في حكم ما يقرؤه من لزوم كونه كما قرأ أو عدم اللزوم، فالقراء تجري أعمالهم في صلاتهم على نزعاتهم في الفقه من اجتهاد و تقليد، و يوضح غلط من ظن أن خلاف الفقهاء في إثبات البسملة و عدمه مبني على خلاف القراء، كما يوضح
__________________________________________________
(1) صفحة 130 جزء 2 طبع الرحمانية- القاهرة.
التحرير و التنوير، ج1، ص: 144
تسامح صاحب «الكشاف» في عده مذاهب القراء في نسق مذاهب الفقهاء. و إنما اختلف المجتهدون لأجل الأدلة التي تقدم بيانها، و أما الموافقة بينهم و بين قراء أمصارهم غالبا في هاته المسألة فسببه شيوع القول بين أهل ذلك العصر بما قال به فقهاؤه في المسائل، أو شيوع الأدلة التي تلقاها المجتهدون من مشايخهم بين أهل ذلك العصر و لو من قبل ظهور المجتهد مثل سبق نافع بن أبي نعيم إلى عدم ذكر البسملة قبل أن يقول مالك بعدم جزئيتها؛ لأن مالكا تلقى أدلة نفي الجزئية عن علماء المدينة و عنهم أو عن شيوخهم تلقى نافع بن أبي نعيم، و إذ قد كنا قد تقلدنا مذهب مالك و اطمأننا لمداركه في انتفاء كون البسملة آية من أول سورة البقرة كان حقا علينا أن لا نتعرض لتفسيرها هنا و أن نرجئه إلى الكلام على قوله تعالى في سورة النمل [30]: إنه من سليمان و إنه بسم الله الرحمن الرحيم غير أننا لما وجدنا من سلفنا من المفسرين كلهم لم يهملوا الكلام على البسملة في هذا الموضع اقتفينا أثرهم إذ صار ذلك مصطلح المفسرين.
مقاله «قرآنیة البسملة عند القراء»
من خلال بحثي وتتبعي لهذا الموضوع لم أجد أحداً خص البسملة عند علماء القراءات ببحث مستقل ناقش فيها المسائل المتعلقة بالبسملة من خلال كتب القراء فغالب من كتب في البسملة يتكلم فيه ما بين ثبوت البسملة آية من القرآن وعدمها، أو الجهر والاسرار بها سواء في الصلاة أو خارجها، ويستدلون في أدلتهم بالأحاديث النبوية أو المسائل الفقهية
الحمدُ لله؛ أجمع العلماء على أنَّ البسملة في سورة "النَّمل" مِن كتاب سليمان أنَّها آية من القرآن: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30]، وأمَّا البسملة التي في فواتح السُّور؛ فقد اختلفَ العلماءُ فيها على مذاهب:
فقيل: إنَّها آية مِن القرآن؛ ثم هل هي آية من كلّ سورة؟ أو آية مِن الفاتحة دون غيرها مِن السور؟ أو هي آية مستقلَّة أنزلت للإيذان بنزول السورة وافتتاح السورة بها؟
وقيل: ليست آية مِن القرآن؛ وإنَّما هي مِن ألفاظ الذّكر المستحب عند ابتداء القراءة بسورة مِن سور القرآن.
ولا ريب: أنَّها آية مِن القرآن، بدليل كتابة الصَّحابة لها في المصحف؛ فأظهرُ الأقوال أنَّها آية مستقلة، لا تدخل في عد آيات السورة، ولا الفاتحة، فالفاتحة سبع آيات بدونها.
ومن الدَّليل على أنَّ البسملة ليست آية مِن الفاتحة: حديث أنس في الصحيحين «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بالْحَمْدُ لِله رَبِّ الْعَالَمِينَ»، وعند مسلم: «لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا»، [1] وهل ذلك لعدم قراءتها، أو للإسرار بها؟ قولان للعلماء، والأظهر: أنَّهم كانوا يسرّون بها، كالاستفتاح والتعوذ.
وأيضا ما ثبت في "صحيح مسلم"، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: 2] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِى عَبْدِى…» الحديث، [2] ولم يذكر [3]، وقد نبَّه إلى ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-. [4]
وقراءتُنا بقراءة حفص تقتضي أن نقرأ البسملة سرًّا أو جهرًا، وأما الحكم بوجوب قراءتها، أو عدم وجوبها في الفاتحة أو غيرها؛ فهي مسألة فقهية اجتهادية؛ فمَن يعدّها آية مِن الفاتحة يلزمه أن يقرأها، وإن تركها فقد ترك آية مِن الفاتحة، ومَن يُصحِّحُ الصَّلاةَ بدون قراءة البسملة لا يرى أنها آيةٌ مِن الفاتحة، وهو ما عليه مشايخُنا، وهو القول الصحيح؛ كما تقدم.
وعدُّ البسملة آيةً في مصحف المدينة النبوية (المطبوع برواية حفص) مبني على رأي، وعددُ آيات كل سورة مما يختلف فيه أصحاب القراءات والرسم، ولا ريب أن سورة الفاتحة سبع آيات؛ لقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر: 87]، وجاء في التفسير أن السبع المثاني آياتُ الفاتحة، وأولها: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لما تقدم من الحديث القدسي، والآية الرابعة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وهي التي قالَ اللهُ فيها في الحديث القدسي: «هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل»، [5] والله أعلم.
قال ذلك:
عبدالرحمن بن ناصر البراك
حرر في: 2 ذو القعدة 1431 هـ
مجمع الفائدة و البرهان في شرح إرشاد الأذهان، ج2، ص: 248
و مع العدول يعيد البسملة، و كذا يعيدها لو قرئها بعد الحمد من غير قصد سورة بعد القصد.
______________________________
مذكورة في غير كلام الشارح.
و اما عدم جواز الرجوع عنهما مع التجاوز: فلا ارى له دليلا، و ظاهرهما يقتضي الجواز مطلقا، فغير بعيد لو لم يكن خلاف الإجماع، و الظاهر لا إجماع. بل الخلاف فيه كما يقتضيه ظاهر بعض العبارات، حيث عمموا و لا يدل الخبر «1» الذي يدل على جواز النقل الى النفل و الاستيناف بالسورتين، على عدم جواز النقل الى السورتين مع التجاوز: لجواز الأمرين معا على التخيير بالسوية، أو على التفصيل، إذ لا يجب النقل الى النفل و لا إلى إحدى السورتين بالإجماع على ما نقل في المنتهى. و لا منافاة حتى يحتاج الى الجمع، مع ان وجوه الجمع غير منحصر في الحمل على تجاوز النصف: على ان هذا الجمع يستلزم تخصيص المسئلة بأنه انما يعدل الى النفل مع عدم بلوغ النصف و هو غير مستحسن، بل ليس بمعلوم انه مراد الأصحاب بالعدول و الاستيناف خصوصا عند القائل بوجوبهما، فتأمل.
و القول بان النقل بغير ضرورة غير جائز، ممنوع. ا لا ترى الاستيناف للأذان و الجماعة مع النقل، على انه لا ضرورة هنا الى النقل أيضا، نعم لا بد من الدليل و هو موجود، و هو صحيحة صباح بن صبيح (الثقة) قال قلت لأبي عبد الله رجل أراد ان يصلى الجمعة فقرء قل هو الله احد؟ قال: يتمها ركعتين ثم يستأنف «2» و الظاهران الاستيناف للسورتين. فمنع ابن إدريس- بعد هذه الرواية الصحيحة الصريحة- مبنى على عدم قبوله للخبر الواحد مع تحريم قطع الصلاة الواجبة قطعا. و الاحتياط يقتضي العمل بقوله لما مر من عدم الوجوب، الا ان يقال: الموجب للسورتين أو لا يوجب هذا، و ذلك غير ظاهر.
ثم اعلم ان في هذه الاخبار دلالة ما، على عدم وجوب قصد السورة قبل البسملة، و عدم الإعادة على تقدير نسيان القصد و الشروع و لو ذكر قبل الركوع:
______________________________
(1)- كما سيأتي عن قريب.
(2)- الوسائل باب 72 من أبواب القراءة في الصلاة حديث- 2.
مجمع الفائدة و البرهان في شرح إرشاد الأذهان، ج2، ص: 249
..........
______________________________
حيث ما قيد الرجوع الى سورة بالقصد السابق، و لا النهي عن الرجوع منها بقصد سابق. و صحيحة الحلبي و أبي الصباح الكناني أدل. و كذا الأصل، و عموم الأوامر المطلقة: و الأمر بقراءة السورة من غير قيد: و ما في صحيحة معاوية بن عمار: من غلط في سورة فليقرء قل هو الله احد ثم ليركع «1» و فيه دلالة على وجوب السورة، و وجوب العدول للغلط: و عدم الاحتياج الى الصبر حتى يتذكر. و عدم وجوب الجمعتين في الظهر و الجمعة فافهم.
و أيضا في هذه الاخبار دلالة على جواز القران لا بمعنى السورتين. و كذا في اتفاقهم بجواز العدول، فدل على ان النزاع فيهما، لا في مطلق قراءة شيء آخر مع السورة، حتى تكرار كلمة من الفاتحة قبل السورة كما قاله الثانيان: مع القول بجواز قراءة القرآن في جميع أحوال الصلاة، إلّا خلال القراءة: لعدم الموالاة.
فقول المصنف هنا و غيره بوجوب قصد السورة قبل البسملة غير واضح الدليل.
و القول بأنه يحتاج إلى النية لاشتراكها بين السور فلا يتعين السورة إلّا بها، غير واضح أيضا: لأن نية الصلاة يكفي لأجزائها بالاتفاق و لو فعلت مع الغفلة و الذهول، و يكفيه قصد فعلها في الجملة: و اتباع البسملة بالسورة، تعين كونها جزءا لها، و ذلك كاف: مع عدم تسليم اشتراط ذلك التعيين قبل القراءة.
و بالجملة بمثل هذا يشكل إيجاب شيء و البطلان مع عدمه، و الإعادة بعد قراءة السورة لأجله، مع جهل أكثر المسلمين عن مثله، و عدم معذورية الجاهل عندهم: على انه منقوض بالمشتركات الكثيرة، مثل التخيير بين التسبيحات و الفاتحة: بل قراءة الفاتحة فإنه يحتمل وجوها غير قراءة الصلاة، و كذا السورة و التسبيحات بل جميع الافعال: و يؤيده عدم وجوب تعيين القصر و الإتمام في مواضع التخيير: و عدم وجوب تعيين الواجب من الذكر مع التعدد و احتمال كل واحدة الواجبة، لا الاولى فقط كما قيل.
فلو جرى لسانه بسورة مع البسملة فالظاهر الصحة مع القول بوجوب القصد:
______________________________
(1)- الوسائل باب 43 من أبواب القراءة في الصلاة حديث- 1.
مجمع الفائدة و البرهان في شرح إرشاد الأذهان، ج2، ص: 250
..........
______________________________
لفوات محله، و لزوم التكرار بغير دليل، و كون النسيان عذرا.
و يؤيده ما رواه في الشرح عن البزنطي عن أبي العباس في الرجل يريد ان يقرء السورة فيقرء في أخرى؟ قال: يرجع الى التي يريد و ان بلغ النصف «1» و لا يضره القطع لما مر [2]، و لأنه مؤيد: و يدل على ان بعد النصف لا يرجع، فبعد الإتمام بالطريق الاولى: و فيه اشعار بجواز الرجوع من سورة إلى أخرى بعد النصف و لا يجوز بعد التجاوز كما هو رأى المصنف، بل ظاهرها يدل على جواز ترك القصد الى غيره عمدا، فتأمل: و عدم وجود ما يصلح دليلا في الآثار، دليل على عدم الوجوب.
ثم قال الشارح (بقي في المسئلة اشكال: و هو ان حكمه بإعادة البسملة- لو قرأها من غير قصد- بعد القصد، ان كان مع قرائتها أولا عمدا لم يتجه القول بالإعادة، بل ينبغي القول ببطلان الصلاة، للنهى عن قرائتها من غير قصد و هو يقتضي الفساد: و ان كان قرئها ناسيا، فقد تقدم القول بان القراءة خلالها نسيانا موجب لإعادة القراءة من رأس. فالقول بإعادة البسملة و ما بعدها لا غير، لا يتم على تقديري العمد و النسيان، و الذي ينبغي القطع به فساد القراءة على تقدير العمد للنهى و هو الذي اختاره الشهيد في البيان و حمل الإعادة هنا على قرائتها نسيانا).
و ما أجد ههنا اشكالا لجواز اختيار العمد، و اعادة البسملة متجهة.
******************
الدرة النجفية (لبحر العلوم)، ص: 141
|
و عين السورة ثم بسمل |
فإنما التعيين شرط العمل |
****************
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج10، ص: 53
[المسألة الثامنة وجوب تعيين السورة قبل الشروع في البسملة]
المسألة الثامنة الأكثر كما عن البحار بل في الحدائق أنه المشهور بين الأصحاب على وجوب تعيين السورة بعد الحمد قبل الشروع في البسملة المشتركة بين السور المتعددة فلا تتعين جزء من السورة الخاصة إلا بنيتها على حسب غيرها من المشتركات بين القرآن
______________________________
(1) الوسائل- الباب- 37- من أبواب القراءة في الصلاة.
(2) و هما صحيح الحلبي و موثق سماعة المتقدمان ص 50.
(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.
(4) الوسائل- الباب- 47- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 5.
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج10، ص: 52
و غيره، و بين القصيدة المخصوصة و غيرها، و إلا لزم الترجيح بلا مرجح، أولا تكون بعضا من سورة أصلا، و تبطل الصلاة حينئذ بناء على وجوب السورة الكاملة، و على ذلك بنوا حرمة مس كتابة المشترك بين القرآن و غيره مع فرض قصد الكاتب الأول و حرمة قراءة البسملة بقصد العزيمة في الصلاة، و على الجنب و غير ذلك من الفروع المبتنية على هذا الأصل.
و ناقشهم الأردبيلي فيه هنا و تبعه جماعة ممن تأخر عنه بأن نية الصلاة يكفي لأجزائها اتفاقا و لو فعلت مع الغفلة و الذهول، و يكفيه قصد فعلها في الجملة، و اتباع البسملة بالسورة تعيين كونها جزءا لها، و ذلك كاف مع عدم تسليم اشتراط ذلك التعين قبل القراءة، إلى أن قال: على أنه منقوض بالمشتركات الكثيرة مثل التخيير بين التسبيحات و الفاتحة، بل قراءة الفاتحة فإنها تحتمل وجوها غير قراءة الصلاة، و كذا السورة و التسبيحات بل جميع الأفعال، و يؤيده عدم وجوب تعيين القصر و الإتمام في مواضع التخيير، و عدم تعيين الواجب من الذكر مع التعدد و احتمال كل واحدة الواجبة لا الأولى فقط كما قيل.
و فيه أن من الواضح عدم مدخلية النية الإجمالية للصلاة في ذلك، ضرورة أنها تؤثر الاستغناء عن التعرض لنية القربة و الجزئية في كل جزء جزء إما للعسر و الحرج أو لأن المدار في نية المركبات على ذلك، حتى أنه يعد بسبب النية في الأول أن كل جزء منه منوي، أو لغير ذلك مما هو مذكور في محله، و هذا لا يؤثر في المقام، لأن المقصود تعيين السورة التي يراد البسملة لها حتى تكون بعضها و تتم السورة، و لا مدخلية لنية الصلاة فيه قطعا، و ما ذكره من النقض خارج عن البحث، للفرق الواضح بينهما بتأثير النية الإجمالية فيه دونه، و القصر و الإتمام ليسا من مقومات العمل، بل أي فرد جاء به المكلف أجزأ، و ستسمع البحث إن شاء الله في أذكار الركوع، كما أنه تقدمت
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج10، ص: 53
الإشارة إلى شيء منه في تكبيرة الإحرام، و اتباع البسملة بالسورة المتعينة في نفسها لا يقضي بتشخيص كون البسملة منها، إذ المتشخص يجدي في إثبات نفسه لا المشترك السابق عليه، و الحكم ظاهرا بكونه قاصدا بسملة هذه السورة تبعا لظاهر فعله غير مجد، لأن البحث عن الواقع بعد العلم به، اللهم إلا أن يريد بما ذكره من الاتباع المزبور أولا الإشارة إلى منع تشخيص نحو هذا الاشتراك بالنية، بل هي انما تعين المشترك في الدلالة، إذ بدونها يمتنع عقلا إرادة خصوص المعنى من اللفظ، أما مثل هذا الاشتراك فتعيينه انما يحصل باتباعه بما يقضي أنه منه، و إلا فبدون ذلك يصدق عليه أنه بعض من جميع ما اشترك فيه حتى لو قصد بعضيته من خاص، ضرورة الصدق العرفي على البسملة التي لم يقصد بها سورة خاصة، أو قصد أنها بعض و جزء من كل سورة كالبيت المشترك بين قصائد متعددة، لأن المراد بصدق الجزء قبل حصول تمام المركب قابلية تأليف المركب منه مع باقي أجزائه، و إلا فليس هو جزء فعلا كما في سائر المركبات الحسية و غيرها، على أنه لا فرق بحسب الظاهر بين المقام و بين الكتابة بقصد سورة خاصة ثم عدل عنها إلى سورة أخرى، فإنه لا ريب في صدق اسم كتابة السورة الخاصة عليه، و منع الصدق كمنع عدم الفرق مكابرة واضحة، بل الظاهر عدم الفرق أيضا بينه و بين المركبات الحسية التي من المعلوم فيها صدق أسمائها على المؤلف و إن كان قد قصد ببعض أجزائها المشتركة بينها و بين غيرها غير المركب المفروض، و الصورة الخارجية لا تصلح فارقا بعد أن كان ما نحن فيه أيضا له صورة ذهنية كما يظهر بأدنى تأمل بعد قطع النظر عما شاع على الألسنة من أن المشترك يتعين بالنية، مع أنه لم يعلم كون المراد بالمشترك ما يشمل نحو هذا الاشتراك، و لعله لذلك كله تردد في كشف اللثام في المقصود بها سورة خاصة فضلا عن غيرها، بل عن ظاهر المحكي عن البحار الجزم بعدم صيرورتها جزءا بذلك بحيث لا تصلح لصيرورتها جزء من غيرها، محتجا بالكتابة
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج10، ص: 54
و ب خبر قرب الاسناد «1» الذي ستسمعه، و بأنه يلزمهم اعتبار النية في باقي الألفاظ المشتركة غيرها، كقول: الحمد لله و غيره، مع أنهم لا يقولون به، و يؤيده أن المراد بقصد كونها من هذه السورة مثل العزم على جعلها جزءا من سورة يشخصها بمشخصها من بين السور، فهو من قبيل التشخيص بالغايات التي من المعلوم عدم صيرورتها به من المشخص كما هو واضح بأدنى تأمل، و ثانيا منع توقف التشخيص عليها، بل قد يحصل بغيرها، و هو الاتباع المزبور للصدق العرفي.
و لعله بذلك ينكشف لك الفرق بين هذا الاشتراك و الاشتراك الدلالي بأن البحث في المقام يرجع إلى تنقيح موضوع سورة، و أنه لا يعتبر فيه قصد البسملة بخلافه هناك، فإن الأمر فيه عقلي، و يزيده وضوحا أنه لو صرح الواضع بأن السورة عبارة عن القطعة من الكلام المفتتح بالبسملة مثلا و إن لم يقصد أنها منه ما كنا لنمنعه عليه، و ليس هكذا المشترك الدلالي، و ربما يومي إلى ذلك كله أو بعضه تصفح بعض كلمات المنكرين، خصوصا ما حكي من شرح الوافية للسيد الصدر حيث جعل سند المنع ذلك محتجا عليه بصدق اسم السورة على الواقعة ممن لا قصد له أصلا، ثم قال: و لو سلم مدخليته أي القصد فلا مانع من قيام غيره مقامه في التشخيص، و هو الاتباع بالمتعين و يؤيد ذلك كله خلو كتب الأساطين من قدماء الأصحاب عنه، و جهل أكثر المتشرعة به، و غلبة عدم خطوره في البال للمتنبهين منهم مع عدم الإعادة للسورة و إن كان قبل الركوع، مضافا إلى ظهور بعض نصوص المعراج كالمروي عن العلل منها في ذلك، و ظهور النصوص الواردة في العدول بسبب ترك الاستفصال فيها و غيره فيه أيضا كما ستسمعها في المسألة التاسعة، بل ربما ادعي ظهور بعضها في المقصود خلافه فضلا عن غيره كالذاهل و الغافل بحيث جرى على لسانه بسملة و سورة من غير قصد، إذ هو كالمقطوع به منها.
______________________________
(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 3.
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج10، ص: 55
و من هنا صرح بعض القائلين باعتبار التعيين بالاجتزاء بذلك، قال في الذكرى:
«متى انتقل أي من سورة إلى أخرى وجب إعادة البسملة تحقيقا للجزئية، و لو بسمل بقصد الإطلاق أو لا بقصد سورة لم يجز بل يجب البسملة عند القصد، أما لو جرى لسانه على بسملة و سورة فالأقرب الإجزاء، ل رواية أبي بصير «1» السالفة، و لصدق الامتثال» و تبعه عليه غيره ممن تأخر عنه كالمحقق الثاني في تعليقه على الإرشاد و غيره فإنه- بعد أن حكى الاتفاق من القائلين بوجوب السورة على وجوب إعادة البسملة لمن قرأها بعد الحمد من غير قصد سورة بعد القصد- قال: و لو جرى على لسانه بسملة و سورة بحيث وجد نفسه في خلال السورة أجزأ على الأقرب للرواية، و ظاهر التعليل الثاني في الذكرى يقضي بثبوت البعضية من غير احتياج إلى نية لا أنه اجتزأ به للرواية و إن لم تحصل البعضية بحيث يحتاج حينئذ إلى تخصيص ما دل على وجوب السورة الكاملة في الصلاة، و من ذلك يعلم حينئذ أن المقام ليس من الاشتراك الذي يحتاج إلى النية، و إلا لم يحصل في الفرض، كما أن الظاهر عدم المنافاة بين ما ذكراه من الاجتزاء في الفرض المزبور و بين الأول الذي صرحا فيه بعدم الاجتزاء، و هو قراءة البسملة لا بقصد سورة، للفرق بينهما بنية الخلاف و عدمها كما أومأ إليه في كشف اللثام، ضرورة أن الخلاف قصد غير السورة المقروة بقصد سورة أخرى مخصوصة غيرها، أو بقصد الإطلاق المنافي للتعيين، أو بتعمد عدم القصد إلى سورة مخصوصة من غير التفات إلى قصد الإطلاق، و حينئذ يمكن تنزيل نحو ما وقع من الفاضل في القواعد و الإرشاد و غيره من الحكم بإعادة البسملة على من لم يقصد سورة على نية الخلاف لا عدم النية، فتكون الصحة حينئذ في صورة جريان اللسان اتفاقية بين الجميع أو غير معروفة الخلاف و إن كان الاستدلال بتوقف تعيين الاشتراك على النية قاضيا بشمول الجميع،
______________________________
(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 4.
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج10، ص: 56
إلا أنك قد عرفت ما فيه، بل ذلك كله مماشاة، و إلا فقد عرفت قوة الاجتزاء حال قصد الإطلاق أو عدم قصد سورة مخصوصة، بل قد سمعت احتمال الاجتزاء مع قصد السورة المخصوصة ثم عدل فضلا عن غيره.
كما أنه يمكن القول بناء على اعتبار القصد في التعيين بأنه يكفي التعيين الإجمالي المقتضي تعينا في الواقع و إن لم يعلمه المكلف بخصوصه، كما لو قصد بالبسملة أنها جزء من السورة التي يوقعها الله في خلده للصلاة، و ينكشف ذلك حينئذ بما يقع منه بعد البسملة، إذ لا ريب في ارتفاع الاشتراك بذلك، و صيرورته من المتشخص في نفسه، و لذا صرح غير واحد بعدم وجوب قصد البسملة للحمد و للسورة المتعينة بنذر و شبهه، أو بعدم معرفته غيرها، أو بضيق الوقت إلا عنها، أو بغير ذلك من المعينات، إذ الظاهر أن وجه السقوط في ذلك عدم الاشتراك في التكليف، فتكفي حينئذ نية الصلاة الإجمالية الأولية في تعيين البسملة جزءا من الفاتحة أو السورة، ضرورة تشاغله بالمكلف به منها المفروض انحصاره في ذلك، فلا يقدح ذهوله و غفلته، فينحل في الحقيقة إلى نية التعيين، و إلا فنفس تشخص المكلف به في نفسه لا يرفع أصل الاشتراك، و هذا بعينه يمكن تقريره في الفرض المزبور أيضا، بل يمكن دعوى عدم انفكاك المكلف عن هذا القصد الإجمالي المتضمن لقصد كون البسملة جزءا مما يقع منه من السورة و إن كان لا يعلم هو خصوص ما يقع منه، إلا أنه متعين في نفسه و معلوم عند الله، فهو حينئذ كما لو قصد جزئية البسملة من السورة الموصوفة بكذا و فرض عدم انطباق الوصف إلا على سورة مخصوصة، و عدم استحضاره ما ينطبق عليه الوصف من السور كعدم استحضاره أصل القصد في حال الغفلة و الذهول غير قادحين، إذ الاستحضار أمر زائد على القصد المشخص، فتأمل جيدا.
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج10، ص: 57
و قد يعلم من التأمل في ذلك الحكم فيما فرعوه هنا بناء على اعتبار التعيين من الاكتفاء بالعادة، و بالعزم السابق على الشروع في الصلاة أو بعده قبل القراءة أو بعدها قبل الفراغ من الفاتحة، أو يعتبر خصوص القصد المقارن، حتى أن المحقق الثاني (رحمه الله) توقف في ذلك، و قال: إني لا أعلم شيئا يقتضي الاكتفاء أو عدمه بأن يقال: إن كانت العادة أو العزم أورثا داعيا في النفس ينبعث عنه الفعل اتجهت الصحة و إلا فلا، ضرورة حصول القصد في الأول و إن لم يعلم بحضوره، بخلافه في الثاني لمساواته من لم تكن له عادة أو عزم أصلا، نعم يندرجان في صورة جريان اللسان مع فرض عدم تجدد قصد آخر لهما، و قد عرفت الحال فيها، و الله أعلم.
********************
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 436
و كيف كان، فلا يعدل عنهما إلّا إلى الجمعة و المنافقين و مع
______________________________
(1) الدروس 1: 173.
(2) روض الجنان: 270.
(3) جامع المقاصد 2: 279.
(4) الذكرى: 195.
(5) تقدم في الصفحة السابقة.
(6) مصابيح الظلام (مخطوط): 141.
(7) مجمع الفائدة 2: 244 و 245.
(8) البيان: 164.
(9) الانتصار: 44.
(10) المعتبر 2: 191.
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 437
العدول من سورة إلى أخرى يعيد البسملة [1]، لأنّ البسملة التي قرأها أوّلا كانت جزءا من المعدول عنها فلا تصير جزءا من المعدول إليها، و مجرّد اشتراك البسملتين في الصورة لا يوجب قابلية كلّ منهما لأن يصير جزءا من سورة صاحبها، مثلا بسملة سورة التوحيد هي البسملة الشخصية التي نزلت معها و كذا بسملة الجحد و بسملة غيرهما، فإذا بسمل بقصد حكاية تلك البسملة الشخصية النازلة مع التوحيد يصدق أنه قرأ جزءا من سورة التوحيد، و يصحّ أن يسلب عنه قراءة جزء غيرها من السور، فإذا ضمّ إليها غيرها فلا تنقلب عن جزئية الاولى إلى جزئيته، لأنّ ما وقع على وجه لا ينقلب عمّا وقع عليه.
و بعبارة أوضح: انّ بسملة كلّ سورة بحسب وجودها الأصلي القائم بمتكلمه الأوّل- أعني: الملك أو النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم أو غيرهما- كلام شخصي و موجود مغاير لبسملة السورة الأخرى، و معنى قراءة المكلّف تلك البسملة: التكلّم بألفاظها النوعيّة بقصد حكاية ذلك الكلام الشخصي، فالمقوّم لجزئية البسملة للكلام الشخصي القائم بالمتكلّم الأوّل هو انضمامها إليه و تركّبه منها و من غيرها، و لجزئيتها لكلام المكلّف القارئ هو قصد حكاية ذلك الجزء، فعلم من ذلك أنّ قراءة البسملة التي قصد بها حكاية بسملة الإخلاص النازلة معها، لا يعقل أن يصدق عليها قراءة جزء سورة الجحد إذا رفع اليد عن الإخلاص و ضمّ إليها بقية سورة الجحد.
و نظير ذلك: الكلام المشترك بين القرآن و بين مصراع من بيت غير
______________________________
[1] في الإرشاد بعد هذه الفقرة ما يلي: و كذا يعيدها لو قرأها بعد الحمد من غير قصد سورة، بعد القصد.
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 438
مقتبس منه، فإنّ القرآن هو الكلام الشخصي المنزل من عند اللّٰه القائم بمتكلّمه الأوّل، و غيره هو الكلام الشخصي القائم بالشاعر، فالقارئ إذا قصد حكاية كلام اللّٰه المنزل الشخصي، صدق عليه القرآن، و لا يعقل أن يصدق عليه بعد ما ضم إليه بقيّة كلام ذلك الشاعر أن يصدق على ما قرأ أوّلا أنّه قرأ مصراع بيت فلان الشاعر.
فعلم أنّ بسملة كلّ سورة باعتبار كلّ من وجودها الأصلي القائم بالمتكلّم الأوّل و وجودها الحكائي القائم بالقارئ موجود مغاير لبسملة سورة أخرى باعتبار وجوديها المذكورين، نعم هما مشتركتان في جزء الماهيّة و هي الصورة الخارجيّة للبسملة، و تغايرهما في الوجود الحكائي ليس باعتبار قصد كونها جزءا لإحدى السورتين، حتى يقال: إنّ الجزء إذا كان تحت ماهيّة قابلة لمركبين فقصد جزئيته لأحدهما لا يخرجه عن الاشتراك و القابليّة، بل تغايرهما باعتبار كون المقصود في إحداهما حكاية الكلام الشخصي النازل مع السورة المعيّنة التي هي عبارة عن قطعة شخصية من الكلام الشخصي المنزل، و لا ريب أنّ قصد المحكيّ الخاص مقوّم لوجود الحاكي من حيث إنّه حاك.
فعلم من ذلك: أنّ قياس البسملة بالنسبة إلى السور، على الجزء المشترك بين مركبين خارجيين عينيين- مثل العسل الذي هو جزء مشترك بين السكنجبين و الاطريفل [1]، أو القائمة المشتركة بين قائمة السرير و قائمة الباب مثلا- قياس مع الفارق، إذ الجزء في كلّ من المركبين هو تمام الموجود
______________________________
[1] هو بريسم الماء، و هو نبات عشبي طبّي معمّر، من فصيلة الجنطيانيات، تشبه أوراقه أوراق النخل. «لا روس: 114».
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 439
العيني القابل لهما، و قصد جزئيته لأحدهما لا يخرجه عن قابلية الجزئية للآخر، كما عرفت في البسملة من أنّ تغاير البسملتين في الوجود الحكائي ليس بهذا الاعتبار، بل باعتبار أمر داخل في مفهوم الوجود الحكائي.
و من قبيل الأمثلة المذكورة للمركّبات الخارجية: البسملة المنقوشة في الكتاب، فإنّ جزئيتها لكلّ سورة تكتب بعدها باعتبار هذا الوجود النقشي الخارجي، و قصد نقشها لسورة لا يخرجها عن قابلية جزئيتها لأخرى، كتخليل ماء العنب لخصوص واحد من السكنجبين و الاطريفل، و نحت قطعة من الخشب قائمة لخصوص السرير أو الباب.
ثمّ على تقدير الإغماض عن دقيقة مدخلية قصد حكاية الكلام الشخصي في صيرورة البسملة جزءا، و تسليم كون السور على حدّ سائر المركبات الخارجية العينيّة، نقول: إنّ المأمور به في الصلاة هو قراءة السورة، و صدق هذا العنوان موقوف على كون الشخص في كلّ جزء قاصدا لقراءة تلك السورة، أي كلّ جزء منها، و لا ريب أنّ الآتي بالبسملة بقصد كونها جزءا من سورة التوحيد يصدق عليه أنّه أتى بجزئها و لم يأت بجزء من سورة الجحد، فإذا ضمّ باقي الجحد فلا [يصدق] [1] على الفعل المتقدم منه قراءة جزء من سورة الجحد حتّى يصدق عليه أنّه قرأ كلّ جزء منها، و إن سلّمنا أنّه يصدق على الموجود الخارجي المجتمع في الذهن من الأجزاء الموجودة تدريجا أنّها سورة الجحد، لكن المناط صدق الاشتغال بقراءة سورة الجحد عند الاشتغال بكلّ جزء جزء منه.
______________________________
[1] من «ط»، و الكلمة غير واضحة في «ق»، و كتب ناسخ «ط» في الهامش ما مفاده:
لم يمكننا القراءة من نسخة الأصل.
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 440
نظير ذلك في المركّبات الخارجيّة: ما إذا أمر السيّد عبده بالاشتغال بنحت السرير في قطعة من الزمان، فإذا اشتغل في بعض ذلك الزمان بنحت قائمة بقصد قائمة الباب، فلا ينفعه ضمّ بقية الأجزاء بنيّة السرير في صدق أنّه اشتغل بنحت السرير في الزمان المأمور به.
فالمعتبر هو أن يصدق عليه حين القراءة أنّه يقرأ السورة الفلانيّة، و لا شكّ في توقّفه على أن يقصد بكلّ جزء مشترك قراءة تلك السورة حتّى أنّه لو قصد ببعض أجزائها في وسطها أنّه جزء لسورة أخرى، لم يصدق عليه حين الاشتغال بذلك الجزء انّه مشغول بقراءة تلك السورة، و إن سلّمنا أنّه يصدق على ما قرأ أنها سورة كذا، بمعنى أنّ المجتمع في الذهن من الأجزاء المنقضية كالمجتمع في الخارج من الأجزاء المنقوشة، فكما أنّه إذا قصد حين الكتابة بكتابة البسملة بقصد سورة التوحيد لا يصدق عليه أنّه إذا يكتب سورة الجحد، و كذا إذا كتب سائر الأجزاء الأثنائية [1] بقصد سورة لا يصدق عليه في تلك الحالة كتابة سورة أخرى، نعم يصدق على الجميع أنها سورة كذا و أنّه كتب سورة كذا، أي: كتب ما هو مصداق في العرف لسورة كذا الموجودة في الخارج بالوجود النقشي، فالمنقوش في الذهن من السورة كالمنقوش منها في الخارج.
ثم بما ذكرنا في التقرير الأوّل يظهر ما في القول: بأنّ معنى كون البسملة بقصد هذه السورة العزم على جعلها جزءا من سورة يشخّصها بمشخّصها من بين السور، فهو من قبيل التشخيص بالغايات، و من المعلوم عدم صيرورتها بذلك من المشخّص. و منشأ هذا التوهم أيضا قياس البسملة بالنسبة إلى
______________________________
[1] أي: الأجزاء المتوسّطة التي تقع في الأثناء.
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 441
السور على الجزء المشترك بين المركّبين، و قد عرفت فساده، و أنّ اشتراك السور في البسملة ليس من قبيل اشتراك المركّبات الخارجيّة في بعض الأجزاء.
و مما ذكرنا يظهر: أنّه كما لا تكون البسملة المقصودة بها سورة معينة قابلة لأن تصير جزءا من سورة اخرى، إمّا لأجل مدخلية قصد حكاية بسملة تلك السورة في مفهومها، فعند وجودها مع قصد لا يتعقّل ضمّ قصد آخر إليه، فلا يكون جزءا من المعدول إليها، و إمّا لأجل أنّه [1] و إن سلّمنا عدم مدخليّة قصد الحكاية في مفهومها لكن لا يصدق عليه إذا اشتغل ببعض الأجزاء على قصد جزئية سورة ثمّ ضمّ إليها بقيّة الأخرى أنّه قرأ تلك السورة الأخرى، يظهر لك أنّ مجرّد قصد سورة غير معيّنة بالبسملة لا يوجب قابليتها لأن تضمّ إلى سورة معيّنة فتصير بذلك جزءا منها، بحيث يصدق بعد ضم البقيّة أنّه قرأ السورة المعينة يعني قرأ جميع أجزائها، لأنّ المفروض أنّ الجزء من تلك السورة هو البسملة النازلة معها، فما لم يقصد القارئ حكاية تلك البسملة لا يصدق عليه أنّه قرأ بسملة تلك، لما عرفت «2» من أنّ الوجود الحكائي لبسملة سورة الذي تعرض له القراءة مغاير للوجود الحكائي لبسملة أخرى.
فإن قلت: هذه البسملة التي قرأها بقصد سورة لا بعينها لا شك في أنّه يصدق عليه القرآن، فإذا صدق عليه القرآن فإمّا أن يصدق عليه أنّه بعض من سورة دون سورة، و إمّا أن يصدق عليها أنّها بعض من كلّ
______________________________
[1] في «ق» ظاهرا: هو أنّه، و قد شطب ناسخ «ط» على كلمة: هو.
______________________________
(2) في الصفحة: 437.
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 442
سورة، بمعنى أنّها قابلة لها، إذ لو لم يصدق عليه أنّها بعض سورة أصلا لم يصدق عليه القرآن، و قد فرض الصدق قطعا، و المفروض أنّه لا يصدق عليه بعض من سورة دون اخرى، فتعيّن أنّه قابل لكلّ سورة.
قلت: كونها قرآنا مسلّم [1] و يصدق عليها أنّها جزء من سورة، بمعنى أنها قابلة لأن يقصد بها حين القراءة كلّ سورة، لا أنّ هذه التي لم يقصد بها سورة قابلة لأن تصير بعد الضمّ جزءا من كلّ سورة، و لا تنافي بين أن يصدق كلّي على شيء- كالقرآن على البسملة التي لم يقصد لسورة- و أن لا يصدق عليه أنّه جزء من هذه السورة، و لا من ذيك، و لا من تلك، نظيره: ما إذا طلب المخاطب الإتيان برجل مبهم شائع، فإنّه يصدق عليه أنّه طلب رجلا، لكن لا يصدق عليه أنّه طلب زيدا و لا أنّه طلب عمروا و لا أنّه طلب بكرا، و إن كان كلّ من أتي به حصّل الامتثال، لكنّ الكلام في تمثيل القراءة و تشبيهها بالطلب و أنه لا يجب على ما يعرض للواحد المبهم أن يعرض لشيء من الآحاد الخاصة، فإنّا نرى بالعيان إنّ من قصد بالبسملة مجرّد القرآن لا يصدق عليه أنّه قرأ بعض سورة التوحيد و لا بعض سورة العزيمة و لا بعض سورة كذا، فكلّ حكم ترتّب على سورة خاصة و جزئها لا يترتب على قراءة هذه البسملة، فإذا أمر الشارع تخييرا بقراءة سورة من بين السور فلا بدّ من أن يصدق حين القراءة أنّه مشغول بالسورة الفلانيّة، و هذا مسلوب عن هذا الشخص.
فإن قلت: يكفي بعد الإتمام أن يصدق أنّه قرأ سورة كذا.
______________________________
[1] في «ق»: زيادة لكن صدق و قد شطب المؤلف قدّس سرّه على عبارة بعدها و الظاهر أنّه قد ترك الشطب عليها سهوا.
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 443
قلت: لا يصدق عليه بعد الإتمام أنّه قرأ سورة كذا، لما عرفت من الوجهين في أن قراءة سورة كذا لا تصدق إلّا إذا كان حين الاشتغال بكلّ جزء أنّه قارئ لسورة كذا و مشغول، و إلّا فصدق سورة كذا على المجتمع في الذهن المنقوش فيه من قبل صدقها على المجتمع المنقوش في الخارج.
نعم، لو كانت السورة الموضوعة للقطعة المعيّنة من القرآن المبدوءة ببسملة، استقام ما ذكر، لكن قد عرفت فساد ذلك و أنّ السورة اسم للقطعة المبدوءة ببسملتها، و إن شئت فاجعل البسملة داخلة في تلك القطعة، و قل:
السورة اسم لإحدى القطعات المشخّصة المعيّنة، فلا بدّ من امتثال الأمر التخييري بها أن يصدق بعد القراءة أنّه قرأ تلك القطعة المشخّصة، و العرف لا يحكم بهذا الصدق إلّا إذا شرع في تلك القطعة ناويا لها بأوّل جزء منها.
ثمّ إنّه قد يتوهّم دلالة أخبار العدول على جواز الاكتفاء بالبسملة المقصود بها سورة أخرى، و قد يتوهّم من رواية المعراج جواز قصد البسملة من غير قصد سورة معيّنة، حيث إنّ اللّٰه سبحانه أمر نبيّه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم بالتسمية فسمّى لا بقصد سورة معيّنة، ثم أمره بالحمد أو التوحيد «1».
و فساد التوهّم الأوّل يظهر بالتأمّل في أخبار العدول، و فساد الثاني بأنّ قضية المعراج هي السبب لوجوب قراءة تلك البسملة التي أمر اللّٰه بها نبيّه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم لأجل التوحيد و هو لا يحصل إلّا بالقصد إليه. و أمّا النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم فلم يكن البسملة يومئذ مشتركة بين السور، مع أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم سمى بقصد ما يأمره اللّٰه من السور أو بقصد الامتثال، و لم يكن هو صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم مكلّفا بسورة من السور حتّى يكون إهمال
______________________________
(1) انظر الوسائل 4: 679، الباب الأوّل من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 10.
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 444
القصد موجبا لعدم صدق قراءة السورة.
و قد يتوهّم أيضا، أنّ فتوى الشهيد «1» و المحقّق «2» الثاني و غيرهما «3» بالاكتفاء بما لو جرى على لسانه بسملة مع سورة، مستدلّين بتحقق الامتثال، مناقض لما ذكرنا و ذكروا.
و فيه: أنّ الغرض من وجوب القصد وجوب كون البسملة مقصودة و لو بالقصد الإجمالي، إذ لا ريب أنّ من جرى لسانه على بسملة و سورة بداع واحد مركوز في ذهنه، فقد قصد إجمالا إلى بسملة تلك السورة.
و بعبارة أخرى: الداعي المركوز داع لقراءة مجموع السورة، و منها البسملة، فالحكم بكون البسملة بعضا من تلك السورة لقصدها إجمالا، لا لأنّ القصد غير شرط، فينزّل كلام من أطلق «4» وجوب الإعادة لو لم يقصد سورة على صورة قصد الخلاف، لما ذكره الشهيد و المحقق [1] من عدم اعتبار القصد، غاية الأمر اعتبار عدم قصد الخلاف.
و قد يسلّم وجوب القصد، و يقال بكفاية قصد السورة التي يوقعها اللّٰه في قلبه. و فيه: أنّه قول بعدم وجوب القصد، لأنّ القائل بالقصد إنّما يقول
______________________________
[1] لم نقف عليه، و لعل المراد: ما تقدم في الصفحة السابقة من الإجزاء فيما لو جرى على لسان المصلّي بسملة .. إلخ.
______________________________
(1) انظر الذكرى: 195، و الدروس 1: 174.
(2) انظر جامع المقاصد 2: 282، و الرسالة الجعفرية (رسائل المحقق الكركي) 1: 110.
(3) انظر الذخيرة 281، و كشف اللثام 1: 225.
(4) كالعلامة في القواعد 1: 275، و الشهيد في الذكرى: 195، و المحقق الثاني في جامع المقاصد 2: 281، و غيرهم، انظر مفتاح الكرامة 2: 411.
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 445
به لأجل كون البسملة من دونه لا يتعين كونها لسورة معيّنة إلّا بالقصد، فإذا قصد الشخص بالبسملة جزء السورة التي يقذفها اللّٰه في قلبه فهو بعد ذلك مخيّر في ضمّ أيّ سورة شاء أم لا، و الثاني خلاف المفروض، و الأوّل لا يتحقق إلّا بعد كون البسملة قابلة لكلّ ما يجوز له أن يختاره، فصارت البسملة قابلة لجميع السور، فأين المعين لها بخصوص ما يوقعه اللّٰه في قلبه؟! فهذا قول بعدم وجوب قصد السورة المعيّنة من حيث لا يشعر قائله.
و أعجب من ذلك: ما قيل «1» في توجيهه من أنّ الاشتراك يقطع بذلك و يرتفع- ليت شعري- فأين محلّ الاشتراك؟ إلّا أن يقال: إنّه فرق بين أن يقصد سورة غير معينة، و بين أن يقصد خصوص ما يقذفها اللّٰه في قلبه، فيفرّق بين الموضعين، لكن فيه ما مرّ «2» من أنّ هذا المقدار لا يرفع عموم قابلية البسملة الذي كان هو الداعي على وجوب القصد، مع أنّه مدفوع بأنّ المكلّف لا ينفكّ عن أن يقصد بتلك البسملة جزئيتها لما يقع منه من السورة، و إن كان لا يعلم خصوص ما يقع منه، ثمّ قياس هذا الفرض على ما إذا قصد بالبسملة أطول السور أو أقصرها- مع عدم علمه بذلك حين البسملة- قياس مع الفارق، لأنّ قصد السورة النازلة مع أقصر السور أو أطولها يكفي، و يجب عليه بعده اختيار ذلك، بخلاف قصد ما يوقعه اللّٰه في قلبه، فإنّه باق على التخيير، فالبسملة باقية على القابليّة.
و منه يظهر الكلام فيما إذا تعيّن السورة بنذر أو ضيق أو عدم معرفة غيرها، فإنّ البسملة المقروءة غير قابلة لغيرها.
********************
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 609
[القول في البسملة]
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم [1] إذا قرأ البسملة بقصد القرآن فالظاهر أنّها قرآن، و إن لم يكن جزءا فعليّا من سورة معينة، إذ يكفي في صدق القرآن على ملفوظ الإنسان أن يقصد به حكاية الكلام الشخصي المنزل، و لا مدخل في ذلك للخصوصيات المكتنفة بالمحكيّ مثل زمانه و مكانه، و كذا كونه جزءا من سورة كذا.
و السورة ليست إلّا عبارة عن قطعة من القرآن، فإذا تكرر آية في
______________________________
[1] هذا أوّل أربع صفحات من النسخة المكررة بخط المؤلف قدّس سرّه، و هي الصفحة اليسرى من الورقة: (74) إلى الصفحة اليمنى من الورقة: (76) مرتبطة بما ذكره الماتن قدّس سرّه في الإرشاد من قوله: «و مع العدول يعيد البسملة، و كذا يعيدها لو قرأها بعد الحمد من غير قصد سورة بعد القصد» و أوردناها هنا، حفاظا على الترتيب في شرح عبارات الإرشاد.
هذا و قد تقدّم بحث المؤلف قدّس سرّه عن البسملة في النسخة الثانية في الصفحات:
437- 445.
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 610
القرآن في سور متعددة، فالمعتبر في صدق القرآن التكلّم بتلك الآية على أنّه جزء من كلام اللّٰه، لا أنّه جزء من القطعة الفلانية، و كذا الكلام في الآية المكررة في سورة واحدة، مثل فَبِأَيِّ آلٰاءِ رَبِّكُمٰا تُكَذِّبٰانِ، فإنّه يصدق في صدق قراءة جزء من السورة: التكلّم بتلك على أنّها منها، و لا يحتاج إلى ملاحظة كونها من أي قطعة من قطعات تلك السورة المشتملة على تلك الفقرة، فإنّ من قرأ فَبِأَيِّ آلٰاءِ رَبِّكُمٰا تُكَذِّبٰانِ فقد صدق أنّه قرأ جزءا من سورة «الرحمن»، و إن لم ينو كون الفقرة جزءا من أي قطعة من تلك السورة، فسؤره «الرحمن» بمنزلة القرآن، و الفقرات المشتملة على قوله فَبِأَيِّ آلٰاءِ بمنزلة السور المشتملة على البسامل.
فعلم أنّه يكفي قصد كون الفقرة جزءا من القرآن، و هذا بعينه هو المعتبر في كون أصل السورة أيضا من القرآن، فإنه يعتبر في قرائته قصد كونه قرآنا، لا مجرد موافقة ألفاظها لألفاظه.
ثمّ إنّ السورة موضوعة للقطعات الخاصة من القرآن المشتملة على البسملة، فالبسملة جزء من كلّ سورة، و كلّ سورة لها بسملة، لكن ليست بسملة كلّ سورة مخالفة لبسملة الأخرى إلّا من حيث انضمام هذه إلى قطعة لم ينضم إلى الأخرى، فإذا قصد القارئ من البسملة كونها قرآنا، فهذه هي القابلة لأن تصير جزءا من كلّ سورة.
فإن قلت: لا بدّ في قراءة السورة من قصد بسملتها.
قلت: هذه الإضافة الحاصلة في قول بسملتها، إمّا أن يكون من جهة انضمام الباقي إلى البسملة فصارت بسملتها، و إمّا أن يكون لخصوصية أخرى فيها ليست في بسملة غيرها.
أمّا الثاني: ففيه، أولا: مع اختلاف البسامل بالخصوصيات الأخر من
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 611
حيث إنّها آيات من جنس الكلام، إذ من المقطوع أنّ بسملتين من سورتين كلام واحد من حيث الماهيّة و ليس اختلافهما إلّا بحسب الوجود، و يرجع حاصل [1] اختلافهما إلى التكرار.
و ثانيا: أنّه لو كان كذلك لم تكن البسملة المطلقة إذا أريد منها القرآن قرآنا، لفقده جميع الخصوصيات المعتبرة في أجزاء السور فلا يقبل أن يصير جزءا و إذا لم يقبل أن يصير جزءا من القرآن فليس بقرآن و على الأوّل فلا ريب أنّ هذه الخصوصيّة إنّما تحصل بعد ضم الباقي إليه، فأية قطعة ضمّ إليها تصير البسملة بسملتها.
و الحاصل: أنّ اختلاف بسامل السور، إمّا أن يكون باعتبار أنفسها، بأن تكون بسملة هذه مخالفة لبسملة غيرها في نفسها كالأجزاء المشتركة صورة بين عبادتين مختلفتين المختلفة حقيقة، و إمّا ان تكون باعتبار انضمام باقي السورة إلى كلّ واحدة.
فعلى الأوّل: لا بدّ أن لا يصدق القرآن على البسملة المطلقة و هو مكذّب بالعرف.
و على الثاني: يصير من قبيل سائر المركبات الخارجية المشتركة في بعض الأجزاء، حيث إنّ جزء أحدها مغاير مع جزء الأجزاء، إذا وجد كلّ منهما في ضمن كلّه، و إلّا فالجزء الواحد صالح لكلّ منهما.
فإن قلت: لعلّ الخصوصية مأخوذة في جزء السورة، و صدق القرآن على ما لم يلاحظ فيه ذلك، بل المعتبر في صدق القرآنية هو قصد حكاية نوع كلام اللّٰه، بخلاف المأخوذ فيه حكاية شخص البسملة.
______________________________
[1] كذا ظاهرا، و الكلمة غير واضحة.
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 612
قلت: المفهوم من السورة- لغة و عرفا- هو الكلام المشتمل على هذه الآية المكرّرة، فالبسملة شيء واحد مكررة في جميع السور، فتكرار البسملة في السور ليس إلّا كتكرار سائر الآيات و الكلمات فيها.
و إن شئت فقل: إنّ القرآن بتمامه كلام واحد مشتمل على فقرأت مكررة من البسامل و غيرها، على نحو غيره من الكلامات المنثورة، و المنظومة، ثم أطلق على قطعات منه مبدوءة بالبسملة أنّها سورة، فاختصاص البسملة بسورتها باعتبار كونها جزءا منه كسائر أجزاء المركبات الخارجية، فإذا قرأ بسملة بقصد القرآن المطلق فهو كما لو قرأ بيتا مشتركا بين قصيدتي شخص واحد في أنّه يصدق عليه أنّه قول فلان، فله أن يضم إليه ما شاء.
ثم إذا قصد البسملة لسورة معينة، فهذا يتصور على وجهين:
الأوّل: أن يقصد أن يضم إليها الباقي من سورة معينة و يقرأ بعدها ما عدا البسملة من تلك السورة، فهذا بعينه كالصورة السابقة، فإنّه لم يقصد البسملة الخاصة المختصة بتلك السورة و لم يقصد حكاية كلام اللّٰه الشخصي الحاصل في ضمن التكلّم بمجموع السورة و هذا هو الغالب المتعارف في قصد السورة المعيّنة، و قد عرفت أنّه راجع إلى إرادة قراءة سورة التوحيد، فيقرأ البسملة بقصد أنّه من القرآن ثم يضم إليه باقي التوحيد، فهو في الحقيقة عازم لضم بقية السورة إلى البسملة القرآنية، فيقال: إنّه بسمل لسورة التوحيد.
الثاني: أن يقصد بها خصوص الكلام الشخصي المتكلّم به في ضمن سورة التوحيد.
فعلى الأوّل: له أيضا أن يرجع و يضم إليه ما عدا التوحيد، لأنّه
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 613
رجوع عن عزمه، نعم لو تعلّق حكم شرعي بالسورة المعينة كتحريم قراءة سورة العزائم فيحرم عليه البسملة لها، و إن كانت البسملة قابلة لغيرها، لأنّ الدخول في المحرّم يحصل بالدخول في الأجزاء المشتركة بينه و بين غيره فليس تحريمه دليلا على عدم قابلية وقوعه لغيره، لأنّ تحريمه ليس لاختصاصه بالسورة العزيمة، بل لأجل تخصصها بها في عزم المكلّف، فحينئذ لا منافاة بين ترتّب العقاب عليه، إذ به يتحقق الدخول في العزيمة في عزم المكلّف، ثم ضمّ بقية سورة أخرى ليصير جزءا منها، و لا يلزم منه كونها جزءا لسورتين، أحدهما بالقصد و الآخر بالاتصال، لأنّا نمنع كونه جزءا للعزيمة، بل العقاب لأجل كون المكلّف يصدق عليه الدخول في العزيمة إذا عزم أن يقرأها للعزيمة، فهو مثل ما إذا اشتغل بصوغ بعض الآلات المحرّمة فحينئذ لا شبهة في أنّه يستحق العقاب على هذا الاشتغال، فإذا رفع اليد عن المحرّم، و صاغ آلة محلّلة فقد صار جزءا منها دون المحرّم، فالعقاب إنّما كان لقابليّة لجزئيّة العزيمة و الإتيان بها بذلك القصد ثم صار جزءا فعليا، كيف؟! و جزء الشيء لا يوجد في الخارج بوصف أنّه جزء منه و بعضه، ما لم يوجد الكلّ.
قد يقال: إنّ المتبادر من أمر الشارع بقراءة سورة، وجوب كون قراءة السورة المعينة مقصودة من أوّل القراءة، فكما أنّه إذا أمر عينا بقراءة سورة معيّنة لا يحصل الامتثال إلّا بقصد السورة من أوّل الأمر، و كذلك إذا نهى عن سورة فيعتبر في المخالفة قصد السورة من أوّل الأمر، فكذلك إذا أمر تخييرا بقراءة إحدى السور، فإنّ مرجعه إلى تخيير المكلّف في قراءة أيّة سورة شاء المكلّف، فلا بدّ من أن يصدق عليه أنّه قرأ السورة الفلانية و السورة الفلانيّة، و إن كانت هيئتها المنتظمة في الذهن لا يتوقّف تحققها على
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 614
كون أوّلها مقصودا بها السورة بخصوصها، بل يكفي القصد إلى مطلق السورة، بل القصد إلى غيرها ثم الرجوع إليها، إلّا أنّ قراءة السورة الفلانية إذا وقعت في جزء الأمر أو النهي عينا أو تخييرا، يفهم منها قراءة تلك السورة أي مجموعها على أنّها تلك السورة، لا مجرّد قراءة ما يصدق عليه بعد الوجود أنّها السورة الفلانيّة.
نعم، مثل المركبات الخارجية المقصود منها الهيئة الحاصلة بعد الإيجاد، يكفي فيها صدق المركب بعد الإيجاد، و لا يلزم فيها أن يصدق على المكلّف في جميع أزمنة الاشتغال بالإيجاد إنّه مشتغل بإيجاد ذلك المركب الخاص بعنوان أنّه ذلك المركب.
لكن هذا الوجه إنّما يوجب أن لا يكتفي بالبسملة المقصود بها سورة إذا عدل إلى أخرى، لأنّه حين الاشتغال بالمجموع المركب من البسملة و باقي السورة [لا يصدق] [1] أنّه قرأ سورة، بل يصدق أنّه قرأ بعضها من سورة و بعضا من اخرى، بل يصح أن يسلب عنه قراءة كلّ سورة سورة من سور القرآن حين الاشتغال بالقراءة، و إن كان الهيئة الحاصلة بعد ضمّ المجموع يصدق عليها السورة الفلانية الكاملة، لكن المطلوب هي السورة الكاملة على وجه لا يصدق معها أنّه بعّض سورتين، و صرف البعض المقروء إلى المعدول إليه إنما يوجب حصولها في الخارج بعد الإكمال لا سلب صدق تبعّض السورتين، لأنّ صدق قولنا إنّه بعض المعدول عنه لا يثبت بمجرد صرف النيّة.
و نظير ذلك في المركبات الخارجية: ما إذا أمر بالاشتغال بأحد مركبين
______________________________
[1] الزيادة اقتضاها السياق.
كتاب الصلاة (للشيخ الأنصاري)، ج1، ص: 615
مشتركين في بعض الأجزاء بحيث يعلم أنّ المقصود الاشتغال بهذا المركب لأنّ المقصود حصول الهيئة، فاشتغل العبد بالأجزاء المشتركة بعنوان ثم عدل عنه إلى الآخر، فإنّه غير ممتثل، لأنّه لم يكن مشغولا بهذا المركب و لا بذلك، بل كان مشغولا ببعض هذا و بعض ذلك.
و أمّا إذا بسمل بقصد مطلقة ثم ضم إليه بقيّة سورة خاصّة، فلا ينهض الوجه المذكور على عدم كفايته، لأنّ المسلّم في وجوب امتثال الأوامر التخييرية هو اشتراط أن يكون الداعي إلى كلّ فرد هو الأمر بأحد البدلين- المتولّد من الأوامر المتعدّدة بالإبدال- لا وجوب امتثال أحد الأوامر الخاصة، بأن يلاحظ عنوانا خاصا من الأبدال.
و بعبارة أخرى: إذا قال الشارع اقرأ سورة، فالمعتبر في الامتثال أن يقصد في أوّل الاشتغال امتثال الأمر بإحدى السور، و لا يعتبر أن ينوي امتثال أحد- الأوامر بالسورة- المنحلّ إليها الأمر بالمطلق، مثل: اقرأ سورة التوحيد، أو سورة الجحد، أو سورة الكوثر، أو سورة كذا.
و فرق بيّن بين وجود امتثال أحد الأوامر و وجوب امتثال الأمر بأحد الأبدال.
هذا كلّه، إذا سلمنا ورود الأوامر المتعددة، و إلّا فالوارد أمر واحد بالمطلق [1].
______________________________
[1] هذا آخر ما ورد في الصفحة اليمنى من الورقة: (76)، و به ينتهي ما وجدناه مكرّرا بخطّ المؤلف قدّس سرّه في مباحث: القيام، النية، تكبيرة الإحرام و القراءة، و الحمد للّٰه أوّلا و آخرا.
************************
مصباح الفقيه، ج12، ص: 377
[الأوّل وجوب تعيين السورة بعد الحمد]
الأوّل: صرّح غير واحد «2» بل نسب إلى الأكثر «3» بل المشهور «4» أنّه يجب تعيين السورة بعد الحمد قبل الشروع في البسملة المشتركة بين السّور، و قوّاه شيخنا المرتضى رحمه اللّه، و استدلّ له بوجهين، و أطال الكلام في إيضاحهما بما ملخّصه: أنّ كلّ سورة من السّور القرآنيّة في حدّ ذاتها قطعة من كلام اللّه المنزل على النبي صلّى اللّه عليه و آله، و البسملة جزء من كلّ منها، فكلّ منها مع بسملتها موجود مغاير لما عداه، و معنى قراءة كلّ سورة هو التكلّم بألفاظها النوعيّة بقصد حكاية ذلك الكلام الشخصي، فقراءة بسملة كلّ
______________________________
(1) الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السّلام: 113، و حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 8:
232.
(2) مثل: العلّامة الحلّي في تحرير الأحكام 1: 243/ 829، و تذكرة الفقهاء 3: 150، الفرع «ج» من المسألة 234، و الشهيد في الألفيّة: 58، و البيان: 157، و الدروس 1: 173، و الذكرى 3: 255، و ابن فهد الحلّي في الموجز الحاوي (ضمن الرسائل العشر): 78، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 281، و الجعفريّة (ضمن موسوعة حياة المحقّق الكركي و آثاره) 4: 171- 172، و الشهيد الثاني في المقاصد العليّة: 253.
(3) الناسب إلى الأكثر هو المجلسي في بحار الأنوار 85: 18.
(4) الناسب إلى المشهور هو البحراني في الحدائق الناضرة 8: 222.
مصباح الفقيه، ج12، ص: 378
سورة هو التلفّظ بها بقصد حكاية خصوص البسملة النازلة معها، فلو قرأ البسملة التي قصد بها حكاية بسملة الإخلاص لا يصدق عليها قراءة جزء سورة الجحد أو العزيمة، فلو بدا له أن يقرأ سورة الجحد لا يجديه ضمّ بقيّة السورة في صيرورة البسملة التي قرأها بقصد الإخلاص مصداقا لقراءة بسملة الجحد، ألا ترى أنّه لو قال في أثناء الصلاة: وَ جٰاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ قاصدا به حكاية كلام اللّه النازل في سورة يس «1»، صدق عليه قراءة القرآن، و أمّا لو قصد به الإخبار أو حكاية كلام شخص آخر، اندرج في كلام الآدميّين، المبطل لصلاته، و لا يجديه ضمّ ما يمحضه للقرآنيّة في انقلاب هذا الجزء و صيرورته حكاية كلام اللّه بعد أن لم يكن كذلك حين صدوره.
و كذا لو قلنا بأنّ قراءة العزيمة مطلقا حتى بسملتها مبطلة للفريضة، فلو بسمل بقصد العزيمة، تبطل صلاته و إن بدا له بعد قراءة البسملة أن يجعلها جزءا من سورة أخرى، بخلاف عكسه، فلا يقاس ذلك بأجزاء المركّبات الخارجيّة المشتركة بينها و بين غيرها ممّا لا مدخليّة للقصد في قوام ذاتها الصالحة من حيث هي للجزئيّة، كالخلّ الذي يتركّب منه السكنجبين،، و الإطريفل، أو القائمة المشتركة بين قائمة السرير و الباب؛ إذ الجزء في المثال هو ذات الخلّ أو القائمة من حيث هي، بخلاف مثل المقام الذي لا يصلح الجزء للجزئيّة إلّا مع اقترانه بالقصد، أي قصد حكاية خصوص البسملة الشخصيّة التي هي جزء هذه السورة، لا قصد جعلها جزءا منها في مقام الحكاية كي يقال: إنّ قصد الغاية لا يعقل أن يكون من
______________________________
(1) يس (36): 20.
مصباح الفقيه، ج12، ص: 379
مشخّصات الشيء و مقوّماته، فإنّ صدق قراءة بسملة هذه السورة لا يتوقّف على هذا القصد، بل على الأوّل.
و الحاصل: أنّه لا يعتبر في صلاحيّة البسملة للجزئيّة من سورة أو خطبة و نحوها إيجادها بقصد جعلها جزءا من تلك السورة أو الخطبة لا في مقام الإنشاء و لا في مقام الكتابة و لا في مقام الحكاية، و لكن يعتبر في صدق قراءة بسملتها أن يكون خصوص البسملة التي أنزلها اللّه تعالى جزءا منها مقصودا بالحكاية، كما أنّه يعتبر في صدق قراءة البسملة المكتوبة في اللوح المنقوش فيه إحدى السّور- مثلا- أن يكون خصوصها مقصودا بالقراءة «1».
هذا محصّل ما أفاده قدّس سرّه في تقريب الوجه الأوّل مع مزيد توضيح و تقريب إلى الذهن.
ثمّ قال في تقريب الوجه الثاني ما ملخّصه: أنّه لو سلّمنا عدم مدخليّة قصد حكاية الشخص في صيرورة البسملة جزءا من السورة على حدّ سائر المركّبات الخارجيّة، فنقول: إذا قرأ البسملة بقصد كونها جزءا من سورة التوحيد، يصدق عليه أنّه أتى بجزء من سورة التوحيد و لم يأت بجزء من سورة الجحد، فإذا ضمّ إليها باقي سورة الجحد و إن أوجب ذلك صدق سورة الجحد على المجموع المجتمع في الذهن من الأجزاء الموجودة تدريجا و لكنّه لا يوجب أن يصدق على الفعل المتقدّم أنّه قراءة جزء من سورة الجحد، أي لا يوجب صدق كونه مشغولا بقراءة سورة الجحد حين اشتغاله بهذا الجزء كي يجتزئ به في مقام الإطاعة، كما لو أمر المولى عبده
______________________________
(1) كتاب الصلاة 1: 437- 439.
مصباح الفقيه، ج12، ص: 380
بالاشتغال بنحت السرير في قطعة من الزمان، فإذا اشتغل في بعض ذلك الزمان بنحت قائمة بقصد قائمة الباب، لا يجديه الإتيان ببقيّة الأجزاء بنيّة السرير في حصول الإطاعة «1».
و يرد على هذا الوجه: أنّه إن أريد أنّه بعد الضمّ أيضا لا يصدق عليه أنّه قرأ سورة كذا و إن صدق عليه أنّه تلفّظ بجميع أجزائها بدعوى أنّ قراءة الشيء عرفا أخصّ من مطلق التلفّظ به، كما يظهر ذلك من جملة من كلماته التي طوينا ذكرها، ففيه: أنّ مرجعه إلى الوجه الأوّل من أنّ للقصد دخلا في قوام جزئيّتها؛ لوجودها الحكائي، و سيأتي الكلام فيه.
و إن أريد أنّه لمّا لم يكن حال حصولها عنوان جزئيّتها بسورة الجحد مقصودا للمتكلّم لا يصحّ وقوعها جزءا لسورة الجحد في مقام امتثال الأمر بقراءة هذه السورة، كما يظهر ذلك من تمثيله بقائمة السرير، ففيه: أنّ هذا إنّما يقدح في حصول إطاعة الأمر بقراءة سورة الجحد لو كانت هذه السورة بهذا العنوان واقعة في حيّز الطلب، كما في فاتحة الكتاب، و أمّا إذا كان المأمور به قراءة سورة أعمّ من هذا أو ذاك فلا يعتبر في صحّة أجزاء المأمور به في مقام الإطاعة إلّا وقوعها بقصد جزئيّتها لهذا العنوان الأعمّ، و إتيان الجزء المشترك بقصد أن يجعله جزءا لأحد الفردين لا يعيّن عليه فعله، و لا يوجب بطلان هذا الجزء عند اختياره الفرد الآخر، كما لو كان مخيّرا في ذكر الركوع أو السجود بين أن يقول: «سبحان ربّي العظيم و بحمده» أو: «ربّي الأعلى» فاختار أحدهما و بدا له في الأثناء العدول إلى الآخر، أو كان مأمورا بأن يصنع إمّا الباب أو السرير، فنحت قائمة بقصد
______________________________
(1) كتاب الصلاة 1: 439- 440.
مصباح الفقيه، ج12، ص: 381
الباب ثمّ بدا له اختيار السرير، فلا مقتضي لإعادته بعد فرض اتّحاد ماهيّة الجزء و تحقّقه بداعي الخروج عن عهدة هذا التكليف المنجّز عليه، و لو سلّم لزوم إعادته في مثل الفرض فلا نسلّمه فيما لو أتى بالقدر المشترك بقصد أن يجعله جزءا لما يختاره عند الامتياز، كما لو كان مكلّفا بالمشي إمّا إلى دار زيد أو عمرو، و اشتركا في نصف الطريق فمشى هذا النصف عازما على اختيار أحد الفردين لدى الامتياز.
و دعوى أنّه لا بدّ في امتثال الأمر التخييري من اختيار أحد الفردين من حين الأخذ في الامتثال عريّة عن الشاهد، بل الشواهد على خلافها.
و أمّا الوجه الأوّل: فيرد عليه ما اعترضه قدّس سرّه على نفسه و دفعه بما لا يسلم عن الخدشة حيث قال- بعد أن فرّع على الوجهين المزبورين أنّ مجرّد قصد سورة غير معيّنة بالبسملة لا يوجب قابليّتها لأن تضمّ إلى سورة معيّنة فتصير جزءا منها- ما لفظه بأدنى اختلاف في التعبير:
فإن قلت: هذه البسملة التي قرأها بقصد سورة لا بعينها لا شكّ في أنّه يصدق عليها القرآن، فإذا صدق عليها القرآن فإمّا أن يصدق عليها أنّها بعض من سورة دون سورة، و إمّا أن يصدق عليها أنّها بعض من كلّ سورة بمعنى أنّها قابلة لها؛ إذ لو لم يصدق عليها أنّها بعض سورة أصلا، لم يصدق عليها القرآن، مع أنّه صادق عليها قطعا، و لا يجوز أن يصدق عليها بعض من سورة دون أخرى، فتعيّن كونها بعضا من كلّ سورة بمعنى قابليّتها لذلك.
قلت: كونها قرآنا مسلّم و يصدق عليها أنّها جزء من كلّ سورة بمعنى أنّها قابلة لأن يقصد بها حين القراءة كلّ سورة، لا أنّ هذه التي لم يقصد بها سورة قابلة لأن تصير بعد الضمّ جزءا من كلّ سورة، و لا تنافي بين أن
مصباح الفقيه، ج12، ص: 382
يصدق كلّيّ على شيء، كالقرآن على البسملة التي لم يقصد لسورة، و أن لا يصدق عليه أنّه جزء من هذه السورة و لا من ذيك و لا من تلك، نظيره:
ما إذا طلب المخاطب الإتيان برجل مبهم شائع، فإنّه يصدق عليه أنّه طلب رجلا، لكن لا يصدق عليه أنّه طلب زيدا و لا أنّه طلب عمروا و لا أنّه طلب بكرا و إن كان كلّ من أتى به حصل الامتثال، لكن الكلام في تمثيل القراءة و تشبيهها بالطلب، و أنّه لا يجب على ما يعرض للواحد المبهم أن يعرض لشيء من الآحاد الخاصّة، فإنّا نرى بالعيان أنّ من قصد بالبسملة مجرّد القرآن لا يصدق عليه أنّه قرأ بعض سورة التوحيد و لا بعض سورة كذا و لا بعض سورة العزيمة، فكلّ حكم يترتّب على سورة خاصّة و جزئها لا يترتّب على قراءة هذه البسملة، فإذا أمر الشارع تخييرا بقراءة سورة من بين السّور، فلا بدّ من أن يصدق حين القراءة أنّه مشغول بالسورة الفلانيّة، و هذا مسلوب عن هذا الشخص «1». انتهى.
أقول: بعد فرض صدق قراءة القرآن على هذه البسملة كما هو الحقّ وجب أن يكون المقروء من أجزاء القرآن؛ ضرورة عدم صدق قراءة القرآن على قراءة ما ليس من أجزائه، فصحّة سلب القراءة عن كلّ جزء جزء يناقض ثبوتها في الجملة، فالذي يصحّ سلبه هو نفيه عن كلّ واحدة منها بعنوانها المخصوص بها من جزئيّتها لهذه السورة أم من ذيك، و أمّا بعنوان كونها بسملة من حيث هي فكلّ منها مصداق لها، كما في مثال الطلب، فإنّ معنى أنّه لم يطلب زيدا أو عمروا أو بكرا هو أنّ واحدا منها بخصوصه لم يتعلّق به الطلب، لا أنّه مغاير لما تعلّق به الطلب، و هو فرد ما من الرجل،
______________________________
(1) كتاب الصلاة 1: 441- 442.
مصباح الفقيه، ج12، ص: 383
و إلّا امتنع تحقّق الامتثال به، بل كلّ منها مصداق للمطلوب و لكن خصوص شخصه غير مقصود بالطلب، فهذا معنى أنّه لم يطلب زيدا، و إلّا فما يأتي به من المصاديق عين ما تعلّق به الطلب، فإنّ الكلّيّ الطبيعي الذي هو متعلّق الطلب عين مصاديقه الخارجيّة، ففيما نحن فيه نقول: إذا التفت إجمالا إلى وجود البسملة في القرآن أو قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلٰاءِ رَبِّكُمٰا تُكَذِّبٰانِ* في سورة الرحمن، فقرأها في صلاته بقصد تلك الآية التي تصوّرها على سبيل الإجمال، صدق عليه أنّه قرأ آية من القرآن أو من سورة الرحمن، و لكن المقروء هو طبيعة تلك الآية الصادقة على كلّ من مصاديقها، فيصدق على كلّ منها أنّها هي الآية التي قرأها و لكن لا على وجه يميّزها عمّا يشاركها في الماهيّة، فيصحّ أن يجعلها جزءا من أيّ سورة شاء بانضمام الباقي إليها؛ لأنّه بعد الانضمام يصدق أنّه قرأ مجموع هذه الآيات التي هي تمام السورة، أمّا جزؤها الأوّل الذي هو البسملة فقد قرأها على سبيل الإبهام و الإجمال، و ما عداه تفصيلا.
نعم، لا يقع مثل هذه القراءة إطاعة للأمر بقراءة هذه السورة لو كانت هي بعينها متعلّقة للطلب، كما في فاتحة الكتاب؛ لعدم وقوع جزئها الأوّل على الوجه الذي تعلّق به الطلب، أي بعنوان جزئيّتها لهذه السورة، و أمّا إذا كان المأمور به قراءة سورة على الإطلاق كما فيما نحن فيه، فلا مانع عن صحّتها بعد فرض كون هذا العنوان مقصودا له حال الإتيان ببسملتها.
فالأظهر عدم اعتبار قصد سورة معيّنة، و لكن لو عيّنها خرجت البسملة عن صلاحيّة الجزئيّة لما عداها، فلو بدا له العدول حينئذ فعليه إعادة البسملة، بخلاف ما لو قرأها على جهة الإبهام و الإجمال، كما يظهر وجهه ممّا مرّ.
مصباح الفقيه، ج12، ص: 384
ثمّ إنّا لو اعتبرنا التعيين، يكفي في حصوله القصد الإجمالي الموجب لاختيار سورة خاصّة في صلاته بمقتضى عادته، فلا مناقضة بين ما حكي عن الشهيد و المحقّق الثاني و غيرهما من الفتوى بصحّة الصلاة فيما لو جرى على لسانه بسملة مع سورة؛ مستدلّين بتحقّق الامتثال، و بين ما حكي عنهم من اعتبار التعيين «1»؛ فإنّ جري المجموع على لسانه لا يكون إلّا بداع واحد، فلا يعقل أن تكون البسملة الجارية على لسانه غير بسملة تلك السورة حتى لو فرض كون منشئه مجرّد تعويد اللسان و حصول النطق بها لا عن قصد، كما في النائم، فإنّ التعويد يؤثّر في النطق بما تعوّد به، و هو المجموع، دون غيره، فلا يشكل صحّة صلاته في مثل هذا الفرض أيضا من هذه الجهة، بل من حيث اعتبار قصد الإطاعة في أجزاء الصلاة، فلو لم يكن ذهوله منافيا لانبعاث ما جرى على لسانه عن عزم إطاعة الأمر بالصلاة كما هو المعتبر في سائر أجزائها، لا يكون منافيا لصحّتها، كما ربما يومئ إليه بعض الأخبار الآتية في مسألة العدول.
***********************
كتاب الصلاة (للحائري)، ص: 170
بأيدينا من الاخبار و اللّه تعالى هو العالم و طريق الاحتياط واضح.
[مسألة] في جزئية البسملة
و البسملة جزء في افتتاح كل سورة الا البراءة اما فاتحة الكتاب فهو قول علمائنا اجمع كما في المدارك و قد ورد بذلك روايات كثيرة كصحيحة محمد بن مسلم قال سئلت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن السبع المثاني و القرآن العظيم هي الفاتحة قال عليه السّلام نعم قلت بسم اللّه الرحمن الرحيم من السبع قال عليه السّلام نعم هي أفضلهن و صحيحة معاوية بن عمار قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام إذا قمت إلى الصلاة اقرء بسم اللّه الرحمن الرحيم قال عليه السّلام نعم قلت فإذا قرأت فاتحة الكتاب اقرء بسم اللّه الرحمن الرحيم مع السورة قال عليه السّلام نعم و المروي عن العسكري عليه السّلام عن آبائه عن أمير المؤمنين صلوات عليه و عليهم أجمعين في حديث انه عليه السّلام قال بسم اللّه الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب و هي سبع آيات تمامها بسم اللّه الرحمن الرحيم و في عيون الاخبار قيل لأمير المؤمنين عليه السّلام أخبرنا عن بسم اللّه الرحمن الرحيم أ هى من فاتحة الكتاب قال فقال عليه السّلام نعم فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان يقرؤها و يعدها آية منها و يقول فاتحة الكتاب هي سبع المثاني و لا يعارضها ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يكون اما ما فيستفتح بالحمد و لا يقرء بسم اللّه الرحمن الرحيم فقال لا يضر و لا بأس لأن فرض السائل المصلى اماما يدل على ان ورائه من يترك البسملة و كان ممن يتقى منه و الا لم يكن لذكر الإمام خصوصية في هذا السؤال فيكون حاصل السؤال ان من ترك البسملة في الفاتحة تقية هل تجزى صلوته أو يجب الإعادة فأجاب عليه السّلام بعدم وجوب الإعادة.
و اما كونها جزء لسائر السور سوى البراءة فقد قال به الشيخ قدس سره في المبسوط و الخلاف و به قطع عامة المتأخرين كما في المدارك و يدل عليه بعض الاخبار مثل ما رواه معاوية بن عمار قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام إذا قمت للصلاة اقرء بسم اللّه الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب قال عليه السّلام نعم قلت فإذا قرأت فاتحة القرآن اقرء بسم اللّه الرحمن الرحيم مع السورة قال عليه السّلام نعم و عن يحيى بن ابى عمران قال كتبت الى ابى جعفر عليه السّلام جعلت فداك
كتاب الصلاة (للحائري)، ص: 171
ما تقولون في رجل ابتدء ببسم اللّه الرحمن الرحيم في صلوته وحده في أم الكتاب فلما صار الى غير أم الكتاب من السورة تركها فقال العباسي ليس بذلك بأس فكتب بخطه يعيدها مرتين على زعم أنفه يعني العباسي.
و بإزاء ما ذكر صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال سألته عن الرجل يفتتح القراءة في الصلاة يقرء بسم اللّه الرحمن الرحيم قال عليه السّلام نعم فإذا افتتح الصلاة فليقلها في أول ما يفتتح ثم يكفيه ما بعد ذلك و صحيحة عبيد اللّه بن على و أخيه محمد بن على الحلبيين عن أبي عبد اللّه عليه السّلام انهما سئلاه عمن يقرء بسم اللّه الرحمن الرحيم حين يريد يقرء فاتحة الكتاب قال عليه السّلام نعم ان شاء سرا و ان شاء جهرا فقالا فيقرأها مع السورة الأخرى فقال عليه السّلام لا و الصحيحة الأولى تدل على عدم وجوب البسملة في الحمد أيضا في الركعة الثانية و هو خلاف الإجماع و الاخبار و هذا شاهد قوى على ورودها مورد التقية كما ان قوله عليه السّلام في الصحيحة الثانية نعم ان شاء سرا و ان شاء جهرا مشعر بذلك فالعمل بالأخبار السابقة لذهاب المشهور اليه متعين و اللّه العالم.
[مسألة] في لزوم تعيين السورة حين البسملة
و هل يجب ان يعين السورة الخاصة حين قراءة البسملة أو يجوز أن يكون في تلك الحالة مرددا بين سورتين أو أزيد الظاهر الأول لوجوب قراءة احدى السور المنزلة بتمامها و ما لم يقصد فيحال البسملة كونها حكاية عن البسملة المنزلة مع التوحيد مثلا لم يصدق انه قرء جزء من التوحيد و مجرد قراءة التوحيد عقيبها لا يوجب صيرورتها جزء له لان المفروض انها لم توجد بقصد حكايتها عن بسملة التوحيد فالتوحيد وجد من دون بسملة مختصة به.
و توضيح ذلك ان الجزء المشترك بين مركبين تارة لا يكون لقصد الفاعل مدخل في قابليته لان يصير جزء من كل منهما كنحت قطعة من الخشب قابلة لان تصير قائمة للسرير أو الباب فإنها لا يخرج عن القابلية سواء قصد بها ان تكون قائمة للباب أو السرير أم لم يقصد شيء منهما و هكذا الحال في كل جزء مشترك بين مركبين خارجيين عينيين و اخرى يكون لقصد الفاعل
كتاب الصلاة (للحائري)، ص: 172
مدخل فيه لكن لا على وجه الحكاية عن اللفظ الأخر مثل قول القائل سبحان اللّه أو سبحان ربي فان كلا منهما لا يكون ذكرا الا بعد قصد الفاعل معناهما المشتمل على تنزيه الباري جل اسمه و الجزء المشترك بينهما يصير من اجزاء الذكر بذلك القصد و لو قصد الذكر بقوله سبحان اللّه ثم بدا له بعد التلفظ بالجزء المشترك ان يضم اليه كلمة ربى يصدق انه ذكر اللّه سبحانه بقوله سبحان ربى و ثالثة يكون جزء المركب على نحو لا يصدق عليه انه جزء لذلك المركب الا ان يؤتى به بقصد الحكاية عن الألفاظ الخاصة كقراءة اجزاء القران فان قراءة القران عبارة عن التكلم بألفاظه النوعية حكاية عن خصوص الألفاظ المنزلة لا أقول على نحو الحكاية التصديقية بأن يرجع قول القاري الحمد للّه رب العالمين إلى قضية تصديقية حاكية عن قول اللّه عز و جل على نحو التصديق الخبري بل أقول على نحو الحكاية التصورية كاستعمال اللفظ في معناه فالألفاظ المنزلة بمنزلة المعنى للألفاظ المقروة فقرائه سورة التوحيد عبارة عن التكلم بألفاظها النوعية بقصد حكاية ذلك الكلام الشخصي و ان أراد قراءة تمامها من الابتداء الى الانتهاء فلا بد أن يأتي بما يحكى عن تمام تلك القطعة الشخصية المنزلة التي أولها البسملة فإذا قرأ البسملة من دون تعيين بسملة التوحيد فما اتى بما يحكى عن البسملة التي هي جزء للتوحيد و إذا قرأ بعد ذلك باقي السورة بقصد حكاية الألفاظ الشخصية المنزلة يصدق أنه قرأ سورة التوحيد الا بسملتها و المفروض وجوب سورة تامة في الصلاة.
فإن قلت أ ليس الشخص المفروض قرء مجموع ألفاظ أولها البسملة و أخرها كفوا أحد و هل كانت سورة التوحيد مثلا الا هذه فلأي شيء لا يصدق انه قرء سورة تامة قلت من المسلم انه من قرء هذا المجموع بقصد استعمال ألفاظه في معانيها لا يصدق انه قرء سورة القران فقرائه سورة القران ليست عبارة عن التكلم بألفاظها النوعية بأي نوع كان بل لا بد في صدق القرانية على التكلم بالألفاظ المذكورة من قصد الحكاية بها عن الألفاظ الشخصية المنزلة و بعبارة أوضح من قرء البسملة ثم اتى بمثل ألفاظ سورة التوحيد الى أخرها بأي نحو كان فهو و ان كانت الأبعاض المقروة اجزاء للكلام الصادر من نفسه لكن لا يكفى ذلك في صدق سورة القران الذي هو كلام اللّه المنزل بل صدق تلاوة
كتاب الصلاة (للحائري)، ص: 173
السورة التي هي الكلام المنزل منوط بقراءة أبعاضها بقصد الحكاية عن الكلام الشخصي المنزل فكل بعض لم يأت بهذا القصد لا يكون جزء من تلك السورة.
فإن قلت البسملة التي قرئها بقصد سورة لا بعينها هل هي من القران أو خارجة عنه لا سبيل الى الثاني فإذا فرضنا انها قران فلا بد من أحد أمرين اما القول بأنها جزء سورة معينة و اما القول بأنها جزء أي سورة قرأها بعد ذلك لا سبيل إلى الأول قطعا فيتعين الثاني قلت كونها من القران مسلم فإنه بعد فرض كون الأشخاص منزلة فالجامع بينها منزل قطعا و لكن لا يلزم من حكاية الجامع حكاية الشخص الا ترى انه لو جاء زيد يصدق جاء انسان و لكن ليس الاخبار عن مجيء الإنسان حكاية عن مجيء زيد و لا عن مجيء غيره من الأشخاص و قد عرفت ان صدق قراءة القران يتوقف على التكلم بألفاظ النوعية على سبيل الحكاية عن الكلام المنزل فان قصد به الحكاية عن الجامع بين الكلامين يصدق عليه قراءة القران و لكن لا يصدق عليه قراءة القران الخاص لانه ما قصد الحكاية عن الشخص فظهر انه بعد ما فرضنا ان قراءة البسملة بقصد احدى السور يطلق عليها قراءة القران لا يلزمنا القول بأنها جزء سورة معينة و لا جزء أي سورة قرئها بعد ذلك نعم كانت قابلة لان يقصد بها سورة معينة حين القراءة لا ان هذه التي لم يقصد بها سورة معينة قابلة لان تصير جزء لكل سورة ضمها إليها هذا مما استفدنا من كلمات شيخنا المرتضى قدس اللّه نفسه الزكية و لقد أجاد فيما أفاد.
في نقل إيراد بعض الأعاظم قدس سرهم و قد تعرض للإيراد عليه بعض الأعاظم من علماء العصر قدس سره.
قال بعد فرض صدق قراءة القران على هذه البسملة كما هو الحق وجب ان يكون المقرو من اجزاء القران ضرورة عدم صدق قراءة القران على قراءة ما ليس من اجزائه فصحة سلبه القراءة عن كل جزء جزء يناقض ثبوتها في الجملة فالذي يصح سلب هو نفيه عن كل واحدة منها بعنوانها المخصوص بها من جزئيتها لهذه السورة أم من ذيك و اما بعنوان كونها بسملة من حيث هي فكل منها مصداق لها كما في مثال الطلب فان
كتاب الصلاة (للحائري)، ص: 174
معنى انه لم يطلب زيدا أو عمرا أو بكرا هو ان واحدا منها بخصوصه لم يتعلق به الطلب لا انه مغاير لما تعلق به الطلب و هو فرد ما من الرجل و الا امتنع تحقق الامتثال به بل كل منها مصداق للمطلوب و لكن خصوص شخصه غير مقصود بالطلب فهذا معنى انه لم يطلب زيدا و الا فما يأتي به من المصاديق أينما تعلق به الطلب فإن الكلي الطبيعي الذي هو متعلق الطلب اين مصاديقه الخارجية ففيما نحن فيه نقول إذا التفت إجمالا إلى وجود البسملة في القران أو قوله تعالى «فَبِأَيِّ آلٰاءِ رَبِّكُمٰا تُكَذِّبٰانِ»* في سورة الرحمن فقرئها في صلوته بقصد تلك الاية التي تصورها على سبيل الإجمال صدق عليه انه قرء آية من القران أو من سورة الرحمن فقرئها في صلوته بقصد تلك الآية التي تصورها على سبيل الإجمال صدق عليه انه قرء آية من القرآن أو من سورة الرحمن لكن المقر و هو طبيعة تلك الآية الصادقة على كل من مصاديقها فيصدق على كل منها انها هي الآية التي قرأها و لكن لا على وجه يميزها عما يشاركها في المهية فيصح ان يجعلها جزء من أي سورة شاء بانضمام الباقي إليها لأنه بعد الانضمام يصدق انه قرء مجموع هذه الآيات التي هي تمام السورة أما الجزء الأول الذي هو البسملة فقد قرئها على سبيل الإبهام و الإجمال و ما عداه تفصيلا نعم لا يقع مثل هذه القراءة اطاعة للأمر بقراءة هذه السورة لو كانت هي بعينها متعلقة للطلب كما في فاتحة الكتاب لعدم وقوع جزئها الأول على الوجه الذي تعلق به الطلب اى بعنوان جزئيتها لهذه السورة و اما إذا كان المأمور به قراءة سورة على الإطلاق كما فيما نحن فيه فلا مانع عن صحتها بعد فرض كون هذا العنوان مقصودا له حال الإتيان ببسملتها فالأظهر عدم اعتبار قصد سورة معينة و لكن لو عينها خرجت البسملة عن صلاحية الجزئية لما عداها انتهى كلامه رفع مقامه.
في الجواب عنه أقول و ان ظهر الإشكال في كلماته مما بينا لكن نقول زيادة للتوضيح ان أمر الشارع بقراءة احدى السور حاله بعينه حال الطلب المتعلق بالطبيعة كما بينه المستشكل ثم نسئل منه ان امتثال الأمر المذكور هل هو إلا الإتيان بفرد خاص منها لا سبيل له إلى إنكار ذلك فاذن امتثال أمر الشارع بإتيان احدى السور أو طبيعة السورة القرانية ليس إلا إتيان السورة المعينة التي يقال
كتاب الصلاة (للحائري)، ص: 175
لها التوحيد معينا أو الجحد أو غير ذلك ثم نسئل منه انه لو قرء بسملة على نحو الإجمال و الإبهام ثم قرء بقية سورة التوحيد هل يصدق انه قرء سورة خاصة و هي سورة التوحيد فان قال نعم كما هو مقصوده الأصلي يقال له فلو فرضنا أنها المأمور بها بالخصوص تحقق الامتثال فلم أنكر ذلك و قال في طي كلامه نعم لا يقع مثل هذه القراءة اطاعة للأمر بقراءة هذه السورة لو كانت هي بعينها متعلقة للطلب و ان قال انه لا يصدق على نحو هذه القراءة قراءة سورة معينة فلا بد ان يلتزم بوجوب قصد التعيين أول القراءة و الحاصل ان الطلب و ان كان متعلقا بطبيعة السورة القرانية أو بإحدى السور و لكن امتثاله ليس بإتيان احدى السور على سبيل الإبهام بل الامتثال لا يقع إلا بإتيان السورة المعينة و ان شئت زيادة توضيح لذلك فلاحظ إذا قال الآمر بع أحد هذين العبدين فهل يكون امتثاله الا ببيع الأحد المعين و ان كان متعلق طلب الأمر بيع أحد العبدين على سبيل الإجمال و الإبهام و السر في ذلك ان متعلق الطلب بيع أحدهما المعين لكن جعل التعيين على عهدة المأمور و ما نحن فيه من هذا القبيل بعينه فإن أمر الشارع بقراءة سورة من السور القرانية على سبيل الإجمال و عدم تعيينها من قبل الشارع يقتضي إتيان سورة معينة مشخصة في الخارج و لكن التعيين جعل على عهدة المكلف و اختياره فإذا قرء البسملة و لم يعين سورة خاصة لا يمكن ان تصير بعد انضمام بقية سورة معينة جزء لتلك السورة المخصوصة فإن البسملة و ان كانت من أول القراءة قابلة لان تصير جزء لسورة خاصة و لكنها بعد وجودها على سبيل الإهمال و الإجمال لا يمكن ان يجعل الألفاظ المقروة الماضية حكاية عن البسملة الشخصية و لقد أطلنا الكلام توضيحا لكلمات شيخ مشايخنا العظام عليه رحمة اللّه الملك العلام.
في المناقشة الأخرى مع جوابها و يمكن ان يناقش في ذلك بان ما ذكرنا سابقا من لزوم تعيين سورة خاصة عند قرائه البسملة مبنى على لزوم كون المقرو في الصلاة سورة شخصية خاصة بمعنى انه يجب على المصلى قراءة سورة معينة يختارها بحيث يصدق على ما قرأها في الخارج اما تمام
كتاب الصلاة (للحائري)، ص: 176
سورة التوحيد و اما تمام الجحد و اما غيرهما بعنوانها المخصوص و لكن يمكن ان يمنع ذلك و يقال يكفى قراءة قطعه خاصة يطلق عليها سورة تامة و ان لم يطلق عليها خصوص سورة خاصة فإن الطبيعة المأمور بها أعني السورة التامة تصدق على ما ذكرنا و عدم تحقق الامتثال إلا بإيجاد فرد معين انما هو فيما لم يمكن غير ذلك و اما في الطبائع التي يكون وجود إفرادها متقوما بالقصد فيمكن إيجاد إفرادها على نحو الإبهام فإن القصد يمكن تعلقه بالمبهم مثلا لو أمر الأمر ببيع أحد عبديه فكما انه يمكن امتثاله ببيع الأحد المعين من عبديه كذلك يمكن امتثاله ببيع أحدهما على سبيل الإهمال و فيما نحن فيه لو قرء بسملة بقصد البسملة النازلة فقد قرء جزء من احدى السور القرآنية على سبيل الإجمال و لو انضم إليها بقية سورة الجحد مثلا الى آخرها يصدق انه قرء سورة تامة و ان لم يصدق انه قرء سورة الجحد تامة فإن نقص سورة الجحد ليس الا من جهة البسملة لكن المفروض وجود البسملة لإحدى السور فإذا انضمت إلى بقية سورة الجحد الى آخرها يطلق عليها سورة تامة.
و فيه بعد تسليم أن إتيان سورة بهذا النحو يصدق عليها سورة تامة ان صحة ذلك مبنية على ان متعلق الطلب يكون طبيعة السورة و هو خلاف الظاهر بل الظاهر وجوب سورة من السور على سبيل الفرد المردد كما ان المثال المذكور ايضا ظاهر في ذلك فان قول القائل بعني أحد عبديك ظاهر في أحدهما المعين المشخص لكن التعيين جعل على عهدة المأمور فظهر مما ذكرنا كله ان تعيين السورة لازم عند قرائتها لكن لا يخفى انه لا يلزم التعيين تفصيلا بل يكفى على نحو الإجمال لما ارتكز في ذهنه و ان لم يلتفت تفصيلا فمن يرى نفسه في آخر سورة أو في أواسطها يكفيه ذلك فان دخوله في سورة خاصة بعد البسملة يكشف عن تعينها في نفسه و ان لم يكن ملتفتا إليها تفصيلا و يمكن ان يقال ان الإشارة إلى شخص سورة بوجه من الوجوه تعيين لها بنحو الإجمال كالإشارة إلى شخص السورة الخاصة التي يختارها في علم اللّه تعالى أو نحو ذلك و مما ذكرنا يتضح الحال فيما إذا عين سورة فقرء أخرى فإنه لا يكفى بطريق أولى.
كتاب الصلاة (للحائري)، ص: 177
في بعض فروع المقام
الأول لو عين حين البسملة احدى السورتين من الجحد و التوحيد و نسي ما عينه
فان قلنا بجواز العدول من إحديهما إلى الأخرى فطريق الاحتياط ان يقرء بسملة بقصد إحديهما معينة و يقصد بذلك القربة المطلقة فإن كان ما عينه ثانيا هو الذي عينه أولا في الواقع فلا بأس فإنه ما صدر منه الا تكرار البسملة بقصد القربة و ان كان غيره فقد عدل من احدى السورتين إلى الأخرى و لا بأس أيضا كما هو المفروض و اما ان قلنا بعدم جواز العدول من إحديهما إلى الأخرى كما لا يجوز العدول من إحديهما إلى غيرهما فيشكل الأمر الا ان يقال بان المتيقن من أدلة عدم جواز العدول صورة العلم بتحقق العدول فلا يشمل ما نحن فيه و ان كان عدولا في نفس الأمر أو يقال بجواز القران بين السورتين و ح فطريق التصحيح ان يقرء مع هذه البسملة إحديهما ثم يقرء الأخرى معينا لها في حال البسملة فإن البسملة الاولى لو كانت بقصد السورة التي قرئها أولا فقد أوجد سورة كاملة بالأولى و لا يضر قراءة سورة أخرى بقصد القربة كما هو المفروض و لو كانت بقصد الثانية فقد اتى بسورة كاملة بالثانية غاية الأمر تكرار البسملة فيها و وقوع الاولى بلا بسملة و لا يضر ذلك أيضا.
الثاني لو عين سورة حين البسملة و لم يدر انها آية سورة من السور
فالظاهر كفاية إعادة البسملة بقصد آية سورة شاء فإنه لم يدر ان صلوته قيدت بخصوص احدى السورتين و مقتضى الأصل براءة ذمته عن هذا القيد المشكوك.
الثالث لو قرء البسملة و شك في انه هل عين معها سورة خاصة أو لا
فان قلنا بعدم كفاية الإبهام يجب عليه إعادة البسملة بقصد سورة معينة و ان قلنا بكفاية ذلك غاية الأمر لو عين سورة معها لا يكتفى بإتيان غير ما عين فهل يجوز قراءة آية سورة شاء نظرا إلى أصالة عدم تعيين سورة خاصة الأظهر العدم فان مقتضى الأدلة وجوب السورة الكاملة و أصالة عدم التعيين لا يترتب عليها ان ما اتى به هو السورة الكاملة الا بالأصل المثبت فمقتضى القاعدة على هذا القول أيضا إعادة البسملة
كتاب الصلاة (للحائري)، ص: 178
اما على وجه الإبهام و يقرء بعدها آية سورة شاء و اما على وجه التعيين و يقرء السورة المعينة حتى يقطع بقراءة السورة الكاملة.
الرابع لو كان بانيا من أول الصلاة أن يقرء سورة معينة فنسي و قرء سورة أخرى
سواء كانت السورة المقروة عادة له أم لا كفى و كذا لو كانت عادته سورة معينة فقرء غيرها كل ذلك من جهة ان السورة المقروة لم تصدر منه بغير قصد و اختيار بل انما تحققت من جهة نسيان الداعي السابق و حدوث داع جديد و لو لم يكن مفصلا عنده.
الخامس إذا شك في أثناء سورة أو بعد تمامها انه هل عين البسملة لها أو لغيرها و قرأها نسيانا
بنى على عدم تعيين غيرها لان النسيان خلاف الأصل.
*************************
تبيان الصلاة، ج5، ص: 155
المسألة الرابعة:
هل يجب تعيين السورة الخاصّة حين قراءة البسملة أولا يجب ذلك بل لو فرض كون المصلّي مرددا حين قراءة البسملة بين السورتين أو أزيد لا يضرّ ذلك و تصير البسملة جزء واحدا من السورة بتعقب ساير آيات هذه السورة عليها، فإنّ قرء البسملة بلا قصد كونها لأىّ سورة ثمّ تعقبها بآيات التوحيد تصير البسملة بسملة التوحيد و هكذا.
اعلم أنّ الناظر في كلمات الفقهاء قدس سرّه لا يرى تعرض القدماء قدس سرّه لهذه المسألة و لكن وقع الكلام فيها في كلمات المتأخرين و المشهور بين متأخرى المتأخرين هو وجوب تعيين السورة عند قراءة البسملة.
و اعلم أنّه قد يقال: بأنّه يجب التعيين بأنّه بعد كون البسملة جزء من السور و آية منها، و هي من كل سورة غيرها من السورة الاخرى فلا بدّ حين قراءتها قصد خصوص سورة حتّى تصير جزئها.
فإنّ كان الوجه هذا من باب ما قلنا في النية من أنّه إن كان الشيء الّذي يوجده الشخص في الخارج قابلا لصيرورته منطبقا لعنوانين أو أزيد و بعبارة اخرى قابلا لصيرورته فردا لأكثر من طبيعة واحدة فإذا أراد الشخص أن يجعل هذا
______________________________
بين حفظ جزئية السورة و بين حفظ شرطية الوقت فلو لم نقل مطلقا بأهمية حفظ شرطية الوقت و لكن يمكن أن يقال بذلك في المقام لخصوصية فيه و هو أنّه بعد ما نرى من سقوط السورة بمجرد الاستيحال أو تخوف شيء يمكن دعوى استكشاف عدم كونها بحد الوقت في الأهمية خصوصا في المورد الثاني و هو الدوران بين حفظ الوقت لإدراك ركعة و ترك السورة و بين العكس.
و امّا ثانيا فيمكن دعوى عدم شمول دليل اعتبار السورة لمورد ضيق الوقت و عدم إطلاق له يشمل المورد، لأنّ الدليل كان بعض الأخبار المستفاد منه مفروغية وجوب السورة في الجملة و هو العمدة لكون العمل على إتيانها و لا إطلاق له يشمل حتّى مورد ضيق الوقت فتأمل. (المقرر)
تبيان الصلاة، ج5، ص: 156
الشيء مصداقا و فردا لأحد من العنوانين أو الطبيعتين فلا بدّ من القصد و امتازه بمصداقيته لأحد من العناوين بالقصد كما قلنا في الظهر و العصر من أنّه بعد كون الظهر و العصر طبيعتين مختلفتين فلو أراد المكلف أن يصير أربع ركعات الّتي يأتى بها ظهرا أو عصرا، فلا بدّ من أن يقصد حين إتيانها بأنّها الصّلاة الظهر أو العصر فكل ما قصد تصير فردا و مصداقا لها، فكما أنّ الظهرية و العصرية محتاج إلى القصد فهكذا نقول في المقام بأنّه بعد كون البسملة من سورة خاصة غير البسملة من سورة اخرى فلا بد من أن يقصد حين قراءتها بأنّها تكون البسملة لأىّ سورة.
فيقال في جوابه: بأنّه ليس المقام كذلك لأنّ البسملة من كل سورة ليست طبيعة في قبال البسملة من سورة اخرى بمعنى كون كل بسملة من كل سورة طبيعة غير طبيعة البسملة من سورة اخرى و بعبارة اخرى ليست البسملات من السور طبائعا مختلفة بل البسملة ليست الا طبيعة واحدة من كل سورة كانت، فكل بسملة من كل سورة فرد من هذه الطبيعة الواحدة و لا يمكن أن يقال: بكونها طبائعا مختلفة فعلى هذا يظهر لك كما قلنا في النية بأنّه إن كان لطبيعة واحدة فردان أو اكثر فانطباق الخارج على الطبيعة و صيرورته فردا لها غير محتاج إلى القصد لما قلنا في القصر و الاتمام فلا حاجة في مقام الاداء من قصد القصرية أو الاتمامية إنّ في المقام مقتضى ذلك أعنى: كون كل البسملات فردا لطبيعة واحدة هو عدم اعتبار قصد سورة خاصة حين قراءة البسملة بل بمجرد أدائها قربة إلى اللّه و تعقب آيات سورة من السور إليها تصير البسملة جزء لهذه السورة الخاصّة فعلى هذا يظهر في النظر البدوى عدم اعتبار قصد التعيين في البسملة.
و لكن مع إمعان النظر في كلمات القائلين بقصد التعيين يكشف كون نظرهم إلى جهة اخرى في وجه اعتبار قصد التعيين و هو أن يقال: بأنّه لا إشكال في كون
تبيان الصلاة، ج5، ص: 157
المأمور به هو قراءة سورة من سور القرآن المجيد و لا إشكال في أنّ المعتبر في القراءة هو الحكاية بمعنى: أن القاري يحكي عن المحكي و بعبارة اخرى يكون تكلّمه بالكلام بعنوان الحكاية عن كلام الغير فإذا قرئها بعنوان الحكاية يعدّ حكاية و إلّا فلا، فمن يقرأ القرآن أو شعرا من الأشعار فلا يعدّ قراءة القرآن إلّا إذا كان حكاية عن المنزل من اللّه تعالى بقلب رسوله الخاتم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، كما أنّه لا يصدق أنّه قرأ شعرا مرء القيس مثلا الّا إذا كان قاصدا حكاية شعره.
فعلى هذا بعد ما وجب قراءة السورة في الصّلاة و على الفرض تكون البسملة جزء لها، فمتى لا يقصد القارى حكاية هذا الكلام الخاص و سورة مخصوصة في قبال ساير السور فلا يصدق أنّه قرأ هذه السورة الخاصّة فإذا قرء البسملة فإن قرئها بقصد السورة التوحيد مثلا يصدق عليها حكاية البسملة من سورة التوحيد و أمّا إذا قرئها لا بقصد سورة التوحيد بل قرئها بقصد مجرد قراءة القرآن فلا يعدّ قراءة البسملة من سورة التوحيد و إن يعدّ قراءة القرآن و حكاية القرآن.
فظهر ممّا ذكر من أنّه بعد كون المأمور به هو قراءة سورة خاصة و بعد ما لا تصدق القراءة إلّا إذا كان بعنوان حكاية خصوص سورة خاصة منزلة من السماء فمتى قصد البسملة من سورة خاصة و حكايته هذه البسملة الخاصّة من سورة مخصوصة يتحقّق موضوع القراءة و الّا فلا فلأجل هذا يعتبر قصد التعيين.
هذا حاصل ما يمكن أن يقال في توجيه اعتبار قصد تعيين السورة في البسملة كما يظهر ذلك ممّا نقل من كلام الشّيخ الانصاري رحمه اللّه «1»، و على هذا لا فرق بين بسملة الفاتحة و بسملة ساير السور فكما يعتبر القصد في صيرورة البسملة جزء لسائر
______________________________
(1)- كتاب الصّلاة للمحقّق الحائري، ص 173- 172.
تبيان الصلاة، ج5، ص: 158
السور كذلك في الفاتحة ثمّ يظهر من بعض ناقلي كلامه رحمه اللّه «1» إشكال و جواب.
[في ذكر اشكال و دفعه]
أمّا الاشكال فحاصله هو أنّه على ما قلت فمن قصد عند قراءة البسملة طبيعة القرآن و بعبارة اخرى قرئها بقصد مجرد القرآنية و لم يقصد حين قراءتها خصوص البسملة من سورة فقد قرأ القرآن و إن كان هو لم يقرأ آية خاصة من سورة و الحال أنّ ذلك غير ممكن حيث إنّ البسملة المنزلة من السماء ليست إلّا خصوص البسملات التي نزلت في أوّل السور و ليست بسملة غيرها، فبعد عدم كون البسملة الّتي هي جزء القرآن غير أفراد البسملات المنزلة في أوّل السور فكيف تقول: بأنّ قاري البسملة الناوية فيها مجرد قراءة القرآن بدون تعيين سورة خاصة معينة قرأ القرآن و الحال أنّك قلت لا يصدق قراءة القرآن إلّا إذا قصد بها حكاية المنزل من اللّه تعالى حين قراءته و على الفرض ليس المنزل إلّا خصوص البسملات النازلة في أوائل السور لا طبيعة السورة فعلى هذا كيف يمكن أن يتحقّق قراءة القرآن مع عدم قصد البسملة الخاصة؟ و كيف تقول بمن قصد حكاية القرآن بقراءة السورة لا خصوص حكاية البسملة من سورة معينة بأنّه قرأ القرآن؟
و أمّا الجواب فهو أنّه لا مانع من حكاية الطبيعة و الإخبار عنها مع عدم إخبار عن فرد من أفرادها كما ترى أنّ من رأي زيدا رأى إنسانا أيضا من باب رؤيته زيدا، و لكن كما يمكن له الأخبار عن زيد أو عن الانسان و زيد كذلك يمكن له الإخبار عن نفس الانسان بدون إخبار عن زيد فيقول: رأيت الانسان فهو حكى و أخبر عن الطبيعة و لا يخبر عن فردها أصلا فهكذا نقول في المقام و الحاصل انّه بعد كون حقيقة القرآن هو الحكاية فلا تتحقق الحكاية إلا قصد المحكي و بعد كون
______________________________
(1)- كتاب الصّلاة للمحقّق الحائري، ص 173- 174- 175.
تبيان الصلاة، ج5، ص: 159
الواجب قراءة سورة خاصة فلا بدّ من أن يقصد سورة خاصة عند قراءة البسملة.
و لقائل أن يقول: بأنّ المعتبر في باب نقل كلام الغير هو كون الكلام حكاية عنه بحيث يكون الحاكي فانيا في المحكى و مندكا فيه بنحو لا يرى إلّا المحكى كالناظر في المرآت الغافل في نظره عن المرآت، لأنّه بعد كون الكلام الصادر من اللّه تعالى أو من غيره كلاما خاصا و وجودا مخصوصا، فلا يمكن قراءة نفس هذا الكلام الموجود و حكايته، فلا بدّ من إيجاده بالوجود التنزيلي، لأنّ القرآن صدر من اللّه تعالى و وقع في قلب رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فلا يمكن قراءة خصوص ما صدر منه تعالى، فمعنى قراءة القرآن أو قراءة سورة منه هي إيجادها بالوجود التنزيلى و هو بجعل ألفاظه حكاية عن الألفاظ المنزلة لأنّه بعد ما يكون لكل شيء وجودات أربعة: (ذهني و خارجي و كتبي و لفظي)، و بعد عدم إمكان وجوده الخاص خارجا، فمعنى قراءته هو إيجاده بالوجود التنزيلي و هو اللفظي فيكون قراءة القرآن أو قراءة شعر الغير أو كلام الغير عبارة عن حكايته و معنى الحكاية جعل الحاكي فانيا في المحكى و عدم كون النظر إلّا إلى المحكي كما ترى في مقام استعمال اللفظ و إرادة معناه، فإنّ المتلفظ به يجعله مندكا في معناه، غاية الأمر في مقام حكاية القرآن و قراءته لا يكون من قبيل استعمال اللفظ في المعنى بل يكون من قبيل استعمال اللفظ في اللفظ، و بعد ما عرفت ذلك فليس في الحاكى إلّا كل خصوصية موجودة في المحكي و لا يمكن غير ذلك لأنّ معنى الحكاية هي جعلها قالبا للمحكي و فانيا فيه، فلا بدّ من كون الحاكي متخصصا بكل ما تخصص به المحكى لا أزيد و لا أقل، فبأيّ نحو يكون المحكي لا بدّ و أن يكون الحاكي فعلى هذا لا بدّ لنا في أن نفهم بأنّ المحكي يكون متخصصا بأيّ خصوصية تجعل الحاكى متخصصا به حتّى يكون حكاية عنه و إلّا لم يكن حكاية عنه.
[في ذكر وجه لعدم لزوم قصد كون بسملة جزء لسورة معينة]
إذا عرفت ذلك فبعد ما نرجع إلى بسملات السور من القرآن و وضع نزولها،
تبيان الصلاة، ج5، ص: 160
فلا نرى لها تخصص بخصوصية في صيرورتها قرآنا و من كلامه المنزل إلّا صدورها من اللّه تعالى و تعقب آيات كل سورة بها فبسملة التوحيد لا يتخصص بكونها بسملته إلّا بتعقب آيات التوحيد بها ليس إلّا و هكذا البسملات من ساير السور فبعد كون الأمر كذلك فالبسملة الّتي تكون حاكية عن بسملة سورة التوحيد أو غيرها من السور لا تحتاج في صيرورتها حاكية عن البسملة من سورة التوحيد إلّا بتعقب آيات التوحيد بها و كذا في الحكاية عن البسملات من غير التوحيد من السور و لا تحتاج في كونها حاكية عنها إلى أمر آخر لما قلنا من أنّ الحكاية لا تقتضى إلّا هذا.
فعلى هذا يمكن أن يقال: بعدم اعتبار قصد تعيين سورة خاصة في البسملة بل إذا قرئها بقصد القرآنية فتصير جزء لسورة خاصة بمجرد تعقب آيات هذه السورة الخاصة بها و لو لم يكن قاصدا لهذه السورة حين قراءة البسملة.
[في ذكر اشكال و دفعه]
إن قلت: بأنّ كل بسملة من البسملات متخصصة ببعض خصوصيات لم يتخصص به ساير السور مثلا أحدها مدنية و الاخرى مكية و كذا خصوصية الزمان و المكان فلا يمكن حكاية هذه البسملة المختصّة ببعض هذه الخصوصيات إلّا إذا قصدها بخصوصها.
قلت: إنّ هذا النحو من الخصوصيات ليس ممّا يتعلق به الطلب فإذا وجبت قراءة سورة خاصة فلا يجب الّا قراءة هذه القطعة من القرآن النازل منه تعالى و أمّا خصوصية الزمان و المكان و نحوها فلم يتعلق به الغرض أو الطلب حتّى يحتاج في مقام الامتثال من القصد هذه الخصوصيات.
تبيان الصلاة، ج5، ص: 161
[فى نقل كلام الشيخ و الاشكال عليه و الجواب عنه]
ثمّ نقول توضيحا للمطلب: بأنّ شيخ رحمه اللّه «1» اختار وجوب تعيين السورة و ذكرنا حاصل ما أفاده و هو بنحو الاجمال أنّ الواجب على ما يظهر من دليل اعتبار السورة قراءة سورة خاصة و القراءة عبارة عن اتيانها بعنوان الحكاية عن السورة المنزلة فالحكاية لا تحصل إلّا باتيان البسملة بقصد سورة مخصوصة فلو قرئها لا بقصد القرآن لا تصدق قراءة القرآن و لو قرئها بقصد القرآن و لا يقصد به قراءة البسملة من السورة الخاصّة يصدق أنّه قرأ آية من القرآن و لا يصدق انّه قرأ بسملة من سورة خاصة.
و استشكل عليه كما ذكرنا: بأنّه إذا قرأ القاري البسملة بقصد القرآن و لكن لا يقصد البسملة من سورة خاصة فإمّا إنّك تقول: ليس القاري لها قارى القرآن أصلا فواضح الفساد و إمّا أن تقول: إنّها قراءة القرآن فإمّا أن تقول: بأنّها جزء من سورة خاصة فعلى الفرض لا يمكن لأنّ القاري لم يقصد سورة خاصة و إن تقل بأنّها تصير جزء لكل سورة تتعقبها آياتها فهو المطلوب و لا يمكن أن يقال بأن عليه يصدق قراءة القرآن و لا يصدق قاري لبسملة من سورة خاصة حتّى تقول انّه مع كونه قاري القرآن لم يكن قاريا لآية من سورة خاصة.
و أجاب عن ذلك بما قلنا: بأنّه لا مانع من صدق قراءة القرآن مع عدم قصد سورة خاصة من البسملة مع عدم صدق قراءة البسملة من سورة خاصة لأنّه يمكن حكاية الطبيعة و الإخبار عنها بدون حكاية و إخبار عن الفرد بل ربما يكون الفرد مغفولا عنه حين حكاية الطبيعة لامكان ذلك كما بينا من أنّ الناظر إلى زيد رأى الانسان و رأى الفرد فيمكن أن يخبر عن رؤية الفرد و الجامع كليهما، و يمكن إخباره
______________________________
(1)- كتاب الصّلاة للشيخ الانصاري رحمه اللّه، ص 146 و 147 و 148.
تبيان الصلاة، ج5، ص: 162
عن خصوص الفرد كما يمكن أن يخبر عن خصوص الجامع بدون الإخبار عن الفرد.
[في ذكر اشكال بعض الاعاظم]
ثمّ استشكل عليه بعض الأعاظم «1» بما حاصله يرجع إلى أنّه على ما بينت من يقرأ البسملة بدون قصد تعيين سورة خاصة فقد قرأ القرآن و أتى بطبيعة البسملة فهذه البسملة طبيعة قابلة الانطباق و الجمع مع كل مصاديقها من البسملات فتصدق على كل منها بأنّها هي الآية الّتي قرئها، فللمصلّي و القاري أن يجعل هذه البسملة المقروة جزء لأيّ سورة شاء بانضمام باقى السورة بها، لأنّه بعد الانضمام يصدق أنّه قرء جميع آيات هذه السورة من البسملة الى آخرها و إن كان قرأ البسملة من هذه السورة على سبيل الابهام و الاجمال و قرأ باقى آياتها على التفصيل و حيث إنّ الواجب في السورة ليس إلّا قراءة سورة على الاطلاق فبقراءة البسملة بقصد طبيعة البسملة القرآنية و لحوق آيات مخصوصة يصدق أنّه قرأ السورة و أطاع أمر المولى نعم في ما تكون سورة بعينها و بخصوصيتها متعلقة للطلب كالفاتحة فلا يحصل امتثاله بهذا النحو لعدم وقوع بسملتها على الوجه الّذي تعلق به الطلب.
و دفع هذا الاشكال ناقل كلام الشّيخ رحمه اللّه و حاصله هو أنّ بعد كون المأمور به قراءة سورة خاصة و إن كان المطلوب طبيعة السورة فلا يتحقّق امتثاله إلا بقراءة سورة خاصة و إن كان للمكلف اختيار أيّ سورة خاصة شاء و قراءة سورة خاصة لا تحصل إلّا بوقوع تمام السورة بقصد سورة خاصة كما قلت في الفاتحة و مجرد تعلق الأمر في الفاتحة بخصوصها و في السورة بطبيعتها، لا يوجب الفرق بينهما فى هذا الحيث حيث إن الأمر و إن كان متعلقا بالطبيعة إلّا أنّ امتثالها ليس باتيان إحدى السور على الابهام بل لا بدّ في مقام الامتثال من إتيان سورة معينة فإذا كان
______________________________
(1)- كتاب الصّلاة للمحقّق الحائري، ص 173.
تبيان الصلاة، ج5، ص: 163
الامتثال هذا، فلا بدّ حين البسملة من القصد بسورة خاصة فلو قرئها و لم يعيّن سورة خاصة لا تصير البسملة جزء لسورة بمجرد تعقب ما بقى من آيات من السورة بها.
ثمّ لو نوقش في ذلك و يقال: نمنع وجوب قراءة سورة خاصة على المصلّي بل يكفي قراءة قطعة خاصة من القرآن يطلق عليها أنها سورة تامة و إن لم يصدق عليها أنّها سورة خاصة فإنّ الطبيعة المأمور بها تصدق عليها بتفصيل بيّنا.
يقال في الجواب: بأنّ الواجب هو قراءة السورة و الأمر و إن كان بطبيعة السورة لكن المطلوب إتيان فرد من أفرادها، لكن لا فرق في وجوب فرد خاص بين كون الأمر متعلقا بخصوص فرد كالأمر بفاتحة الكتاب و من كونه متعلقا بالطبيعة غاية الأمر تارة يعيّن المولى الفرد و تارة يحوّله إلى المكلف و على كل حال يكون المطلوب هو قراءة سورة خاصة فيكون الحاصل بعد كل ذلك أنّ الشّيخ رحمه اللّه و ناقلي كلامه قائلون بوجوب التعيين مبينا على أنّ القراءة حيث تكون الحكاية فلا بد في مقام الحكاية من القصد بكون المقر و حكاية عن السورة الخاصّة فيجب تعيين سورة خاصة.
و لكن نحن قلنا: بأنّه بعد كون الحاكي فانيا في المحكى، فلا يعتبر فيه إلّا ما هو موجود في المحكى، و حيث إنّ البسملة المحكى لم تصر جزء للسورة الخاصّة إلّا بلحوق آيات هذه السورة بها، فكذلك الحاكي منها.
و أمّا ما أجاب رحمه اللّه عن الاشكال الّذي أورد عليه: بأنّه لا تنافي بين حكاية الطبيعة مع عدم كونها حكاية عن فرد من أفرادها كما ترى بأنّ من رأى الانسان برؤية فرده، يصح أن يحكى رؤية الانسان بدون حكاية رؤية فرده.
فنقول: بأنّه كما أفاده إذا رأى رجل فردا من أفراد الانسان في يوم، و فردا آخر منه في يوم آخر، فصار بعد ذلك بصدد الإخبار عن رؤية الانسان لا بالفرد
تبيان الصلاة، ج5، ص: 164
الذي رأى أولا و ثانيا، فقال رأيت إنسانا، فلا إشكال في كون كلامه، إخبارا أو حكاية عن نفس الانسان بدون كونه إخبارا عن الفرد، فلو بدا له و صار بصدد الأخبار عن أحد الفردين، فهو بدون فصل طويل و هدم الموالات بعد قوله: رأيت الانسان قال: و هو زيد فهل يقع شك في أنّه أخبر عن الانسان و عن زيد مع عدم كونه في مقام تلفظ (رأيت الانسان) إلّا في مقام الأخبار و الحكاية عن رؤية طبيعة الانسان و لكن لحوق كلامه بعد بهذا الكلام صار سببا لكون مجموع قوله رأيت الانسان و هو زيد إخبارا عن الطبيعة و الفرد كليهما.
إذا عرفت ذلك نقول في المقام: بأن من يقرأ البسملة بقصد القرآنية لا بقصد سورة خاصة و إن كان في مقام الحكاية عن الطبيعة لا الفرد، و لكن لحوق آيات التوحيد أو الكوثر مثلا بها يجعلها حكاية عن سورة التوحيد أو الكوثر، و يقال: إنّه قرء سورة التوحيد أو الكوثر، فالبسملة حين قراءتها و إن لم تكن متخصصة بسورة خاصة و لكن مجرد ضمّ آيات سورة خاصة بها يجعلها جزء لهذه السورة الخاصة، و على الفرض ليس المطلوب إلّا قراءة سورة خاصة، فلا يعتبر القصد في البسملة، بل لحقوق الآيات اللاحقة تصير سببا لصيرورتها جزء لسورة خاصة و يحصل الامتثال. «1»
______________________________
(1)- أقول: أمّا ما أفاده في مقام جواب الشّيخ رحمه اللّه فغير تمام، لأنّ في المثال يكون الشخص مخبرا و حاكيا عن رؤية الانسان و زيد بتعدد الدالّ و المدلول، فقوله (رأيت الانسان) إخبار عن الطبيعة و قوله (و هو زيد) إخبار عن الفرد، لا أن قوله (رايت الانسان) بعد ضم (و هو زيد) صار حاكيا و إخبارا عن الطبيعة و الفرد كليهما، فقوله (رأيت الانسان) باق بحاله من كونه إخبارا عن خصوص الجامع، و لا ينقلب عما وقع إخبارا عنه و إن اضيف إليه قوله (و هو زيد) فكذلك البسملة بعد عدم قصد سورة خاصة وقعت إخبارا أو حكاية عن طبيعة البسملة، و لحوق آيات سورة.
تبيان الصلاة، ج5، ص: 165
قال مدّ ظلّه بأنّه ينبغي التكلم في أمر يظهر حال هذه الجهة بعنوان فذلكة البحث، فنقول: أمّا فذلكة البحث هو أنّه هل ما يجعل البسملة جزء لسورة خاصة
______________________________
خاصة بها لا يجعلها منها، بل يقال: إنّه قرأ القرآن في البسملة، و قرأ آيات سورة خاصة غير بسملتها الخاصة، و هذا لا يكفي في امتثال المأمور به، لأنّ المأمور به قراءة سورة خاصة كما أفاد في جواب إشكال بعض الأعاظم.
و أمّا ما قال مدّ ظلّه من عدم وجوب القصد، و كفاية لحوق الآيات من سورة في جعل البسملة الغير القاصد بها السورة الخاصّة جزء لهذه السورة.
فاقول كما قلت بحضرته مد ظله فلنا سؤال و هو انّه على مختاركم ليس معين البسملة و كونها سورة إلا تعقب آيات السورة الخاصّة بها فعلى هذا لو اتى البسملة بقصد سورة ثمّ بدا له و أتى بما بقي من آيات سورة اخرى فلا بدّ من ان تلتزموا بصيرورتها جزء لهذه السورة لا قصدها لأنّ القصد لا يكون معنيا هل لحوق آيات كل سورة بها يجعلها من هذه السورة و أيضا لو نذر قراءة آية من سورة خاصة فأتى ببسملتها في مقام الوفاء بالنذر لم يف بنذره لانك قلت بان البسملة لا تصير موصوفا بجزئيتها لسورة خاصة إلا بتعقب ما بقي من آيات هذه السورة بها و لكن يمكن ان يقال في جواب كلا الاشكاليين بانّه يقال نحن لم نقل بعدم اعتبار قصد التعيين و يكفي مجرد قراءة البسملة بقصد القرآنية مع لحوق آيات سورة خاصة بها في صيرورتها جزء لها و لم نقل بانّه مع قصد الخلاف يكفي تعقب آيات سورة خاصة في جعلها جزء لهذه السورة لان مع قصد سورة خاصة من البسملة قصد قراءة آية من سورة خاصة لانه قصد الطبيعة و الفرد فلو قرء بعدها آيات غير السورة الّتي قصد بالبسملة فلا يوجب ذلك انقلاب البسملة عما وقع عليها بخلاف ما لو قصد بها مجرد الطبيعة لانها قابلة الانطباق مع كل فرد و بعد تعقب آيات سورة خاصة يجعل هذه البسملة جزء لهذا الفرد هذا ما يجيء بنظري و لكن هو مدّ ظلّه صار في صدد الجواب عن الاشكال الّذي اوردته من ان على مبناكم يلزم عدم كون القصد من السورة الخاصة معينا للبسملة فلو اتى بها بقصد سورة خاصة ثمّ بدا له و أتى بآيات سورة اخرى تصير البسملة جزء لهذه السورة المتعقبة بها آياتها مع فرض انّه قصد بها السورة الاخرى. (المقرّر)
تبيان الصلاة، ج5، ص: 166
هو لحوق آيات سورة خاصة بها فقط كما يظهر من صاحب الجواهر رحمه اللّه «1» في نجات العباد، أو يكون القصد فقط كما يظهر من شيخ الانصارى رحمه اللّه «2» و من تبعه «3»، أو يكون كل واحد منهما محققا لصيرورة البسملة جزء لسورة بمعنى: أنّها تصير جزء لسورة بلحوق آيات سورة خاصة بها، كما تصير جزء لها باتيانها بقصد سورة مخصوصة.
فإنّ قلنا بالأوّل فلو قرئها بقصد سورة خاصة ثمّ بعد قراءتها بدا له و أتى بآيات سورة اخرى تصير جزء لها و إن كان قصد حين إتيانها السورة الاخرى، لأنّ محقّق صيرورتها جزء لسورة ليس إلّا لحوق آيات هذه السورة بها.
و إن قلنا بالثاني من القصد صارت جزء للسورة المقصودة و لو بدا له و قرء آيات سورة اخرى لم تصر جزء لها، و كذلك على اختيار احتمال الثالث.
[في ذكر وجوه فى المورد]
[الوجه الاوّل]
إنّما الكلام في أنّ الحق أىّ من الاحتمالات الثلاثة فنقول: انّ ما يمكن أن يكون وجها لاحتمال الثانى، و هو مختار الشيخ رحمه اللّه، وجوه:
الوجه الأوّل: قاعدة الاشتغال لأنّ الشّك يكون في المكلف به لا فى التكليف، و بعبارة اخرى يكون الشّك في مقام الامتثال بعد معلومية التكليف، لأنّ المكلف يعلم بوجوب إتيان سورة خاصة و في مقام الامتثال لا يدري أنّ الامتثال يحصل بمجرد إتيان البسملة بدون القصد، أو يتوقف الامتثال على القصد، فمقتضى قاعدة الاشتغال وجوب إتيانها مع القصد حتّى يحصل العلم بامتثال التكليف باتيان
______________________________
(1)- الجواهر، ج 10، ص 52- 56.
(2)- كتاب الصّلاة للشيخ الانصارى، ص 146- 147.
(3)- المحقق الحائري في كتاب صلاته، ص 171.
تبيان الصلاة، ج5، ص: 167
سورة تامة.
و فيه أنّ الأصل يكون مرجعا إذا لم يكن دليل اجتهادي على أحد طرفي المسألة، و معه لا تصل النوبة إلى الأصل.
[فى الوجه الثاني و الثالث]
الوجه الثاني: هو أنّه بعد كون كل بسملة من كل سورة فردا لطبيعة غير طبيعة البسملة من سورة اخرى، فكما قلنا في الظهر و العصر بأنّهما محتاجان إلى القصد، لأنّ الخارج لا يكون منطبق أحد الطبيعتين إلّا بالقصد، فهكذا في المقام.
و فيه أنّه كما قلنا كون البسملات أفرادا من طبائع مختلفة في غير محله، بل كلها أفرادا لطبيعة واحدة و أمّا الظهر و العصر فقلنا بكونهما طبيعتين لأجل الدليل، و هو بعض الأخبار الدالّة على العدول من العصر إلى الظهر حيث أنّ المستفاد منه كونهما حقيقتين مختلفتين، و إلّا لا معنى للعدول من أحدهما إلى الاخرى.
الوجه الثالث: أنّ البسملات و إن كانت أفرادا لجامع واحد و البسملة صادقة على كل أفرادها، و لذا يصدق على من قرئها أنّه قرأ القرآن، و لكن حيث إنّ حقيقة القراءة الحكاية، فلا تصدق حكاية سورة خاصة تامة الّا إذا قصد بالبسملة هذا الشخص من السورة و إن لم يقصد فلم يمتثل الأمر المتعلّق بقراءة سورة خاصة و الحاصل أنّ حكاية البسملة المتشخصة بتشخص لحقوق (قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ) أو (إِنّٰا أَعْطَيْنٰاكَ) بها لا تتحقّق إلا بالقصد.
و فيه أنّ لحوق آية خاصة بها لم يكن من مشخصاتها، بل تشخصها إنّما جاء من نحوة وجودها، فمجرد وجودها صارت مشخصة و لا دخالة للحوق آيات خاصة بها في تشخص البسملة، فإنّ التشخص إنّما يجيء بمجرد الوجود، فليس لحوق آيات خاصة من مشخصات البسملة حتّى يحتاج قصد حكاية هذه الوجود
تبيان الصلاة، ج5، ص: 168
المشخص إلى القصد بهذا العنوان أعنى: بعنوان كونها بسملة لآيات كذائية.
الوجه الرابع:
أنّ تشخص البسملة و إن لم يكن بلحوق آيات خاصة بها، إلّا أنّه في مقام الاشارة بالبسملة الخاصّة يشير بهذا اللحوق بها، فيقصد البسملة الّتي لحقتها آيات كذائية حتّى يمتاز بذلك عن ساير البسملات، بمعنى: أنّه بعد لزوم قراءة سورة خاصة و كون البسملات الطبيعة واحدة، ففي مقام القصد يقصد البسملة المتعقّبة بها آيات كذائية أى: آيات سورة خاصة، هذا بعض الوجوه، و عرفت فيما بينّا ما يمكن أن يكون وجها لهذا الاحتمال في المسألة.
و لكن مع ذلك نقول: بأنّه إن كان قصد التعيين ممّا لا بدّ منه، فكيف لم يتعرض لذلك أحد من القدماء قدس سرّه في كلماتهم مع عمومية البلوى، و لم يرد نصّ في ذلك، فيمكن أن يقال: بأنّه كما يكون المقصود في فهم المرادات و إلقاء اللفظ و إرادة معناه، هو إراءة المعنى، و لم يكن النظر الاستقلالى باللفظ أصلا، كذلك في مقام الحكاية لم يكن الحاكي إلّا في مقام الحكاية و إراءة المحكى أعنى: ما تكلم به.
ثمّ بعد ذلك نقول: بأنّ التشخص انما يجيء من قبل الاستعمال فمجرد اصدار اللفظ ملازم مع تشخصه و الحاكي إنّما يحكي ما تكلم به لا الوجود المتشخص بل ما تكلّم به هو معنى كلي صادق على ما تكلم به أوّلا و ثانيا و ثالثا و هكذا، لأنّ الحاكي يحكي عن البسملة و هي و إن كانت وجوداته متشخصة و لكن هو يحكي عن الكلي الصادق على كل منها، فبعد عدم كون الحاكي إلّا في صدد حكاية هذا الكلي لا خصوص البسملة الواقعة قبل آيات سورة كذائية لعدم كون كذلك موجبا لتشخصها، نعم بعد لحوق آيات سورة كذائية بها يصدق أنّه أتى بسورة كذائية و يكفي في صدق امتثال الأمر المتعلّق بسورة خاصة.
الاثناعشریات الخمس، ص 119
الرابع: مطابقة القراءة لإحدى القراءات السبع، و إن تخالفت في إسقاط بعض الكلمات كلفظة «من» في قوله تعالى تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهٰارُ . و يجب أن يستثنى من ذلك ترك البسملة في قراءة نصف السبعة(6) فانّه غير مجوّز بإجماعنا، فقول علمائنا - رحمهم اللّه -: «تجوز القراءة بكل ما وافق إحدى السبع» ليس على عمومه(7)
(6) - و هم: حمزه، و أبو عمرو، و ابن عامر، و ورش عن نافع، و أمّا الذين لم يتركوها فهم: ابن كثير و عاصم، و الكسائي، و قالون عن نافع، و الكلام إنّما هو في بسملة السوره بعد الفاتحة أمّا في الفاتحة فلا، «منه زيد عمره».
(7)- إذ إسقاط البسملة بين الحمد و السورة مطابق لإحدى السبع مع أنّه لا يجوز القراءة به في الصلاة لأنّ البسملة جزء من كلّ سورة بإجماعنا سوى سورة براءة و لهذا يجب تعين السورة قبل قراءة البسملة تحقيقا بجزئيّتها لها على ما سيجيء، «منه زيد عمره». .