بسم الله الرحمن الرحیم
فهرست علوم
علم کلام
الصفات الخبرية-الذاتية-الفعلية
المجسمة
استدراك وتعقيب على الشيخ شعيب الأرنؤوط في تأويله بعض أحاديث الصفات-خالد بن عبد الرحمن
اثبات جهة الفوق
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 31)
وقال السفاريني: "ومما ينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله سبحانه نوعان:
الأول: صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر فهذه إضافة صفة إلى موصوف بها فالعلم والقدرة ... الخ صفات له تعالى غير مخلوقة، وكذا وجهه ويده ونحو ذلك من الصفات الخبرية والذاتية وكذا الفعلية من التكوين والمحبة والرضا ونحوها، في مذهب السلف.
الثاني: إضافة أعيان منفصلة كبيت الله، وناقة الله، وعبد الله، ورسول الله، وكذلك روح الله، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، ومصنوع إلى صانعه لكنها تقتضي تخصيصاً أو تشريفاً يتميز به المضاف إليه عن غيره "كبيت الله" وإن كانت كل البيوت لله ملكاً له، وكذلك "ناقة الله" والنوق كلها ملكه وخلقه، ولكن هذه إضافة إلى إلهيته تقتضي محبته لها وتكريمه وتشريفه، بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيته، حيث تقتضي خلقه وإيجاده.
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 71)
ثالثاً: تنقسم الصفات من حيث أدلة ثبوتها إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الشرعية العقلية
وضابطها: هي التي يشترك في إثباتها الدليل الشرعي السمعي والدليل العقلي، والفطرة السليمة.
وهي أكثر صفات الرب تعالى، بل أغلب الصفات الثبوتية يشترك فيها الدليلان السمعي والعقلي1 وإن كان الأصل في ثبوتها الدليل الشرعي.
ومنها: العلم، السمع، البصر، العلو، القدرة، الإرادة، الخلق، الحياة.
وسميت "شرعية عقلية"
شرعية: لأن الشرع دل عليها أو أرشد إليها.
وعقلية: لأنها تعلم صحتها بالعقل ولا يقال إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر.
فإذا أخبر الله بالشييء، ودل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولا عليه بخبره، ومدلولا عليه بدليل العقل الذي يعلم به، فيصير ثابتاً بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى الدلالة الشرعية2.
القسم الثاني: الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية
وضابطها: هي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع والخبر عن الله أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتسليم3.
ومنها: الوجه - اليد - العين - الرضا - الفرح - الغضب - القَدَم - الاستواء - النزول - المجيء - الضحك.
وهي تنقسم إلى قسمين:
__________
1- صفات ذاتية مثل: الوجه - اليد - العين - القَدَم.
2- صفات فعلية مثل: النزول - الاستواء - الغضب - الفرح - الضحك.
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 83)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية- موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:
أحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.
والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في "الرسالة النظامية" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب.
ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات. ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي"1.
وقال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه أضواء البيان: "اعلم أن المتكلمين قسموا صفاته جلا وعلا إلى ستة أقسام:
1ـ صفة نفسية.
2ـ صفة سلبية.
3ـ صفة معنى.
4ـ صفة معنوية.
5ـ صفة فعلية.
6ـ صفة جامعة مثل العلو والعظمة مثلاً.
__________
1 درء تعارض العقل والنقل (5/249) .
والصفة الإضافية هي تتداخل مع الفعلية.
لأن كل صفة فعلية من مادة متعدية إلى المفعول كالخلق والإحياء والإماتة فهي صفة إضافية، وليست كل صفة إضافية فعلية، فبينهما عموم وخصوص من وجه، يجتمعان في نحو الخلق والإحياء والإماتة.
وتتفرد الفعلية في نحو الإستواء وتتفرد الإضافية في نحو كونه تعالى موجود قبل كل شييء، وأنه فوق كل شييء، لأن القَبْلِيَّةَ والفوقيَّةَ من الصفات الإضافية وليستا من صفات الأفعال"1.
__________
1 أضواء البيان 2/306.
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 87)
الخاتمة
بعد هذا العرض لتعريف الصفات وبيان أقسامها والمسائل المتعلقة بذلك، أعرض أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث، فأقول:
أولاً: إن ضابط الصفات الإلهية عند أهل السنة هو: ما قام بالذات الإلهية ووردت به نصوص القرآن والسنة.
فأهل السنة يثبتون قيام الصفات بالذات سواء الذاتية منها أو الفعلية.
ثانياً: يشترط لثبوت الصفات ورود النص من القرآن أو السنة بذلك، فباب الصفات توقيفي.
ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفات ثلاثة أوجه:
1ـ التصريح بالصفة.
2ـ تضمن الاسم للصفة.
3ـ التصريح بفعل أو وصف دال عليها.
ثالثاً: أن كل واحد من لفظ (الوصف) أو (الصفة) لا فرق بينهما عند أهل السنة، وأنهما قد يراد بهما الكلام الذي يوصف به الموصوف أو المعاني التي يدل عليها الكلام.
بخلاف قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم الذين جعلوا الصفات مجرد القول الذي يعبر به عن الموصوف من غير قيام معنى.
وبخلاف الصفاتية الذين يجعلون الوصف: هو القول، والصفة: هو المعنى القائم بالموصوف، فيفرقون بين الوصف والصفة.
رابعاً: المضافات إلى الله على نوعين هما:
1ـ إضافة الملك.
2ـ إضافة صفة.
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 88)
وصفات الله عز وجل من إضافة الصفة إلى الموصوف، فتكون قائمة به سبحانه. بخلاف قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم الذين لا يعترفون بالقسم الثاني من أقسام الإضافة إلى الله، فردوا جميع ما يضاف إلى الله من الصفات إلى إضافة الخلق أو إضافة وصف من غير قيام معنى به.
وبخلاف قول الصفاتية من الكلابية ومن وافقهم الذين ينكرون قيام صفات الأفعال بالذات ويجعلون إضافتها إلى الله على أنها نسب إضافية عدمية.
خامساً: يشتمل توحيد الأسماء والصفات على ثلاثة أبواب:
1ـ باب الأسماء.
2ـ باب الصفات.
3ـ باب الأخبار.
وباب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، وباب الإخبار أوسع منهما.
سادساً: أن الألفاظ التي لم ترد بها النصوص لا تدخل في باب الصفات وإنما هي داخلة في باب الإخبار، ولأهل السنة ضوابط في ذلك تقدم تفصيلها.
سابعاً: تنقسم الصفات عموماً إلى قسمين:
1ـ صفات نقص.
2ـ صفات كمال.
والله عز وجل موصوف بالكمال ومنزه عن صفات النقص.
ثامناً: تنقسم الصفات باعتبار ورودها في النصوص إلى قسمين:
1ـ الصفات الثبوتية.
2ـ الصفات السلبية.
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 89)
والأصل في هذا الباب صفات الإثبات وأما الصفات المنفية فهي تابعة للصفات الثبوتية ومكملة لها.
تاسعاً: تنقسم الصفات السلبية إلى قسمين:
القسم الأول: سلب متصل.
القسم الثاني: سلب منفصل.
عاشراً: تنقسم الصفات الثبوتية من جهة تعلقها بالله إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الذاتية.
القسم الثاني: الصفات الفعلية.
وكل من النوعين يجتمعان في أنهما صفات الله تعالى أزلاً وأبداً، لم يزل ولا يزال متصفاً بها ماضياً ومستقبلاً.
الحادي عشر: تنقسم الصفات الثبوتية كذلك إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات اللازمة وهي على نوعين:
1ـ ذاتية.
2ـ معنوية.
القسم الثاني: الصفات العارضة.
الثاني عشر: الصفات الاختيارية أعم من الفعلية، فكل صفة فعلية فهي اختيارية وليس العكس.
الثالث عشر: تنقسم الصفات الثبوتية باعتبار أدلتها إلى قسمين:
القسم الأول: صفات شرعية عقلية، وهي ما اشترك في إثباتها الدليل العقلي مع الدليل الشرعي.
القسم الثاني: الصفات الخبرية وهي ما اقتصر في إثباتها على الدليل الشرعي فقط.
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 90)
الرابع عشر: ينكر الغلاة من المعطلة الصفات الثبوتية ومن أقر منهم بالصفات السلبية قسمها إلى ثلاثة أقسام:
1ـ صفات سلبية محضة.
2ـ صفات إضافية محضة.
3ـ صفات مركبة من سلب وإضافة.
الخامس عشر: يتفق الكلابية وقدماء الأشاعرة مع أهل السنة في طريقة تقسيمهم للصفات، ولكن يخالفونهم في القدر المثبت.
السادس عشر: يقسم الأشاعرة المتأخرون والماتريدية الصفات إلى أربعة أقسام هي:
1ـ صفات المعاني.
2ـ الصفات المعنوية.
3ـ الصفات السلبية.
4ـ الصفات النفسية.
وليس عندهم من الإثبات إلا صفات المعاني السبع وهي العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام.
وفي الختام، فهذا جهدي أقدمه للقراء فما كان فيه من صواب فمن فضل الله عز وجل، وما كان فيه من خطأ فمني واستغفر الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 17)
وترجع أسماء الله الحسنى من حيث معانيها إلى أحد الأمور التالية:
1- إلى صفات معنوية: كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير.
2- ما يرجع إلى أفعاله: كالخالق، والرازق، والبارئ، والمصور.
3- ما يرجع إلى التنزيه المحض ولا بد من تضمنه ثبوتاً إذ لا كمال في العدم
المحض: كالقدوس، والسلام، والأحد.
4- ما دل على جملة أوصاف عديدة ولم يختص بصفة معينة بل هو دال على معنى مفرد نحو: المجيد، العظيم، الصمد1
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 68)
ب - ويمكن تقسيم الصفات الثبوتية كذلك إلى قسمين5:
القسم الأول: الصفات اللازمة
وتعريفها: هي الصفات اللازمة للموصوف لا تفارقه إلا بعدم ذاته. أو بعبارة أخرى: هي الصفات التي لا تنفك عن الذات وتنقسم إلى قسمين
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 69)
الصفات الذاتية1: وهي التي لا يمكن تصور الذات مع تصور عدمها.
ومنها: الوجه - اليد - الأصبع - العين - القدم.
الصفات المعنوية: وهي ما يمكن تصور الذات مع تصور عدمها.
ومنها: الحياة - العلم - القدرة - العزة - العظمة - الكبرياء - الملك - الحكمة - السمع - البصر.
القسم الثاني: الصفات العارضة أو الصفات الاختيارية
وتعريفها: هي الصفات التي يمكن مفارقتها له مع بقاء الذات.
أو: الصفات التي تنفك عن الذات.
أو: الصفات التي تتعلق بالمشيئة والقدرة.
وهي إما من باب الأفعال: كالاستواء، والاتيان، والمجيء، والنزول.
وإما من باب الأقوال والكلمات: التكليم والنداء، والمناجاة، والقول.
وإما من باب الأحوال: كالفرح، والغضب، والرضا، والضحك2.
فكل ما كان بعد عدمه فإنما يكون بمشيئة الله وقدرته، وهذا ضابط ما يدخل في الصفات الاختيارية3.
الصفات الاختيارية:
وضابطها: هي الأمور التي يتصف بها الرب عز وجل، فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته4.
__________
1 ليس المقصود بالذاتية ما يلزم الذات، إذ الجميع لازم الذات.
2 درء تعارض العقل والنقل 4/23 "بتصرف".
3مجموع الفتاوى 6/244 "بتصرف".
4 مجموع الفتاوى 6/217.
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 70)
والصفات الاختيارية أعم من الصفات الفعلية، لأنها تشمل بعض الصفات الذاتية التي لها تعلق بالمشيئة، مثل: الكلام، السمع، البصر، الإرادة، المحبة، الرضا، الرحمة، الغضب، السخط.
كما أنها -أي الصفات الاختيارية- تشمل الصفات الفعلية غير الذاتية.
مثل: الخلق، الإحسان، العدل، وهذه فعلية متعدية.
ومثل: الاستواء، المجيء، الإتيان، النزول، وهذه فعلية لازمة.
فالكلام (صفةُ ذاتٍ وفعلٍ) فهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته كلاماً قائماً بذاته.
وكل ما كان بعد عدمه، فإنما يكون بمشيئة الله وقدرته1، وما تعلق بالمشيئة مما يتصف به الرب فهو من الصفات الاختيارية2، والصفات الصادرة عن الأفعال موصوف بها في القدم، ولم تتغير ذاته من أفعاله، ولم يكتسب عن أفعاله صفات كمال، فهو سبحانه لم يزل كريماً خالقاً.
ومن معتقد أهل السنة والجماعة إثبات قيام جميع هذه الصفات بالذات، خلافاً لقول الكلابية والأشاعرة والماتريدية.
فهذا نوع من تقسيمات الصفات يفصل بين عقيدة أهل السنة من جهة وعقيدة الصفاتية من أهل الكلام وهم (الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية) من جهة أخرى.
فالكلابية وقدماء الأشاعرة يثبتون الصفات ما عدا صفات الأفعال الاختيارية فإنهم ينفون كونها صفات قائمة بالله.
والمتأخرون من الأشاعرة والماتريدية ينفون الصفات الذاتية والاختيارية ويثبتون
__________
1مجموع الفتاوى 6/219.
2مجموع الفتاوى 6/244.
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 79)
المطلب الثاني: أقسام الصفات عند من يثبت بعض الصفات وينكر بعضها.
وهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية، ويسمون الصفاتية
وهم في تقسيم الصفات على قسمين:
1 ـ الكلابية وقدماء الأشاعرة
وهؤلاء يتفقون مع أهل السنة في تقسيم الصفات عموماً إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الذاتية.
القسم الثاني: الصفات الفعلية.
وكذا في تقسيمها من حيث أدلة إثباتها حيث يقسمونها إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات العقلية.
القسم الثاني: الصفات السمعية.
لكنهم يختلفون مع أهل السنة فيما يثبتونه وطريقة إثباتهم.
2 ـ الأشاعرة المتأخرون والماتريدية
المعروف عن متأخري الأشاعرة والماتريدية من أهل الكلام تقسيمهم الصفات إلى أربعة أقسام:
1- صفات المعاني. 2- الصفات المعنوية.
3- الصفات السلبية. 4- الصفة النفسية.
القسم الأول: صفات المعاني.
وضابطها في اصطلاحهم هي: ما دل على معنى وجودي قائم بالذات ولم يقر هؤلاء إلا بسبع منها هي، الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر،
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 79)
2 ـ الأشاعرة المتأخرون والماتريدية
المعروف عن متأخري الأشاعرة والماتريدية من أهل الكلام تقسيمهم الصفات إلى أربعة أقسام:
1- صفات المعاني. 2- الصفات المعنوية.
3- الصفات السلبية. 4- الصفة النفسية.
القسم الأول: صفات المعاني.
وضابطها في اصطلاحهم هي: ما دل على معنى وجودي قائم بالذات ولم يقر هؤلاء إلا بسبع منها هي، الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر،
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 80)
والكلام. ونفوا ما عداها من صفات المعاني كالرأفة والرحمة والحلم1.
وهي القدر الذي عند هؤلاء من الإثبات، أما الأقسام الثلاثة الباقية ليس فيها إثبات على الحقيقة.
القسم الثاني: الصفات المعنوية
وضابطها: هي الأحكام الثابتة للموصوف بها معللة بعلل قائمة بالموصوف وهي كونه (حياً، عليماً، قديراً، مريداً، سميعاً، بصيراً، متكلماً) وهذا العد لا وجه له لأنه في الحقيقة تكرار لصفات المعاني المتقدم ذكرها.
ثم إن من عدها من هؤلاء عدوها بناءً على ما يسمونه الحالة المعنوية التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية لا معدومة ولا موجودة2.
والتحقيق أن هذا خرافة وخيال. وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشييء ونقيضه واسطة البتة فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعاً، وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعاً ولا واسطة البتة كما هو معروف عند العقلاء3.
القسم الثالث: الصفات السلبية:
وضابطها عندهم: ما دل على سلب ما لا يليق بالله عن الله من غير أن يدل على معنى وجودي قائم بالذات.
والذين قالوا هذا جعلوا الصفات السلبية خمساً لا سادس لها4 وهي
__________
1 منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات (ص5) .
2 تحفة المريد (ص77) .
3 منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات (ص10) .
4 يرى بعضهم أنها ليست منحصرة في هذه الخمسة، إلا أن ما عداها راجع إليها ولو بالالتزام، أو أن هذه مهماتها. انظر تحفة المريد (ص54) .
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 81)
عندهم: القِدَمُ، البقاء، والمخالفة للحوادث، والوحدانية، والغنى المطلق الذي يسمونه القيام بالنفس الذي يعنون به الاستغناء عن المخصص والمحل1.
وعلى ضابطهم الذي ذكروه فإن هذه الخمس لا تتضمن معنى وجودياً. وإنما تتضمن أمراً سلبياً فعلى سبيل المثال:
القدم: المقصود بها نفي الحدوث.
والبقاء: المقصود بها نفي الفناء.
والوحدانية: المقصود بها نفي النظير المساوي له.
والقيام بالنفس: عدم افتقاره للمحل وعدم افتقاره للمخصص: أي الموجد.
القسم الرابع: الصفة النفسية
وضابطها هي: كل صفة إثبات لنفس لازمة ما بقيت النفس غير معللة بعلل قائمة بالموصوف.
وهي عندهم صفة واحدة هي: الوجود. وهي عندهم لا تدل على شيء زائد على الذات.
يقول شارح جوهرة التوحيد: "واعلم أن الوجود صفة نفسية وإنما نسبت للنفس أي الذات، لأنها لا تتعقل إلا بها فلا تتعقل نفس إلا بوجودها، والمراد بالصفة النفسية: صفة ثبوتية يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها.
فقولنا: "صفة" كالجنس.
وقولنا: "ثبوتية" يخرج السلبية كالقدم والبقاء.
__________
1 منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات (ص8) .
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 89)
عاشراً: تنقسم الصفات الثبوتية من جهة تعلقها بالله إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الذاتية.
القسم الثاني: الصفات الفعلية.
وكل من النوعين يجتمعان في أنهما صفات الله تعالى أزلاً وأبداً، لم يزل ولا يزال متصفاً بها ماضياً ومستقبلاً.
الحادي عشر: تنقسم الصفات الثبوتية كذلك إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات اللازمة وهي على نوعين:
1ـ ذاتية.
2ـ معنوية.
القسم الثاني: الصفات العارضة.
الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها (ص: 90)
السادس عشر: يقسم الأشاعرة المتأخرون والماتريدية الصفات إلى أربعة أقسام هي:
1ـ صفات المعاني.
2ـ الصفات المعنوية.
3ـ الصفات السلبية.
4ـ الصفات النفسية.
وليس عندهم من الإثبات إلا صفات المعاني السبع وهي العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام.
وفي الختام، فهذا جهدي أقدمه للقراء فما كان فيه من صواب فمن فضل الله عز وجل، وما كان فيه من خطأ فمني واستغفر الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 207)
النوع الثاني:
الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية، وهي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع، والخبر عن الله، أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتسليم، أي لا سبيل للعقل على انفراده إلى إثباتها، لولا الأخبار المنقولة عن الله، وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، وهي خبرية محضة بيد أن العقل السليم لا يعارض فيها الخبر الصحيح كما هو معروف، وأمثلتها كالآتي:
1- الوجه، 2- اليد، 3- العين، 4- الغضب، 5- الرضا، 6- الفرح، 7- القَدَم، 8- الاستواء، 9- النزول، 10- المجيء، 11- الضحك.
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 208)
وهي تنقسم إلى قسمين:
أ- صفات فعلية تجدد حسب مشيئة الله وهي:
1- النزول، 2- الاستواء على العرش، 3- المجيء لفصل القضاء بين عباده سبحانه يوم القيامة كما يليق به، 4- الغضب، 5- الفرح، 6- الضحك كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه، نثبتها كلها ونؤمن بها لورود الخبر، وصحته ولولا ذلك لأمسكنا عن الكلام في هذه الصفات وغيرها من الصفات والأسماء، لأنها توقيفية، هذا ما نعنيه بالخبرية ولا يمنع ذلك إثبات الصفات الخبرية بالأدلة العقلية مع الأدلة النقلية التي هي الأصل، وسيأتي ذكر الأدلة بالتفصيل في آخر فقرة من فقرات هذا الباب إن شاء الله.
ب- صفات ذاتية قائمة بذاته العلية وهي قديمة قِدَم الذات مثل الوجه واليد والعين والقَدَم:
وهذه الصفات وإن كانت تعد في حق المخلوق جوارح وأعضاء وأبعاضاً وأجزاء ولكنها في حق الله تعالى صفات أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام، لا نخوض فيها بأهوائنا وآرائنا، بل نفوض كنهها وحقيقتها إلى الله تعالى لعدم معرفتنا لحقيقة الذات، لأن معرفة حقيقة الصفة متوقفة على معرفة حقيقة الذات كما لا يخفى، بل نثبتها ونؤمن بها دون تحريف أو تعطيل، ودون تكييف وتجسيم وتشبيه. وهكذا يقال في الرحمة والمحبة والرضا، وسائر صفات الرب تعالى.
وهذه الصفات وكثير من صفات الله قد تشترك مع صفات خلقه في اللفظ وفي المعنى العام المطلق قبل أن تضاف صفات الله إلى الله، وتضاف صفات المخلوق إلى المخلوق، وبمجرد الإضافة تختص صفات الخالق بالخالق، وصفات المخلوق بالمخلوق، فصفات الله كما يليق بعظمته
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 209)
وجلاله، وصفات المخلوق كما يليف بحدوثه وضعفه ومخلوقيته، ولا يغيب عن بالنا- ونحن نتحدث عن صفات الله- ولا ينبغي أن يغيب- ما قاله أحد الأئمة الأربعة المشهود لهم بالإمامة، بل هو أحد أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين (وهم الثوري بالعراق، والأوزاعي بالشام، والليث بن سعد بمصر، ومالك بالحجاز) 1، وهو المعروف بإمام دار الهجرة، أجل لا يغيب عن بالنا ما قاله هذا الإمام عندما سئل عن كيفية استواء الله على عرشه، حيث قال السائل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 2 كيف استوى؟ هكذا نص السؤال.
وقد اندهش الإمام مالك من هذه الجرأة، ثم أجاب قائلاً: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وهذا الجواب مشهور عن الإمام مالك، رواه غير واحد من أهل العلم، ويروى عن شيخه (ربيعة) وقبله عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذا الجواب صالح لكل سؤال يوجه، وهو يبحث عن كيفية صفة من صفات الله تعالى، مثل النزول، والمجيء، والوجه، واليد، وغيرها (وبالله التوفيق) .
__________
1 هكذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الحموية الكبرى ص: 31 تحقيق الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، مطبعة المدني بالعباسية، القاهرة، وتقدم.
2 سورة طه آية: 5.
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 217)
الفصل الثالث: معاني الصفات الخبرية
نتحدث عن معاني هذه الصفات على الوجه التالي:
1- الاستواء، 2- النزول، 3- الرحمة، 4- المحبة، 5- الغضب، 6- اليد، 7- الفرح، 8- الرضا، 9- الضحك، 10- الوجه، 11- القَدَم، 12- الكلام، 13- المجيء، 14- إثبات النفس له تعالى، 15- إثبات الرؤية لأهل الجنة
وغيرها من صفات الأفعال والصفات الخبرية التي سيأتي تفصيلها قريباً إن شاء الله.
القاعدة العامة عند السلف في هذا الباب:
أما السلف فلدقة فقههم في هذا الباب خاصة وفي الأبواب الأخرى عامة في الأصول والفروع، فقد سَلّموا لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، فيرون بأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله، كما لا يصفه من خلقه أعلم به سبحانه من رسوله، فَوقَفُوا مع نصوص الكتاب والسنة دون محاولة لتجاوزها فلم يخوضوا فيها بالتحريف بدعوى أن ظاهرها غير مراد، بل أمروا النصوص كما جاءت، كتفين بفهم المعنى العام الذي يدل عليه اللفظ بالوضع دون تعمق أو تفلسف، أثبتوا لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله الأمين، عليه الصلاة والسلام، دون أن يصل بهم هذا الإثبات إلى حد
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 218)
التشبيه والتجسيم، بل سلكوا طريقاً وسطاً بين التعطيل والتشبيه والتجسيم، وهو طريق السلامة كما ترى، وكما سيتضح عندما نأخذ في التفصيل إن شاء الله.
وسر المسألة أن معرفة حقيقة الصفة وكيفيتها تابعة لمعرفة حقيقة الموصوف وكيفيته، فإذا كان إيمان العباد بالله إيمان إثبات وتسليم دون محاولة لمعرفة حقيقة ذاته سبحانه فيلزم أن يكون إيمانهم بصفاته كذلك إيمان إثبات وتسليم لله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يسلم إيمان المرء إلا بهذا التسليم وحده، ذلك لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحذو حذوه، ولا فرق عندهم بين هذه الصفات الخبرية التي نتحدث عنها وبين الصفات الأخرى من صفات المعاني والمعنوية والسلبية التي تقدمت، وتقدم الحديث عنها في غير موضع من الرسالة إذ كلها تبقى على ظاهرها، الظاهر الذي يليق بالله تعالى، ولا يفهم من النصوص إلا ذلك الظاهر اللائق، بل لا يجوز أن يعتقد أن النصوص قد تدل بظاهرها على مالا يليق بالله، لما في ذلك من إساءة أدب، بل إساءة ظن بالله الذي أنزل تلك النصوص، وأوحى بها إلى رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام. وهل يجوز أن يعتقد أن الله ينزل آيات، ويوحي إلى نبيه بأحاديث ظاهرها ضلال أو كفر؟ ثم إن الرسول نفسه عليه الصلاة والسلام لا يبين المعاني الصحيحة الحقة لأصحابه؟! فلازم ذلك أن الصحابة لم يفهموا هذه النصوص على حقيقتها، فكيف يفهمون لأن الرسول لم يبين لهم تلك الحقيقة التي فهمها الخلف فيما بعد، وليت شعري من أين فهموها؟!!
وقصارى القول: أن صفة الاستواء وما ذُكر بعدها في الصفحة السابقة من الصفات تبقى على ظاهرها كما يليق بالله تعالى، هذا هو موقف السلف بالاختصار.
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 219)
ثانياً: موقف الخلف في الجملة:
أما الخلف: فمرادنا بهم علماء الكلام على اختلاف مناهجهم ومشاربهم، فإنهم قد تكلفوا جميعاً، فخاضوا - وهم في غنى عن الخوض، لو وُفقوا- وقد ذهبوا في تكلفهم ذلك مذاهب مختلفة ومتعددة، منهم من يؤول صفات الأفعال، وبعض الصفات الخبرية، وهم الأشاعرة مع إثباتهم كثيراً من الصفات الذاتية، كما سيأتي تفصيل ذلك، ومنهم من ينفي هذه الصفات نفياً دون اكتراث، أو التفات إلى النصوص الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة التي نطقت بهذه الصفات بأساليب متنوعة بدعوى أنها أدلة لفظية لا تفيد العلم واليقين، وهي مع ذلك مخالفة للدليل العقلي القطعي الذي يدل على أن إثبات هذه الصفات يؤدي إلى أحد مستحيلين:
1- إما تعدد القدماء إن قلنا: إن هذه الصفات قديمة قدم الذات، لأن ذلك يتنافى مع التوحيد، هكذا زعموا لأن حقيقة التوحيد عندهم نفي الصفات وإثبات ذات مجردة ذهنية، لا وجود لها في الخارج.
2- أو حلول الحوادث بذاته تعالى، إن قلنا: إنها حادثة، وذلك محال على الله، لأنه يؤدي إلى القول بأن الله محل للحوادث. وما أدّى إلى المحال فهو محال. فإثابتها إذاً محال. هكذا زعموا.!!
هذا موقف الجهمية والمعتزلة، وبهذه الثرثرة التي زعموها أدلة قطعية نفوا جميع صفات الكمال - وصفات الله كلها كمال- ولم يثبتوا له أي صفة حتى أصبح وجود الله عندهم، وفي زعمهم وجوداً ذهنياً، إذ لا يتصور في الخارج موجود مجرد عن الصفات. وإنما يفرضه الذهن فرضاً كما يفرض أو يتخيل أي محال.
وهذه النتيجة الحتمية التي لا بد منها لكل من أعرض عن كتاب الله، وهدي نبيه واتبع هواه.
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 220)
مناقشة الأشاعرة بالأدلة العقلية:
ومن وصل إلى هذا المستوى من الإعراض، قلّما تجدي معه المناقشة، فلنترك المعتزلة إذاً لنعود لمناقشة الأشاعرة لقربهم من الصواب نوعاً ما، وعلى الرغم مما نقوله، ويقوله غيرنا من أن الأشاعرة يعدون من المثبتة، أو من الصفاتية، لإثباتهم كثيراً من الصفات الذاتية التي يسمونها - في اصطلاحهم- صفات المعاني وغيرها. على الرغم من هذا النوع من الإثبات، فإنهم وافقوا المعتزلة في تأويل الصفات الخبرية1، ذاتية أو فعلية فبذلك وقعوا في تناقض لم يقع فيه أحد لا من المثبتة ولا من النفاة، لأنهم فرقوا بين ما جمع الله في كتابه، أو فيما أوحاه إلى رسوله عليه الصلاة والسلام، فتراهم يثبتون السمع والبصر مثلاً، ولا يخطر ببالهم شيء من لوازم سمع وبصر المخلوقين، بل يزعمون أنهم يثبتون هذه الصفات على ما يليق بالله، فما هو المانع العقلي إذاً من إثبات الوجه، واليدين، وغيرهما مما أوجبوا التأويل فيه من الصفات على ما يليق بالله؟!! فما المانع أن نثبت لله وجهاً يليق به، واستواء يليق به دون التفات إلى لوازم وجه المخلوق، ومجيء المخلوق، واستوائه؟!! وما الذي يمنعهم أن يثبتوا جميع الصفات الثابتة بالأدلة النقلية دون أن يفرقوا بينها؟!! في ضوء قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، والآية جمعت بين التنزيه والإثبات كما ترى ومعها آيات أخرى كثيرة في هذا المعنى، هل لعدم الثقة في كلام الله، وكلام رسوله مع الثقة الكاملة فيما يقوله الشيوخ؟!! فادعوا وجوب تأويل قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، وقوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}
__________
1 تأويلاً يفضي إلى نفي الصفة بحيث لا يثبت إلا لازم الصفة - كقولهم: المراد بالرحمة الإنعام مثلاً، والإنعام ليس هو الصفة، وإنما هو لازم الصفة، وهكذا في جميع الصفات الخبرية والفعلية.
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 221)
وقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} ، وغيرها من نصوص الصفات مع عدم وجوب تأويل قوله تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، وغيرها من النصوص التي بينت نوعاً خاصاً من الصفات، وهي صفات المعاني والصفات المعنوية على الاصطلاح الخاص بهم، وكذلك الصفات السلبية على تفسيرهم.
إن هذه الدعوى، وهذا التصرف الأشعري أو الكلابيّ على الأصح - إنما هو تصرف يستند إلى مجرد التقليد، لا يستند إلى دليل نقلي، أو عقلي مقبول لدى غيرهم من العقلاء، بل الذي ثبت بالتجربة والدراسة أن اللاحق منهم يرث هذا المنهج من السابق. فما وجده في كتاب من سبقه، أو سمعه من شيوخه هو المذهب الصحيح وهو الدّين وهو العقيدة دون تفكير في الدليل، ومن جهة أخرى، إن ما نفاه الشيوخ هو المنفي، ولو دلت عليه آية صريحة أو سنة صحيحة.
والشيخ لا يسئل ولا يناقش فيما أثبته أو نفاه، بدعوى أن المناقشة غير جائزة في مثل هذه الموضوعات، والأسلوب التقليدي المتبع هو (هكذا نقلنا عن مشايخنا، وهم أعلم منا) !!
وبعد، فإن الأسلوب الذي أشرنا إليه هو الأسلوب الذي كان متبعاً، وملتزماً لدى مشايخنا الذين درسنا عليهم العقيدة الأشعرية، وإنما نوّهت به، أو رويته لأثبت بالعيان، لا بالإخبار، أن العقيدة الأشعرية كثيراً ما تعتمد على التقليد1 الوراثي كما أسلفنا، وهذا هو سر تناقضهم بالتفريق بين الصفات كما تقدمت الإشارة إلى الأمثلة، والذي يقتضيه المنطق السليم إما أن يثبتوا جميع الصفات الثابتة بالكتاب والسنة، دون تفريق بين صفة وصفة، وهو المنهج السلفي الذي عليه علماء الحديث والسنة قديماً وحديثاً، وهو الذي يساير العقل والنقل كما علمنا مما
__________
1 زد على ذلك تأثر متأخري الأشاعرة بفكر المعتزلة، وآراء الفلاسفة كما يلاحظ ذلك لدى الرازي والآمدي وأمثالهما ممن وقعوا في التفريق بين الصفات دون مبرر.
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 222)
تقدم، وفيه السلامة والعافية من القول على الله بغير علم، وهو موقف خطير جداً كما لا يخفى.
وإما أن ينفوا جميع الصفات دون تفريق بين الذاتية والفعلية فيقفوا مع المعتزلة صفاً واحداً، ليتجه المصلحون السلفيون اتجاهاً واحداً ويواجهوا جبهة واحدة تنفي جميع الصفات ولا تؤمن إلا بالوجود الذهني هذا هو المفترض، ولكن الواقع خلاف هذا المفترض كما رأيت.
خلاصة مواقفهم من معاني تلك النصوص:
1- هناك خلف يتناقض، فيثبت بعض الصفات مع اعتقاد وجوب تأويل بعض الصفات، والخروج بها ن ظاهرها، مع وجوب اعتقاد أن ظواهر تلك النصوص غير مرادة، فالتفويض محتم إذاً، ومعناه الإعراض عن تدبر النصوص، وفهم معانيها.
وكل نص أوهم التشبيها ... أوّله أو فوّض ورم تنزيها
هكذا زعموا! {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ} 1؟!!
2- هناك خلف ذهب بعيداً عن النصوص، ولم يلتفتوا إلى الأدلة النقلية، فلم يثبتوا لله شيئاً من الصفات، لا الذاتية ولا الفعلية، بل وصفوا الله بسلوب كثيرة نقل كثيراً منها الإمام أبو الحسن الأشعري الذي عاش بينهم أربعين عاماً، ثم تاب الله عليه فتاب في آخر حياته، فنقل كثيراً من السلوب التي استخدمته الجهمية وهم غلاة المعتزلة التي تدل على أن القوم ليس لديهم مسكة من تقدير الله وتعظيمه تعالى، إذ يصرحون بعدم صلاحية النصوص في هذا الباب، فيعمدون إلى الإجمال في الإثبات،
__________
1 سورة البقرة آية: 140.
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 226)
وأما هذه الآيات السبع فتنص على أن الله تعالى استوى على عرشه بعد أن خلق السموات والأرض استواء يليق به، ولا نعلم منه إلا المعنى العام المفهوم من الوضع، إذاً هنا صفتان:
1- صفة استواء على العرش: وهي صفة فعلية خبرية كما دلت عليه الآيات السابقة.
2- صفة العلو: وهي صفة ذاتية لازمة للذات بمعنى أنه تعالى لم يزل في علوه، وهي في الوقت نفسه عقلية وسمعية أي فهي ثابتة بالعقل والفطرة، والسمع، بل السمع جاء مؤكداً بما آمن به العباد بفطرهم، وبعقولهم من أن الله يدعى من فوق، وترفع إليه أكف الضراعة، وقلوب العباد مشدودة إلى فوق، ولو في حال وضعهم جباههم على الأرض ساجدين لربهم الأعلى الذي يراهم من فوقهم، ويجيب دعوتهم، وهم
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 227)
ساجدون له سبحانه. وهذا الاعتقاد ضروري لا يستطيع أي إنسان دفعه عن نفسه، ومن الحِكَم اللطيفة أن شرع الله لعباده أن يقولوا في سجودهم: "سبحان ربي الأعلى" شرع لهم ذلك على لسان نبيه، وفي هدي رسوله إشارة إلى علوه الدائم، حتى لا يفهم من سجود العبد على الأرض أن معبوده في أسفل منه - حاشاه - بل كلما يزداد العبد خضوعاً وتذللاً، لمعبوده العلي العظيم ازداد منه قرباً معنوياً ومعية خاصة، تخص خواص عباده المؤمنين، وفي هذا يقول رسول الهدى، ونبي الرحمة محمد عليه الصلاة والسلام: "أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد فأكثروا الدعاء" 1.
ومن الآيات التي تدل على علو الله على خلقه، علاوة على الآيات السبع التي ذكرناها والتي تنص على استواء الله على عرشه كما يليق به، قوله تعالى:
{يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} 2، وقد جاءت الفوقية في هذه الآية مقرونة بحرف (من) وهي مُعَيِّنة للفوقية (بالذات) 3، وهو معنى معروف عند أهل اللغة، بخلاف قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} 4، وهي محتملة كما لا يخفى.
الصفات الخبرية-الذاتية-الفعلية