بسم الله الرحمن الرحیم

الحقیقة الشرعیة

القواعد الفقهیة و الاصولیة
الوضع-ایجاد شده توسط: حسن خ
اقسام الوضع-ایجاد شده توسط: حسن خ



كفاية الاصول ( با حواشى مشكينى )، ج‏1، ص: 144
الخوض في تحقيق الحال، لا بأس بتمهيد مقال، و هو: أن الوضع التعييني، كما يحصل بالتصريح بإنشائه، كذلك يحصل باستعمال اللفظ ألفاظ العبادات مستعملة في المعنى اللغوي «1».
الثالث: أن الوضع: إما تعيني: و هو الحاصل بكثرة الاستعمال، أو تعييني.
و التعيين: إما بالخطور فقط، بأن يخطر بباله كون هذا اللفظ بإزاء المعنى الفلاني، و إما بالإنشاء القلبي، بأن يقصد تحقق العلقة الوضعية من دون وساطة اللفظ أو الفعل الخارجي، و لا شبهة في عدم حصولها بهما، لأنها نظير المعاهدات الأخر- من البيع و غيره- لا تحصل إلا بإنشاء خارجي عند العقلاء: إما بالإنشاء
__________________________________________________
(1) قوانين الأصول 1: 39- سطر 8- 11 مع الحاشية.
(2) قوانين الأصول 1: 39- سطر 8- 11 مع الحاشية.

كفاية الاصول ( با حواشى مشكينى )، ج‏1، ص: 145
في غير ما وضع له، كما إذا وضع له، بأن يقصد الحكاية عنه، و الدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة (66)، و إن كان لا بد- حينئذ- من نصب قرينة، اللفظي كأن يقول: «وضعت هذا لهذا» أو ما يرادفه، و إما بالإنشاء الفعلي، و من جملة الاستعمال بأن يستعمل اللفظ في معنى «1» قاصدا لتحقق الوضع به، و لا إشكال ظاهرا في إمكانه، بل في وقوعه، بل الوضع في غالب الأعلام كذلك.
و أما ما استشكل فيه «2» من أن هذا الاستعمال ليس بحقيقة، لأن المفروض عدم الوضع له قبله، بل العلقة حاصلة بنفس الاستعمال و لا مجاز، و هو واضح.
ففيه أولا: أنه قد مر أن في الاستعمالات الشائعة ما ليس بحقيقة و لا مجاز.
و ثانيا: أن انتفاء المجازية إنما هو فيما لم يكن للفظ معنى حقيقي قبل ذلك، إذ في غيره يمكن أن يستعمل اللفظ في المعنى المجازي بقصد تحقق الوضع به، و المصنف كأنه اعتقد المنافاة بين الأمرين، فأجاب بالأول دون الثاني. و ثالثا: أن الغلطية لا توجب عدم تحقق الوضع بذلك الاستعمال.


****************
أجود التقريرات، ج‏1، ص: 33
الأمر الرابع في الحقيقة الشرعية
(لا يخفى) ان البحث في هذه المسألة لا يترتب عليه ثمرة أصلا فانه (و ان) ذكر بعض ثمرة له و هو حمل الألفاظ المستعملة بلا قرينة على المعنى اللغوي بناء على عدمها و على المعنى الشرعي بناء على ثبوتها (إلا) ان التحقيق انه ليس لنا مورد نشك فيه في المراد الاستعمالي أصلا (ثم ان) الكلام تارة يقع في الوضع التعييني و أخرى في التعيني (اما الأول) فهو مقطوع بعدمه إذ لو كان الشارع المقدس قد وضع هذه الألفاظ لمعانيها الشرعية بنحو التعيين لبينه لأصحابه و لو بينه لهم لنقل إلينا لتوفر الدواعي إلى نقله و عدم المانع منه فلا يقاس ذلك بالنص على الخلافة الذي أخفوه مع التصريح به و ذلك لثبوت الداعي إلى الكتمان هناك دون المقام (و توهم) إمكان الوضع بنفس الاستعمال [1] كما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) (مدفوع) بان حقيقة الاستعمال كما بيناه إلقاء المعنى في الخارج بحيث يكون الألفاظ مغفولا عنها فالاستعمال يستدعى كون الألفاظ مغفولا عنها و توجه النظر إليه بتبع المعنى بخلاف الوضع‏
__________________________________________________
[1] قد عرفت فيما تقدم ان حقيقة الوضع ليست إلا عبارة عن الالتزام و التعهد بأنه متى ما تعلق إرادة المتكلم بإفادة معنى خاص ان يبرز ذلك بلفظ مخصوص كما هو المختار أو انه اعتبار نفساني قائم بها نظير بقية الاعتبارات القائمة بمعتبرها و على كل حال فالوضع سابق على الاستعمال لا محالة و عليه فلا يكون الوضع بنفس الاستعمال حتى يرد عليه استحالة الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي في آن واحد بل يكون الاستعمال كاشفا عن الوضع فيما إذا كان هناك قرينة على ذلك و من هنا يظهر ان ما أفاده المحقق صاحب الكفاية قدس سره من عدم كون هذا الاستعمال بحقيقة و لا مجاز لا وجه له و الظاهر ان دعوى القطع بثبوت الوضع التعييني بهذا النحو قريبة جدا و مع قطع النظر عن ذلك أيضا فلا ينبغي الريب في ثبوت الوضع التعيني في الألفاظ التي كثر استعمالها في المعاني الشرعية حتى في زمان النبي صلى الله عليه و آله فان منشأ الوضع التعيني لا يختص بخصوص كثرة الاستعمال في لسانه صلى الله عليه و آله بل يكفي في ثبوته كثرة الاستعمال في لسانه و لسان تابعيه بحيث يكون دلالة اللفظ على المعنى الشرعي غير محتاجة إلى القرينة

أجود التقريرات، ج‏1، ص: 34
فانه يستدعى كون اللفظ منظورا إليه باستقلاله و من الواضح انه لا يمكن الجمع بينهما في آن واحد (و اما الوضع التعيني فهو بالنسبة إلى زمان الصادقين عليهما السلام (مقطوع به) إلا انه لا طريق لنا إلى إثباته في زمان النبي صلى الله عليه و آله حتى تثبت الحقيقة الشرعية و عليه تكون الألفاظ المستعملة في زمانه صلى الله عليه و آله مجملات (و اما ما يقال) كما عن صاحب الكفاية «قده» ان ثبوت الحقيقة الشرعية فرع كون هذه المعاني مستحدثة و هو خلاف التحقيق على ما يظهر من جملة من الآيات «فيرده» ان جملة من المعاني و ان كانت ثابتة في الشرائع السابقة أيضا كالحج فانه كان في عصر الخليل عليه السلام إلا انها لم تكن يعبر عنها بهذه الألفاظ بل بألفاظ آخر قطعا «و اما لفظ الصلاة» فانه و ان كان مذكورا في إنجيل برنابا إلا ان المستعمل فيه في غير عصر نبينا صلى الله عليه و آله كان هو المعنى اللغوي فان صلاة المسيح لم تكن الا مركبة من أدعية مخصوصة فالألفاظ المستعملة في الشرائع السابقة لم يكن المراد منها هذه المعاني الشرعية و المعاني الموجودة في الشرائع السابقة لم يكن يعبر عنها بهذه الألفاظ و عليه فلا يكون ثبوتها في الشرائع السابقة مانعا عن ثبوت الحقيقة الشرعية


****************
محاضرات في أصول الفقه ( طبع دار الهادى )، ج‏1، ص: 125
الحقيقة الشرعية
الأمر السابع: في الحقيقة الشرعية الكلام في هذه المسألة يقع في جهات:
(الجهة الأولى) قال جماعة منهم: المحقق صاحب الكفاية- قده- تظهر الثمرة في المسألة بحمل الألفاظ الواردة في الكتاب و السنة كألفاظ العبادات و المعاملات على المعاني الشرعية، بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية، و على المعاني اللغوية، بناء على عدم ثبوتها.
و قيل بالتوقف في المقام، بناء على الثاني، بدعوى ان الحقيقة الشرعية و إن لم تثبت إلا انه لا شبهة في صيرورة المعاني الشرعية من المجازات المشهورة من جهة كثرة استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني، و المختار في تعارض الحقيقة مع المجاز المشهور التوقف، بل المشهور على ذلك. إلا بناء على حجية أصالة الحقيقة.

محاضرات في أصول الفقه ( طبع دار الهادى )، ج‏1، ص: 126
تعبدا كما نسب إلى السيد المرتضى- قده- و اما بناء على اعتبار الظهور فلا ظهور لها في معانيها الحقيقية هذا.
و التحقيق انه لا ثمرة لهذه المسألة- أصلا- وفاقا لشيخنا الأستاذ- قده- و الوجه في ذلك هو ان الكبرى المذكورة و هي (حمل الألفاظ المستعملة في لسان الشارع على المعاني اللغوية أو التوقف بناء على عدم الثبوت و على المعاني الشرعية بناء على الثبوت) و ان كانت مسلمة إلا ان الصغرى غير ثابتة، لعدم الشك في المراد الاستعمالي من هذه الألفاظ، سواء قلنا بثبوت الحقيقة الشرعية أم لم نقل، فهي على التقديرين استعملت في عرف المتشرعة في المعاني الشرعية، إذا لا يبقى مورد نشك فيه في المراد الاستعمالي.
و على الجملة ان ألفاظ الكتاب و السنة قد وصلت إلينا من النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بواسطة الأئمة الأطهار عليهم السلام. و من الواضح جدا ان الحقيقة الشرعية و ان فرض انها لم تثبت إلا انه لا شبهة في ثبوت الحقيقة المتشرعية في زمن ما، و عليه فليس لنا مورد نشك فيه في مراد الشارع المقدس من هذه الألفاظ، حتى تظهر الثمرة المزبورة.
نعم لو فرض كلام وصل إلينا من النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بلا وساطة الأئمة الأطهار عليهم السلام فيمكن أن تظهر الثمرة فيه إذا فرض الشك في مراده صلى الله عليه و آله منه، إلا أنه فرض في فرض، فبالنتيجة انه لا ثمرة للبحث عن هذه المسألة أصلا؛ بل هو بحث علمي فقط.
الجهة الثانية: قد تقدم ان الوضع على قسمين:
أحدهما: تعييني.
و الثاني: تعيني.
اما الوضع التعييني في المقام بان (كان الشارع المقدس قد تصدى للرجع صريحا) فهو مقطوع العدم، ضرورة انه لو كان كذلك لنقل إلينا بالتواتر، كيف‏

محاضرات في أصول الفقه ( طبع دار الهادى )، ج‏1، ص: 127
و لم ينقل حتى بخبر الواحد، و ذلك لعدم المانع منه، مع توفر الداعي على نقله و ليس الوضع كمسألة الخلافة و نحوها لتوفر الدواعي هناك على إخفائها و كتمانها، دونه.
و أما الوضع التعييني بمعنى آخر بان يكون الوضع متحققا بنفس الاستعمال كما ذكره المحقق صاحب الكفاية- قده- فيقع الكلام في إمكانه أولا، و في وقوعه ثانيا، فهنا مقامان:
اما الكلام في المقام الأول فقد اختار شيخنا الأستاذ- قده- عدم إمكانه، بدعوى أن حقيقة الاستعمال إفناء اللفظ في المعنى و إلقاء المعنى في الخارج، بحيث تكون الألفاظ مغفولا عنها، فالاستعمال يقتضى أن يكون النظر إلى الألفاظ آليا، و الوضع يستدعى أن يكون النظر إلى الألفاظ استقلاليا، فالجمع بين الوضع و الاستعمال في شي‏ء يلازم الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي. و هو غير معقول.
و التحقيق ان الوضع سواء كان بمعنى التعهد و الالتزام النفساني، أو بمعنى اعتبار نفساني على تمام أنحائه في مرتبة متقدمة على الاستعمال. اما على الأول فواضح ضرورة ان التعهد و التباني بذكر لفظ خاص عند إرادة تفهيم معنى ما يكون مقدما على الاستعمال لا محالة من دون فرق بين أن يكون إبراز هذا التعهد بمثل كلمة وضعت، أو نحوها الدالة على التعهد بالمطابقة؛ أو يكون المبرز نفس الاستعمال الدال على ذلك بالالتزام بمعونة القرينة. و اما على الثاني فلان اعتبار الملازمة، أو نحوها بين لفظ خاص و معنى ما مقدم على الاستعمال بالضرورة، و ان كان المبرز لذلك الاعتبار نفس الاستعمال مع نصب القرينة على ذلك و كيف كان فالاستعمال متأخر عن الوضع لا محالة. و نظير ذلك الهبة، فانه تارة يبرزها بجملة (وهبتك) الدالة عليها بالمطابقة و أخرى يبرزها بجملة (خذ هذا الثوب)- مثلا- الدالة عليها بالالتزام.

محاضرات في أصول الفقه ( طبع دار الهادى )، ج‏1، ص: 128
فقد أصبحت النتيجة ان محذور لزوم الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي مندفع على جميع المسالك في تفسير حقيقة الوضع، فان الوضع أمر نفساني ثابت في أفق النفس، و الاستعمال أمر خارج عن أفق النفس؛ فالوضع سابق على الاستعمال دائما. بل لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا الجمع بين الوضع و الاستعمال في آن واحد لم نسلم استلزامه الجمع بين اللحاظين الآلي و الاستقلالي، فان هذا اللازم مبتن على مذهب المشهور في مسألة الاستعمال، حيث انهم يرون الألفاظ في مرحلة الاستعمال آليات، و أما على مذهب الصحيح من أن حال الألفاظ حال المعاني في مقام الاستعمال فكما أن المعاني ملحوظة استقلالا، فكذلك الألفاظ و من هنا يلتفت المتكلم إلى خصوصيات الألفاظ الصادرة منه من كونها لغة عربية أو فارسية أو غير ذلك فلا يلزم من الجمع بين الوضع و الاستعمال، الجمع بين اللحاظين الآلي و الاستقلالي.
فقد ظهر مما ذكرناه إمكان الوضع التعييني على أن يكون الدال عليه نفس الاستعمال، مع نصب القرينة على ذلك.
و اما الكلام في المقام الثاني فالظاهر انه لا شبهة في وقوع الوضع التعييني على هذا النحو خارجا، بل لعله كثير بين العرف و العقلاء في وضع الاعلام الشخصية و المعاني المستحدثة، و عليه فدعوى ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني على النحو المزبور في الجملة غير بعيدة.
إنما الإشكال في أن ذلك الاستعمال، هل هو استعمال حقيقي، أو مجازي؟
أو لا هذا، و لا ذاك؟ وجهان، بل قولان: فقد اختار المحقق صاحب الكفاية- قده- الاحتمال الأخير، بدعوى انه لا يكون من الاستعمال الحقيقي، من جهة ان الاستعمال الحقيقي استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له، و المفروض انه لا وضع قبل هذا الاستعمال، ليكون الاستعمال استعمالا فيه؛ و اما انه لا يكون من الاستعمال المجازي، فلأجل ان الاستعمال المجازي استعمال اللفظ في المعنى‏

محاضرات في أصول الفقه ( طبع دار الهادى )، ج‏1، ص: 129
المناسب للمعنى الموضوع له، و المفروض انه لا وضع قبل هذا الاستعمال، و معه لا يعقل المجاز، فانحصر أن لا يكون ذلك الاستعمال حقيقيا و لا مجازيا، و قد ذكرنا أن صحة الاستعمال لا تدور مدار كونه حقيقيا أو مجازيا؟ بل صح الاستعمال بدون أن يكون متصفا بأحدهما إذا كان حسنا عند الطبع، و قد عرفت ان إطلاق اللفظ و إرادة نوعه، أو صنفه، أو مثله من هذا القبيل. هذا محصل ما أفاده- قدس سره-.
و قد ظهر مما حققناه سابقا ان الإطلاقات المذكورة ليست من قبيل الاستعمال في شي‏ء على تفصيل تقدم.
كما انه قد تبين مما ذكرناه الآن ان هذا الاستعمال استعمال حقيقي و في المعنى الموضوع له، بيانه هو انك عرفت ان الوضع في مرتبة متقدمة على الاستعمال على جميع المسالك في تفسير الوضع، و عليه فالوضع يحصل قبل الاستعمال، فإذا كان كذلك فالاستعمال استعمال في الموضوع له، و هذا واضح.
ثم لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان الوضع ليس عبارة عن مجرد أمر نفساني من تعهد، و اعتبار ملازمة، و نحو ذلك، بل للإبراز دخل في حقيقة الوضع جزءا أو قيدا، و بدونه لا يتحقق الوضع، كما هو الحال في مثل عنوان البيع، و التجارة، و الهبة، و الصلح، و ما شاكل ذلك، فان هذه العناوين لا تتحقق عرفا و لا تصدق خارجا على مجرد الاعتبار النفساني ما لم يبرزه في الخارج بمبرز من قول أو فعل، فللإبراز دخل فيها جزءا أو قيدا- مثلا- عنوان البيع لا يصدق عرفا على مجرد اعتبار البائع ملكية المبيع لزيد- مثلا- و اعتبار زيد تملكه لنفسه بعوض معلوم ما لم يبرزه البائع بقوله بعت، أو ملكت، و المشتري بقوله اشتريت، أو قبلت، فالبيع عبارة عن الأمر الاعتباري الخاص المبرز في الخارج بمبرز، و هكذا غيره، فلو سلمنا ان الوضع أيضا كذلك فلا يكون هذا الاستعمال استعمالا في غير ما وضع له، و الوجه في ذلك هو انه لا يعتبر في كون‏

محاضرات في أصول الفقه ( طبع دار الهادى )، ج‏1، ص: 130
الاستعمال حقيقيا و استعمالا في الموضوع له تقدم الوضع على الاستعمال، بل غاية يقتضيه ذلك هو أن لا يكون الوضع متأخرا عن الاستعمال، فيكفي في كون الاستعمال حقيقيا مقارنة الوضع معه زمانا، و المفروض ان الوضع و الاستعمال في مقامنا هذا كذلك، و ان كان الاستعمال مقدما عليه طبعا و رتبة باعتبار انه جزئه أو قيده، إلا انه لا يوجب تقدمه عليه زمانا.
و قد تحصل من ذلك بوضوح ان هذا الاستعمال استعمال في الموضوع له و لو قلنا بان الوضع يتحقق بنفس ذلك الاستعمال، و انه الجزء الأخير و المتمم لتحققه و كيف كان فقد ذكر صاحب الكفاية- قده- ما نصه: فدعوى الوضع التعييني في الألفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبة جدا، و مدعى القطع به غير مجازف قطعا، و يدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها في محاوراته ثم يؤيد ذلك بعدم وجود علاقة معتبرة بين المعاني الشرعية و اللغوية في بعض الموارد ... إلخ. و هذا الذي ذكره هو الصحيح.


****************
مصباح الأصول ( مباحث الفاظ - مكتبة الداوري )، ج‏1، ص: 122
2- امكان ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني أو التعيني‏
ثم ان الكلام في ثبوت الحقيقة الشرعية يقع تارة في الوضع التعييني، و اخرى في الوضع التعيني.
أما الوضع التعييني، فانشاؤه بنحو التنصيص، بأن يقول الشارع: اني وضعت اللفظ للمعنى الفلاني مما يقطع بعدمه.
ضرورة أنه لو كان كذلك لوصل الينا بالتواتر، لقوة الداعي الى نقله و عدم المانع منه، فلا يقاس ذلك بمثل النص على الخلافة، لوجود الداعي الى الكتمان هناك دون المقام، كما هو ظاهر.
و بالجملة لو وضع الشارع بنحو التنصيص لوصل الينا بالتواتر، و لا أقل من الوصول بخبر واحد معتبر، مع أنه لم ينقل الينا و لو بخبر ضعيف، لا من الخاصة و لا من العامة، فهذا يكشف كشفا قطعيا عن عدم تحقق الوضع التعييني بنحو التنصيص.
انشاء الوضع التعييني بالاستعمال:
و أما انشاء الوضع التعييني بالاستعمال، بأن يستعمل اللفظ في غير الموضوع له بداعي الوضع مع نصب القرينة على ذلك، كما قد يتفق ذلك عند التسمية، فيقول الوالد مثلا حينما تولد له ولد: جئني بولدي الباقر، و يكون غرضه من هذا الاستعمال هو الوضع و التفهيم بأني سميته بالباقر.
فوقع الكلام بينهم في امكانه و عدمه، و اختار صاحب الكفاية قدس سره امكانه «1»، و العلامة النائيني قدس سره عدمه «2»، بدعوى أن استعمال اللفظ في‏
__________________________________________________
(1)- كفاية الاصول: 36.
(2)- أجود التقريرات 1: 33.

مصباح الأصول ( مباحث الفاظ - مكتبة الداوري )، ج‏1، ص: 123
المعنى يستدعي كون اللفظ مغفولا عنه و ملحوظا بلحاظ آلي، و الوضع يستدعي توجه النفس الى اللفظ و المعنى، و لحاظها باللحاظ الاستقلالي، و لا يمكن الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي في آن واحد، مع كون الملحوظ واحدا. و الانصاف تمامية ما ذكره صاحب الكفاية، و ان الوضع بالاستعمال بمكان من الامكان، اذ لو قلنا بتمامية الوضع بمجرد الاعتبار النفساني و عدم احتياجه الى المبرز، فالوضع سابق على الاستعمال، فلا يلزم الجمع بين اللحاظ الآلي و اللحاظ الاستقلالي.
بلا فرق بين أن يكون الوضع عبارة عن الالتزام و التعهد بالتكلم بلفظ خاص عند ارادة معنى مخصوص، أو يكون عبارة عن تنزيل اللفظ وجودا للمعنى، أو يكون عبارة عن اعتبار الملازمة بينهما، أو غيرها من الاقوال التي تقدمت في تحقيق معنى الوضع.
و ان قلنا بعدم تمامية الوضع بمجرد الاعتبار النفساني و احتياجه الى المبرز، كما هو الحال في المعاملات، فان مجرد الاعتبار النفساني بدون الابراز في مقام الانشاء لا يكفي في تحقق المعاملة، فالاستعمال حينئذ و ان كان محققا للوضع، الا أنه لا يستلزم لحاظ اللفظ آليا.
بل يمكن أن يكون ملحوظا بنحو الاستقلال، نظير ما ذكرناه في معنى الحروف، من أن المعنى الحرفي لا يستلزم أن يكون ملحوظا دائما باللحاظ الآلي، بل يمكن لحاظه بنحو الاستقلال، على ما ذكرنا هناك، و ذكرنا له أمثلة. فاذا لا مانع من استعمال لفظ في معنى بداعي الوضع، و يكون اللفظ كالمعنى ملحوظا بنحو الاستقلال فقط، فلا يلزم اجتماع اللحاظ الآلي و اللحاظ الاستقلالي، غاية الامر أن ابراز الوضع و انشاءه قد يكون‏

مصباح الأصول ( مباحث الفاظ - مكتبة الداوري )، ج‏1، ص: 124
بالدلالة المطابقية، كما اذا قال الواضع: اني وضعت اللفظ الفلاني للمعنى الفلاني، و قد يكون بالدلالة الالتزامية، كما اذا استعمل اللفظ في المعنى بداعي الوضع مع القرينة عليه، فان دلالة هذا النحو من الاستعمال على الوضع من قبيل دلالة الملزوم على اللازم.
و نظير ذلك الهبة و التمليك، فان الواهب تارة يبرزها بقوله: وهبتك هذا الدرهم، فيكون انشاء التمليك بالدلالة المطابقية، و اخرى يبرزها بقوله: اشتر بدرهمي لنفسك طعاما، فيكون انشاء التمليك بالدلالة الالتزامية باعتبار عدم صحة الاشتراء أو لنفسه بمال الغير لخروجه عن حقيقة المبادلة التي قوامها بدخول العوض في ملك من خرج المعوض عن ملكه، و بالعكس.
فتحصل أن امكان تحقق الوضع بالاستعمال مما لا مجال لانكاره.


****************



















فایل قبلی که این فایل در ارتباط با آن توسط حسن خ ایجاد شده است