بسم الله الرحمن الرحیم

خطبة بصفین-حق الوالي-حق الرعیة-إنما العصمة للمعصوم من الله سبحانه

فهرست مباحث حدیث
فهرست شناسنامه حدیث


الكافي (ط - الإسلامية) ؛ ج‏8 ؛ ص352
خطبة لأمير المؤمنين ع‏
550- علي بن الحسن المؤدب عن أحمد بن محمد بن خالد و أحمد بن محمد «2» عن علي بن الحسن التيمي جميعا عن إسماعيل بن مهران قال حدثني عبد الله بن الحارث عن جابر عن أبي جعفر ع قال: خطب أمير المؤمنين ع الناس بصفين فحمد الله و أثنى عليه و صلى على محمد النبي ص ثم قال أما بعد فقد جعل الله تعالى لي عليكم حقا بولاية أمركم‏ «3» و منزلتي التي أنزلني الله عز ذكره بها منكم و لكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم و الحق أجمل الأشياء في التواصف و أوسعها في التناصف‏ «4» لا يجري لأحد إلا جرى عليه و لا يجري عليه إلا
______________________________
(1) هذا بيان لخطأ المنجمين فان كل منجم يحكم لمن يريد ظفره بالظفر و يزعم أن السعد الذي رآه يتعلق به و هذا لعدم احاطتهم بارتباط النجوم بالاشخاص. (آت)
(2) أحمد بن محمد عطف على علي بن الحسن و هو العاصمي و التيمى هو ابن فضال و قل من تفطن لذلك. (آت) و في بعض النسخ [أحمد بن محمد بن أحمد] و في بعضها [على بن الحسين المؤدب‏].
(3) الذي له عليهم من الحق هو وجوب طاعته و امحاض نصيحته و الذي لهم عليه من الحق هو وجوب معدلته فيهم. (فى)
(4) التواصف أن يصف بعضهم لبعض و التناصف أن ينصف بعضهم بعضا و انما كان الحق أجمل الأشياء في التواصف لانه يوصف بالحسن و الوجوب و كل جميل و انما كان أوسعها في التناصف لان الناس لو تناصفوا في الحقوق لما ضاق عليهم امر من الأمور و في النهج «و الحق أوسع الأشياء في التواصف و اضيقها في التناصف» و هو أوضع و معناه أن الناس كلهم يصفون الحق و لكن لا ينصف بعضهم بعضا (فى). و في بعض النسخ [التراصف‏] موضع التواصف.

الكافي (ط - الإسلامية)، ج‏8، ص: 353
جرى له و لو كان لأحد أن يجري ذلك له و لا يجري عليه لكان ذلك لله عز و جل خالصا دون خلقه لقدرته على عباده و لعدله في كل ما جرت عليه ضروب قضائه‏ «1» و لكن جعل حقه على العباد أن يطيعوه و جعل كفارتهم‏ «2» عليه بحسن الثواب تفضلا منه و تطولا بكرمه و توسعا بما هو من المزيد له أهلا ثم جعل من حقوقه حقوقا فرضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافى‏ «3» في وجوهها و يوجب بعضها بعضا و لا يستوجب بعضها إلا ببعض‏ «4» فأعظم مما افترض الله تبارك و تعالى من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية و حق الرعية على الوالي فريضة فرضها الله عز و جل لكل على كل فجعلها نظام ألفتهم و عزا لدينهم‏ «5» و قواما لسنن الحق فيهم فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة و لا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه و أدى إليها الوالي كذلك عز الحق بينهم فقامت مناهج الدين و اعتدلت معالم العدل و جرت على أذلالها السنن‏ «6» فصلح بذلك الزمان و طاب به العيش و طمع في بقاء الدولة و يئست مطامع الأعداء و إذا غلبت الرعية واليهم و علا الوالي الرعية اختلفت هنالك الكلمة و ظهرت‏
______________________________
(1) أي أنواعه المتغيرة المتوالية و في بعض النسخ [صروف قضائه‏].
(2) انما سمى جزاؤه تعالى على الطاعة كفارة لانه يكفر ما يزعمونه من أن طاعتهم له تعالى حق لهم عليه يستوجبون به الثواب مع أنه ليس كذلك لان الحق له عليهم حيث أقدرهم على الطاعة و الهمم إياها و لهذا سماه التفضل و التطول و التوسع بالانعام الذي هو للمزيد منه أهل لانه الكريم الذي لا تنفد خزائنه بالاعطاء و الجود تعالى مجده و تقدس و في نهج البلاغة «و جعل جزاءهم عليه» و على هذا فلا يحتاج إلى التكليف. (فى)
(3) أي جعل كل وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله، فحق الوالى- و هو الطاعة من الرعية- مقابل بمثله و هو العدل فيهم و حسن السيرة. (آت)
(4) كما أن الوالى إذا لم يعدل لم يستحق الطاعة. (آت)
(5) فانها سبب اجتماعهم به و يقهرون اعدائهم و يعز دينهم. و قوله: «قواما» أي به يقوم جريان الحق فيهم و بينهم. (آت)
(6) في القاموس: ذل الطريق- بالكسر-: محجته. و أمور الله جارية أذلالها و على أذلالها أى مجاريها جمع ذل- بالكسر-.

الكافي (ط - الإسلامية)، ج‏8، ص: 354
مطامع الجور و كثر الإدغال في الدين و تركت معالم السنن‏ «1» فعمل بالهوى و عطلت الآثار و كثرت علل النفوس‏ «2» و لا يستوحش لجسيم حد عطل و لا لعظيم باطل أثل فهنالك تذل الأبرار و تعز الأشرار و تخرب البلاد «3» و تعظم تبعات الله عز و جل عند العباد فهلم أيها الناس إلى التعاون على طاعة الله عز و جل و القيام بعدله و الوفاء بعهده و الإنصاف له في جميع حقه فإنه ليس العباد إلى شي‏ء أحوج منهم إلى التناصح في ذلك و حسن التعاون عليه و ليس أحد و إن اشتد على رضا الله حرصه و طال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما أعطى الله من الحق أهله و لكن من واجب حقوق الله عز و جل على العباد النصيحة له بمبلغ جهدهم و التعاون على إقامة الحق فيهم ثم ليس امرؤ و إن عظمت في الحق منزلته و جسمت في الحق فضيلته بمستغن عن أن يعان على ما حمله الله عز و جل من حقه و لا لامرئ مع ذلك خسأت به الأمور و اقتحمته العيون‏ «4» بدون ما أن يعين على ذلك و يعان عليه و أهل الفضيلة في الحال و أهل النعم العظام أكثر في ذلك حاجة و كل في الحاجة إلى الله عز و جل شرع سواء «5»
______________________________
(1) الادغال: بكسر الهمزة- و هو أن يدخل في الشى ما ليس منه و هو الابداع و التلبيس أو- بفتحها- جمع الدغل- بالتحريك-: الفساد. (آت)
(2) قال البحراني: علل النفوس أمراضها بملكات السوء كالغل و الحسد و العدوات و نحوها و قيل: عللها وجوه ارتكابها للمنكرات فتأتى في كل منكر بوجه و رأى فاسد.
(3) التأثيل: التأصيل و مجد مؤثل أي مجموع ذو أصل و في النهج «فعل» مكان أثل. و التبعة ما يتبع أعمال العباد من العقاب و سوء العاقبة.
(4) «و لا لامرئ» يعنى مع عدم الاستغناء عن الاستعانة و قوله: «خسئت به الأمور» يقال:
خسئت و الكلب خسأ طردته و خسأ الكلب بنفسه يتعدى و لا يتعدى. و قد تعدى بالباء أي طردته الأمور أو يكون الباء للسببية أي بعدت بسببه الأمور. (آت) و في بعض النسخ [حست‏] بالمهملتين أي اختبرته. و اقتحمه: احتقره. و في النهج «و لا امرؤ و إن صغرته النفوس و اقتحمته العيون». و قوله:
«بدون ما أن يعين» أي بأقل من أن يستعان به و يعان و الحاصل أن الشريف و الوضيع جميعا محتاجون في أداء الحقوق إلى إعانة بعضهم بعضا و استعانة بعضهم ببعض و كل من كانت النعمة عليه أعظم فاحتياجه في ذلك أكثر لان الحقوق عليه أوفر لازدياد الحقوق بحسب ازدياد النعم (فى)
(5) «سواء» بيان لقوله: «شرع» و تأكيد و انما ذكره عليه السلام ذلك لئلا يتوهم أنهم يستغنون باعانة بعضهم بعضا عن ربهم تعالى بل هو الموفق و المعين لهم في جميع أمورهم و لا يستغنون بشي‏ء عن الله تعالى و إنما كلفهم بذلك ليختبر طاعتهم و يثيبهم على ذلك و اقتضت حكمته البالغة أن يجرى الأشياء بأسبابها و هو المسبب لها و القادر على إمضاءها بلا سبب. (آت)

الكافي (ط - الإسلامية)، ج‏8، ص: 355
فأجابه رجل من عسكره لا يدرى من هو و يقال إنه لم ير في عسكره قبل ذلك اليوم و لا بعده فقام و أحسن الثناء على الله عز و جل بما أبلاهم و أعطاهم من واجب حقه عليهم و الإقرار «1» بكل ما ذكر من تصرف الحالات به و بهم ثم قال أنت أميرنا و نحن رعيتك بك أخرجنا الله عز و جل من الذل و بإعزازك أطلق عباده من الغل‏ «2» فاختر علينا و أمض اختيارك و ائتمر فأمض ائتمارك‏ «3» فإنك القائل المصدق و الحاكم الموفق و الملك المخول‏ «4» لا نستحل في شي‏ء معصيتك و لا نقيس علما بعلمك يعظم عندنا في ذلك‏ «5» خطرك و يجل عنه في أنفسنا فضلك فأجابه أمير المؤمنين ع فقال إن من حق من عظم جلال الله في نفسه و جل موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه و إن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه و لطف إحسانه إليه فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا زاد حق الله عليه عظما و إن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس‏ «6» أن يظن بهم حب الفخر و يوضع أمرهم على الكبر و قد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء «7» و استماع الثناء-
______________________________
(1) «أبلاهم»: أنعمهم. «من واجب حقه» يعنى من حق أمير المؤمنين عليه السلام. (فى)
(2) اشار به إلى قوله تعالى: «و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم» أى يخفف عنهم ما كانوا به من التكاليف الشاقة. (فى)
(3) من الايتمار بمعنى المشاورة.
(4) أي الملك الذي أعطاك الله للامرة علينا و جعلنا خدمك و تبعك. (آت)
(5) أي في العلم بأن تكون كلمة «فى» تعليلية و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما دل عليه الكلام من اطاعته عليه السلام. و الخطر: القدر و المنزلة. (آت)
(6) السخف: رقة العيش و رقة العقل و السخافة رقة كل شي‏ء أي أضعف أحوال الولاة عند الرعية أن يكونوا متهمين عندهم بهذا الخصلة المذمومة. (آت)
(7) جال- بالجيم- من الجولان- بالواو-. و الاطراء: مجاوزة الحد في الثناء.

الكافي (ط - الإسلامية)، ج‏8، ص: 356
و لست بحمد الله كذلك و لو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه‏ «1» عن تناول ما هو أحق به من العظمة و الكبرياء و ربما استحلى الناس‏ «2» الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى الله و إليكم‏ «3» من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها و فرائض لا بد من إمضائها- فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة و لا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة «4» و لا تخالطوني بالمصانعة و لا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي و لا التماس إعظام لنفسي لما لا يصلح لي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه فلا تكفوا عني مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي بفوق ما أن أخطئ و لا آمن ذلك من فعلي‏ «5» إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني فإنما أنا و أنتم عبيد مملوكون‏
______________________________
(1) أي تواضعا له تعالى و في بعض النسخ القديمة [و لو كنت أحب أن يقال ذلك لتناهيت له أغنانا الله و إياكم عن تناول ما هو أحق به من التعاظم و حسن الثناء] و التناهى: قبول النهى و الضمير في «له» راجع إلى الله تعالى و في النهج كما في النسخ المشهورة. (آت)
(2) يقال: استحلاه اي وجده حلوا قال ابن ميثم رحمه الله: هذا يجرى مجرى تمهيد العذر لمن أثنى عليه، فكأنه يقول: و أنت معذور في ذلك حيث رأيتني اجاهد في الله و أحث الناس على ذلك و من عادة الناس أن يستهل الثناء عند أن يبلو بلاء حسنا في جهاد أو غيره من سائر الطاعات ثم أجاب ان هذا العذر في نفسه بقوله: «و لا تثنوا على بجميل ثناء» أي لا تثنوا على لاجل ما ترونه منى من طاعة الله فان ذلك إنما هو اخراج لنفسى إلى الله من حقوقه الباقية على لم افرغ بعد من ادائها و هي حقوق نعمه و فرائضه التي لا بد من المضى فيها و كذلك إليكم من الحقوق التي اوجبها الله على من النصيحة في الدين و الإرشاد إلى الطريق الافضل و التعليم لكيفية سلوكه.
(3) أي لاعترافى بين يدي الله و بمحضر منكم، ان على حقوقا في ايالتكم و رياستى عليكم لم اقم بها بعد و ارجو من الله القيام بها و في بعض النسخ [من التقية] يعنى من ان يتقونى في مطالبة حقوق لكم لم افرغ من ادائها و على هذا يكون المراد بمستحلى الثناء الذين يثنيهم الناس اتقاء شرهم و خوفا من بأسهم. (فى)
(4) اهل البادرة الملوك و السلاطين. و البادرة: الحدة و الكلام الذي يسبق من الإنسان في الغضب اي لا تثنوا على كما يثنى على أهل الحدة من الملوك خوفا من سطوتهم أو لا تحتشموا منى كما يحتشم من السلاطين و الامراء كترك المسارة و الحديث إجلالا و خوفا منهم و ترك مشاورتهم أو إعلامهم ببعض الأمور و القيام بين أيديهم. (آت) و المصانعة: الرشوة و المداراة.
(5) هذا من قبيل هضم النفس، ليس بنفى العصمة مع أن الاستثناء يكفينا مئونة ذلك. (فى) و قال المجلسي- رحمه الله-: هذا من الانقطاع إلى الله و التواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحق و عد نفسه من المقصرين في مقام العبودية و الإقرار بأن عصمته من نعمه تعالى عليه.

الكافي (ط - الإسلامية)، ج‏8، ص: 357
لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا و أخرجنا مما كنا فيه‏ «1» إلى ما صلحنا عليه فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى و أعطانا البصيرة بعد العمى فأجابه الرجل الذي أجابه من قبل فقال أنت أهل ما قلت و الله و الله فوق ما قلته فبلاؤه عندنا ما لا يكفر «2» و قد حملك الله تبارك و تعالى رعايتنا و ولاك سياسة أمورنا فأصبحت علمنا الذي نهتدي به و إمامنا الذي نقتدي به و أمرك كله رشد و قولك كله أدب قد قرت بك في الحياة أعيننا و امتلأت من سرور بك قلوبنا و تحيرت من صفة ما فيك من بارع الفضل‏ «3» عقولنا و لسنا نقول لك أيها الإمام الصالح تزكية لك و لا نجاوز القصد في الثناء عليك و لم يكن‏ «4» في أنفسنا طعن على يقينك أو غش في دينك فنتخوف أن تكون أحدثت بنعمة الله تبارك و تعالى تجبرا أو دخلك كبر و لكنا نقول لك ما قلنا تقربا إلى الله عز و جل بتوقيرك و توسعا بتفضيلك و شكرا بإعظام أمرك فانظر لنفسك و لنا و آثر أمر الله على نفسك و علينا فنحن طوع فيما أمرتنا ننقاد من الأمور مع ذلك فيما ينفعنا فأجابه أمير المؤمنين ع فقال و أنا أستشهدكم عند الله على نفسي لعلمكم فيما وليت به من أموركم و عما قليل يجمعني و إياكم الموقف بين يديه و السؤال عما كنا فيه ثم يشهد بعضنا
______________________________
(1) أي من الجهالة و عدم العلم و المعرفة و الكمالات التي يسرها الله تعالى لنا ببعثة الرسول صلى الله عليه و آله قال ابن أبي الحديد: ليس هذا إشارة إلى خاص نفسه عليه السلام لانه لم يكن كافرا فأسلم و لكنه كلام يقوله و يشير به إلى القوم الذين يخاطبهم في أفناء الناس فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعا. (آت)
(2) أي نعمته عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرها و سترها أو لا يجوز كفرانها و ترك شكرها. (آت)
(3) برع في الشي‏ء فاق أقرانه فيه.
(4) قال المجلسي- رحمه الله-: «لم يكن» على بناء المجهول من كننت الشي‏ء: سترته. أو- بفتح الياء و كسر الكاف- من و كنت الطائر بيضه يكنه إذا حضنه و في بعض النسخ [لم يكن‏] و في النسخة القديمة [لن يكون‏].

الكافي (ط - الإسلامية)، ج‏8، ص: 358
على بعض فلا تشهدوا اليوم بخلاف ما أنتم شاهدون غدا فإن الله عز و جل لا يخفى عليه خافية و لا يجوز عنده إلا مناصحة الصدور في جميع الأمور فأجابه الرجل و يقال لم ير الرجل بعد كلامه هذا لأمير المؤمنين ع فأجابه و قد عال الذي‏ «1» في صدره فقال و البكاء يقطع منطقه و غصص الشجا تكسر صوته إعظاما لخطر مرزئته و وحشة من كون فجيعته‏ «2» فحمد الله و أثنى عليه ثم شكا إليه هول ما أشفى عليه‏ «3» من الخطر العظيم و الذل الطويل في فساد زمانه و انقلاب جده‏ «4» و انقطاع ما كان من دولته ثم نصب المسألة إلى الله عز و جل بالامتنان عليه و المدافعة عنه بالتفجع و حسن الثناء فقال يا رباني العباد و 1 يا سكن البلاد «5» أين يقع قولنا من فضلك و أين يبلغ وصفنا من فعلك و أنى نبلغ حقيقة حسن ثنائك أو نحصي جميل بلائك فكيف و بك جرت نعم الله علينا و على يدك اتصلت أسباب الخير إلينا أ لم تكن لذل الذليل ملاذا و للعصاة الكفار إخوانا «6» فبمن إلا بأهل بيتك و بك أخرجنا الله عز و جل من فظاعة تلك الخطرات أو بمن فرج عنا غمرات الكربات‏ «7» و بمن إلا بكم أظهر الله معالم ديننا و استصلح ما كان فسد من دنيانا حتى استبان بعد الجور ذكرنا «8» و قرت من رخاء العيش أعيننا لما
______________________________
(1) عال بالمهملة اشتد و تفاقم و غلبه و ثقل عليه و أهمه. (فى)
(2) الغصة- بالضم-: ما اعترض في الحلق و كذا الشجا. و المرزئة: المصيبة و كذا الفجيعة و الضميران راجعان الى أمير المؤمنين عليه السلام.
(3) أي أشرف عليه و الضمير في قوله: «إليه» راجع إلى الله تعالى.
(4) الجد: البحت و التفجع و التضرع.
(5) السكن- بالتحريك-: كل ما يسكن إليه و في بعض النسخ [يا ساكن البلاد].
(6) أي كنت تعاشر من يعصيك و يكفر نعمتك معاشرة الاخوان شفقة منك عليهم أو المراد الشفقة على الكفار و العصاة و الاهتمام في هدايتهم و يحتمل أن يكون المراد المنافقين الذين كانوا في عسكره و كان يلزمه رعايتهم بظاهر الشرع. (آت)
(7) الفظاعة: الشناعة. و فظاعة تلك الخطرات: شناعتها و شدتها و الغمرات الشدائد و المزدحمات.
(8) قال الجوهري: نعوذ بالله من الحور بعد الكور اي من النقصان بعد الزيادة. و في بعض النسخ [بعد الجور] بالمعجمة.

الكافي (ط - الإسلامية)، ج‏8، ص: 359
وليتنا بالإحسان جهدك و وفيت لنا بجميع وعدك و قمت لنا على جميع عهدك فكنت شاهد من غاب منا و خلف أهل البيت لنا و كنت عز ضعفائنا و ثمال فقرائنا «1» و عماد عظمائنا يجمعنا في الأمور عدلك و يتسع لنا في الحق تأنيك‏ «2» فكنت لنا أنسا إذا رأيناك و سكنا إذا ذكرناك فأي الخيرات لم تفعل و أي الصالحات لم تعمل و لو لا أن الأمر الذي نخاف عليك منه يبلغ تحويله جهدنا «3» و تقوى لمدافعته طاقتنا أو يجوز الفداء عنك منه بأنفسنا و بمن نفديه بالنفوس من أبنائنا لقدمنا أنفسنا و أبناءنا قبلك و لأخطرناها «4» و قل خطرها دونك و لقمنا بجهدنا في محاولة من حاولك و في مدافعة من ناواك‏ «5» و لكنه سلطان لا يحاول و عز لا يزاول‏ «6» و رب لا يغالب فإن يمنن علينا بعافيتك و يترحم علينا ببقائك و يتحنن علينا بتفريج‏ «7» هذا من حالك إلى سلامة منك لنا و بقاء منك بين أظهرنا نحدث لله عز و جل بذلك شكرا نعظمه و ذكرا نديمه‏ «8» و نقسم أنصاف أموالنا صدقات و أنصاف رقيقنا عتقاء «9» و نحدث له تواضعا في أنفسنا و نخشع في جميع أمورنا و إن يمض بك إلى الجنان و يجري عليك حتم سبيله فغير متهم فيك قضاؤه و لا مدفوع عنك بلاؤه و لا مختلفة مع ذلك قلوبنا بأن اختياره‏
______________________________
(1) الثمال- بالكسر-: الملجأ و الغياث و قيل: هو المطعم في الشدة. (النهاية)
(2) أي صار مداراتك و تأنيك و عدم مبادرتك في الحكم علينا بما تستحقه سببا لوسعة الحق علينا و عدم تضيق الأمور بنا (آت)
(3) في بعض النسخ [تحريكه‏] أى تغييره و صرفه.
(4) أي جعلناها في معرض المخاطرة و الهلاك أو صيرناها خطرا و رهنا و عوضا لك قال الجزري:
فيه: الاهل مشمر للجنة فان الجنة لا خطر لها. أى لا عوض لها و لا مثل. و الخطر- بالتحريك- في الأصل: الرهن و ما يخاطر عليه و مثل الشي‏ء و عدله و لا يقال الا في الشي‏ء الذي له قدر و مزية. (آت)
(5) «حاولك» أي قصدك. و «ناواك» أي عاداك. و قوله: «و لكنه» أي الرب تعالى.
(6) أي ذو عز و غلبة. و زاوله أي حاوله و طالبه.
(7) في بعض النسخ [بتفريح‏].
(8) الضميران راجعان إلى الشكر و الذكر.
(9) الرقيق: المملوك.

الكافي (ط - الإسلامية)، ج‏8، ص: 360
لك ما عنده على ما كنت فيه و لكنا نبكي من غير إثم لعز هذا السلطان أن يعود ذليلا «1» و للدين و الدنيا أكيلا «2» فلا نرى لك خلفا نشكو إليه و لا نظيرا نأمله و لا نقيمه‏ «3».
خطبة لأمير المؤمنين ع‏
551- علي بن إبراهيم عن أبيه و محمد بن علي جميعا عن إسماعيل بن مهران و أحمد بن محمد بن أحمد عن علي بن الحسن التيمي و علي بن الحسين عن أحمد بن محمد بن خالد جميعا عن إسماعيل بن مهران عن المنذر بن جيفر عن الحكم بن ظهير عن عبد الله بن جرير «4» العبدي عن الأصبغ بن نباتة قال: أتى أمير المؤمنين ع عبد الله بن عمر و ولد أبي بكر و سعد بن أبي وقاص يطلبون منه التفضيل‏ «5» لهم فصعد المنبر و مال الناس إليه فقال الحمد لله ولي الحمد و منتهى الكرم لا تدركه الصفات و لا يحد باللغات و لا يعرف بالغايات و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا رسول الله ص نبي الهدى و موضع التقوى و رسول الرب الأعلى جاء بالحق من عند الحق لينذر بالقرآن المنير و البرهان المستنير فصدع‏ «6» بالكتاب المبين‏ «7» و مضى على ما مضت عليه الرسل الأولون أما بعد أيها الناس فلا يقولن رجال قد كانت الدنيا غمرتهم فاتخذوا العقار و فجروا الأنهار و ركبوا أفره الدواب‏ «8» و لبسوا ألين الثياب فصار ذلك عليهم عارا و شنارا «9»-
______________________________
(1) في أكثر النسخ [لعز هذا السلطان‏] فقوله «لعز» متعلق بالبكاء و «أن يعود» بدل اشتمال له اي نبكى لتبدل عز هذا السلطان ذلا. (آت) و في بعض النسخ [لعن الله هذا السلطان‏] اى هذه السلطنة التي لا تكون صاحبها.
(2) الاكيل يكون بمعنى المأكول و بمعنى الاكل و المراد هنا الثاني.
(3) كأن الرجل كان هو الخضر عليه السلام. (فى)
________________________________________
كلينى، محمد بن يعقوب بن اسحاق، الكافي (ط - الإسلامية)، 8جلد، دار الكتب الإسلامية - تهران، چاپ: چهارم، 1407 ق.

نهج البلاغة (للصبحي صالح) ؛ ؛ ص332
216 و من خطبة له ع خطبها بصفين‏
أما بعد فقد جعل الله سبحانه لي عليكم حقا بولاية أمركم و لكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم- [و الحق‏] فالحق أوسع الأشياء في‏
نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص: 333
التواصف و أضيقها في التناصف لا يجري لأحد إلا جرى عليه و لا يجري عليه إلا جرى له و لو كان لأحد أن يجري له و لا يجري عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده و لعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه و لكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه و توسعا بما هو من المزيد أهله‏
حق الوالي و حق الرعية
ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافأ في وجوهها و يوجب بعضها بعضا و لا يستوجب بعضها إلا ببعض. و أعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية و حق الرعية على الوالي فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل فجعلها نظاما لألفتهم و عزا لدينهم فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة و لا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه و أدى الوالي إليها حقها عز الحق بينهم و قامت مناهج الدين و اعتدلت معالم العدل و جرت على أذلالها السنن فصلح بذلك الزمان و طمع في بقاء الدولة و يئست مطامع الأعداء. 92 و إذا غلبت الرعية واليها أو أجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك‏
نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص: 334
الكلمة و ظهرت معالم الجور و كثر الإدغال في الدين و تركت محاج السنن فعمل بالهوى و عطلت الأحكام و كثرت علل النفوس فلا يستوحش لعظيم حق عطل و لا لعظيم باطل فعل فهنالك تذل الأبرار و تعز الأشرار و تعظم تبعات الله سبحانه عند العباد. فعليكم بالتناصح في ذلك و حسن التعاون عليه فليس أحد و إن اشتد على رضا الله حرصه و طال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما الله سبحانه أهله من الطاعة له و لكن من واجب حقوق الله [سبحانه‏] على عباده النصيحة بمبلغ جهدهم و التعاون على إقامة الحق بينهم و ليس امرؤ و إن عظمت في الحق منزلته و تقدمت في الدين فضيلته بفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه و لا امرؤ و إن صغرته النفوس و اقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه‏
[210]
فأجابه ع رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه و يذكر سمعه و طاعته له فقال ع إن من حق من عظم جلال الله سبحانه في نفسه و جل موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه و إن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه و لطف إحسانه إليه فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظما و إن من‏
نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص: 335
أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر و يوضع أمرهم على الكبر و قد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء و استماع الثناء و لست بحمد الله كذلك و لو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة و الكبرياء و ربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى الله سبحانه و إليكم من التقية [البقية] في حقوق لم أفرغ من أدائها و فرائض لا بد من إمضائها فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة و لا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة و لا تخالطوني بالمصانعة و لا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي و لا التماس إعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه- 102 فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ و لا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني فإنما أنا و أنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا و أخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى و أعطانا البصيرة بعد العمى‏

________________________________________
شريف الرضى، محمد بن حسين، نهج البلاغة (للصبحي صالح)، 1جلد، هجرت - قم، چاپ: اول، 1414 ق.

الوافي ؛ ج‏26 ؛ ص72
بيان‏
" الذي له عليهم من الحق" هو وجوب طاعته و إمحاض نصيحته" و الذي لهم عليه من الحق" هو وجوب معدلته فيهم" و التواصف" أن يصف بعضهم لبعض" و التناصف" أن ينصف بعضهم بعضا و إنما كان الحق أجمل الأشياء في التواصف لأنه يوصف بالحسن و الوجوب و كل جميل و إنما كان أوسعها في التناصف لأن الناس لو تناصفوا في الحقوق لما ضاق عليهم أمر من الأمور.
و في نهج البلاغة: و الحق أوسع الأشياء في التواصف و أضيقها في التناصف‏
و هو أوضح و معناه أن الناس كلهم يصفون الحق و لكن لا ينصف بعضهم بعضا و جعل كفارتهم إنما سمي جزاؤه تعالى على الطاعة كفارة لأنه يكفر ما يزعمونه من أن طاعتهم له تعالى حق لهم عليه يستوجبون به الثواب مع أنه ليس كذلك لأن الحق له عليهم حيث أقدرهم على الطاعة و ألهمهم إياها و لهذا سماه التفضل و التطول و التوسع بالإنعام الذي هو للمزيد منه أهل لأنه الكريم الذي لا ينفذ خزائنه بالإعطاء و الجود تعالى مجده و تقدس.
الوافي، ج‏26، ص: 73
و في نهج البلاغة: و جعل جزاءهم عليه،
و على هذا فلا يحتاج إلى التكليف" تتكافى في وجوهها" أي تتساوى" و جرت على أدلالها السنن" بفتح الهمزة و المهملة كذا في نسخ الكافي و الصحيح المعجمة كما في نهج البلاغة أي على مجاريها و طرقها و الإدغال في الدين الإفساد فيه و علل النفوس تعللها بالباطل و المستتر في لا تستوحش راجع إلى النفوس" و التأثيل" التأصيل، و في نهج البلاغة فعل مكان أثل و التبعة ما يتبع أعمال العباد من العقاب و سوء العاقبة و لا لامرئ مع ذلك يعني مع عدم الاستغناء عن الاستعانة حست به الأمور بالمهملتين اختبرته.
و في بعض النسخ خسأت و كأنه بإعجام الخاء بمعنى الطرد و الإبعاد ليناسب قوله اقتحمته العيون أي احتقرته و ازدردته.
و في نهج البلاغة و لا امرؤ و إن صغرته النفوس و اقتحمته العيون‏
و هو أوضح بدون ما أن يعين أي بأقل من أن يستعان به و يعان و الحاصل أن الشريف و الوضيع جميعا محتاجون في أداء الحقوق إلى إعانة بعضهم بعضا و استعانة بعضهم ببعض و كل من كانت النقمة عليه أعظم فاحتياجه في ذلك أكثر لأن الحقوق عليه أوفر لازدياد الحقوق بحسب ازدياد النعم سواء بيان لشرع أبلاهم" أنعمهم من واجب حقه" يعني حق أمير المؤمنين عليه السلام من الغل أشار به إلى قوله سبحانه‏ و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم‏ «1» أي يخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة" و ائتمر" من الائتمار بمعنى المشاورة" و المخول" المنعم عليه من استخف كذا وجد في نسخ الكافي و الصواب من بكسر الميم و أسخف بدون التاء كما في نهج البلاغة" جال" بالجيم من الجولان بالواو و الجألان بالهمز محركة و الإطراء المبالغة في المدح" و ربما أستحلي الناس وجدوه حلوا" معناه أن بعض من يكره الإطراء قد يحب ذلك‏
______________________________
(1). الأعراف/ 157.
الوافي، ج‏26، ص: 74
بعد البلاء و الاختبار و لو فرضنا أن ذلك سائغ و جائز و غير قبيح لم يجز لكم أن تثنوا علي في وجهي و لا جاز لي أن أسمعه منكم لأنه قد بقيت على بقية من الحقوق و الفرائض لم أفرغ من أدائها و إمضائها بعد و لا بدلي من أدائها و إمضائها و إذا لم يتم البلاء الذي فرضنا أن الثناء يحسن بعده لم يحسن الثناء" لإخراجي نفسي" أي لاعترافي بين يدي الله و بمحضر منكم أن علي حقوقا في إيالتكم و رئاستي عليكم لم أقم بها بعد و أرجو من الله القيام بها.
و في بعض النسخ من التقية بالتاء المثناة الفوقانية يعني من أن تتقوني في مطالبة حقوق لكم لم أفرغ من أدائها و على هذا يكون المراد بمستحلي الثناء الذين يثنيهم الناس اتقاء شرهم و خوفا من بأسهم و أهل البادرة الملوك و السلاطين و البادرة الحدة، يقال أخشى بادرته و بدرت منه بوادر يعني غضب، و المصانعة المداهنة يعني لا تداهنوا في بالمدح و الإطراء عن عمل الحق كما يداهن به كثير من الولاة الذين يستفزهم المدح و يستخفهم الإطراء و الثناء فيغمضون عن اعتماد كثير من الحق مكافأة لما صونعوا به من التزكية و النفاق قوله" لست في نفسي بفوق ما أن أخطئ من قبيل هضم النفس ليس بنفي العصمة مع أن الاستثناء يكفينا مئونة ذلك، و قوله فأبدلنا بعد الضلالة من قبيل إلحاق نفسه بالقوم توسعا إذ لم يكن عليه السلام ضالا قط حاشاه ما لا يكفر من الكفران و البارع الفائق، و قد عال الذي في صدره بالمهملة اشتد و تفاقم و غلبه و ثقل عليه و أهمه و الشجا ما اعترض في الحلق من عظم و نحوه و المرزئة بتقديم المهملة المصيبة و كذا الفجيعة و أشفى بالفاء أشرف و الفظاعة الشناعة، و الغمرات الشدائد و المزدحمات و الثمال بالكسر الملجإ و الغياث و قيل هو المطعم في الشدة و حاوله محاولة رامه" و ناواه" عاداه و كان الرجل كأن هو الخضر.

________________________________________
فيض كاشانى، محمد محسن بن شاه مرتضى، الوافي، 26جلد، كتابخانه امام أمير المؤمنين على عليه السلام - اصفهان، چاپ: اول، 1406 ق.

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ؛ ج‏26 ؛ ص527
قوله عليه السلام:" و لا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة" البادرة: الحدة و الكلام الذي يسبق من الإنسان في الغضب أي لا تثنوا علي كما يثني على أهل الحدة من الملوك خوفا من سطوتهم.
أو لا تحتشموا مني كما يحتشم من السلاطين و الأمراء كترك المسارة و الحديث إجلالا و خوفا منهم، و ترك مشاورتهم أو إعلامهم ببعض الأمور و القيام بين أيديهم.
قوله عليه السلام:" بالمصانعة" أي الرشوة أو المداراة.
قوله عليه السلام:" كان العمل بهما أثقل عليه" و شأن الولاة العمل بالعدل و الحق أو أنتم تعلمون أنه لا يثقل على العمل بهما.
قوله عليه السلام:" بفوق" أي أخطأ هذا من الانقطاع إلى الله، و التواضع الباعث‏
______________________________
(1) سورة هود/ 116.
(2) القاموس: ج 4 ص 306.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج‏26، ص: 528
فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني فإنما أنا و أنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا و أخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى و أعطانا البصيرة بعد العمى فأجابه الرجل الذي أجابه من قبل فقال أنت أهل ما قلت و الله و الله فوق ما قلته فبلاؤه عندنا ما لا يكفر و قد حملك‏
______________________________
لهم على الانبساط معه بقول الحق، و عد نفسه من المقصرين في مقام العبودية، و الإقرار بأن عصمته من نعمه تعالى عليه، و ليس أنه اعترافا بعدم العصمة كما توهم بل ليست العصمة إلا ذلك، فإنها هي أن يعصم الله العبد عن ارتكاب المعاصي، و قد أشار عليه السلام إليه‏ بقوله:" إلا أن يكفي الله" و هذا مثل قول يوسف عليه السلام:" و ما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي‏" «1».
قوله عليه السلام:" ما هو أملك به مني" أي العصمة عن الخطإ، فإنه تعالى أقدر على ذلك للعبد من العبد لنفسه.
قوله عليه السلام:" مما كنا فيه" أي من الجهالة و عدم العلم و المعرفة و الكمالات التي يسرها الله لنا ببعثه الرسول صلى الله عليه و آله.
قال ابن أبي الحديد: ليس هذا إشارة إلى خاص نفسه عليه السلام، لأنه لم يكن كافرا فأسلم، و لكنه كلام يقوله و يشير به إلى القوم الذين يخاطبهم من أفناء الناس فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعا، و يجوز أن يكون معناه: لو لا ألطاف الله تعالى ببعثة محمد صلى الله عليه و آله لكنت أنا و غيري على مذهب الأسلاف انتهى‏ «2».
قوله:" فبلاؤه عندنا لا يكفر" أي نعمته عندنا وافرة، بحيث لا نستطيع كفرها و سترها، أو لا يجوز كفرانها و ترك شكرها.
________________________________________
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، 26جلد، دار الكتب الإسلامية - تهران، چاپ: دوم، 1404 ق.

بحار الأنوار (ط - بيروت) ؛ ج‏34 ؛ ص188
تبيين:
أقول: أورد السيد [الرضي‏] في [المختار: (216) من باب الخطب من‏] النهج بعض هذا السؤال و الجواب، و أسقط أكثرها، و سنشير إلى بعض الاختلافات.
قوله عليه السلام: «بولاية أمركم»: أي لي عليكم حق الطاعة لأن الله جعلني واليا عليكم متوليا لأمركم، و لأنه أنزلني منكم منزلة عظيمة هي منزلة الإمامة و السلطنة و وجوب الطاعة.
قوله عليه السلام: «و الحق أجمل الأشياء في التواصف»: أي وصفه جميل و ذكره حسن. يقال: تواصفوا الشي‏ء: أي وصفه بعضهم لبعض.
و في بعض النسخ: «التراصف» بالراء المهملة. و التراصف: تنضيد الحجارة بعضها ببعض: أي [الحق‏] أحسن الأشياء في إحكام الأمور و إتقانها.
«و أوسعها في التناصف»: أي إذا أنصف الناس بعضهم لبعض، فالحق‏
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 189
يسعه و يحتمله، و لا يقع للناس في العمل بالحق ضيق.
و في نهج البلاغة: «فالحق أوسع الأشياء في التواصف و أضيقها في التناصف».
: أي إذا أخذ الناس في وصف الحق و بيانه، كان لهم في ذلك مجال واسع، لسهولته على ألسنتهم. و إذا حضر التناصف بينهم فطلب منهم، ضاق عليهم المجال، لشدة العمل بالحق و صعوبة الإنصاف.
قوله عليه السلام: «صروف قضائه»: أي أنواعه المتغيرة المتوالية. و في بعض النسخ: «ضروب قضائه» [و هو] بمعناه و الحاصل أنه لو كان لأحد أن يجعل الحق على غيره و لم يجعل له على نفسه، لكان هو سبحانه أولى بذلك و على الأولوية بوجهين:
الأول: القدرة.
فإن غيره تعالى لو فعل ذلك لم يطعه أحد، و الله تعالى قادر على جبرهم و قهرهم.
و الثاني: أنه لو لم يجزهم على أعمالهم و كلفهم بها لكان عادلا؛ لأن له من النعم على العباد ما لو عبدوه أبد الدهر لم يوفوا حق نعمة واحدة منها.
فالمراد من أول الكلام: أنه سبحانه جعل لكل أحد على غيره حقا حتى على نفسه.
أما الحق المفروض على الناس فبمقتضى الاستحقاق، و أما ما أجرى على نفسه، فللوفاء بالوعد مع لزوم الوعد عليه.
فظهر جريان الحق على كل أحد و إن اختلف الجهة و الاعتبار.
قوله عليه السلام: «و جعل كفارتهم عليه حسن ثواب»: لعل المراد بالكفارة الجزاء العظيم لستره عملهم، حيث لم يكن له في جنبه قدر، فكأنه قد محاه و ستره.
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 190
[و] في أكثر النسخ: «بحسن الثواب» فيحتمل أيضا أن يكون المراد بها ما يقع منهم لتدارك سيئاتهم، كالتوبة و سائر الكفارات: أي أوجب قبول كفارتهم و توبتهم على نفسه مع حسن الثواب بأن يثيبهم على ذلك أيضا.
و لا يبعد أن يكون [لفظ «كفارتهم»] تصحيف كفاءتهم بالهمز [ة].
و في النهج: «و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه و توسعا بما هو من المزيد أهله».
قوله عليه السلام: «ثم جعل من حقوقه»: هذا كالمقدمة لما يريد أن يبينه من كون حقه عليهم واجبا من قبل الله تعالى، و هو حق من حقوقه؛ ليكون أدعى لهم على أدائه. و بين أن حقوق الخلق بعضهم على بعض هي من حق الله تعالى، من حيث إن حقه على عباده هو الطاعة، و أداء تلك الحقوق طاعات الله، كحق الوالد على ولده و بالعكس، و حق الزوج على الزوجة و بالعكس، و حق الوالي على الرعية و بالعكس:
قوله عليه السلام: «فجعلها تتكافأ في وجوهها»: أي جعل كل وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله، فحق الوالي و هو الطاعة من الرعية مقابل بمثله، و هو العدل فيهم و حسن السيرة.
قوله عليه السلام: «و لا يستوجب بعضها إلا ببعض»: كما أن الوالي إذا لم يعدل لم يستحق الطاعة.
قوله عليه السلام: «فريضة فرضها الله»: بالنصب على الحالية أو بإضمار فعل، أو بالرفع ليكون خبر مبتدإ محذوف.
و قوله عليه السلام: «نظاما لألفتهم»: فإنها سبب اجتماعهم و بها يقهرون أعداءهم و يعزون أولياءهم.
قوله عليه السلام: «و قواما»: أي بها يقوم جريان الحق فيهم و بينهم.
قوله عليه السلام: «عز الحق»: أي غلب.
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 191
قوله عليه السلام: «و اعتدلت معالم العدل»: أي مظانه، أو العلامات التي نصبت في طريق العدل لسلوكه، أو الأحكام التي يعلم بها العدل.
قوله عليه السلام: «على أذلالها» قال الفيروزآبادي: ذل الطريق بالكسر-: محجته. و أمور الله جارية على أذلالها: أي طريق [على‏] مجاريها [هو] جمع ذل بالكسر.
قوله عليه السلام: «و كثر الإدغال»: [هو] بكسر الهمزة. و الإدغال: [هو] أن يدخل في الشي‏ء ما ليس منه، و هو الإبداع و التلبيس. أو بفتحها: [و هو] جمع الدغل بالتحريك-: [و هو] الفساد.
قوله عليه السلام: «علل النفوس»: أي أمراضها بملكات السوء كالغل و الحسد و العداوة و نحوها. و قيل: وجوه ارتكاباتها للمنكرات، فتأتي من كل منكر بوجه و علة و رأي فاسد.
قوله [عليه السلام:] «أثل» يقال: مال مؤثل و مجد مؤثل: أي مجموع ذو أصل، و أثلة الشي‏ء: أصله‏ «1». ذكره الجزري.
و في النهج: « [و لا لعظيم باطل‏] فعل».
قوله عليه السلام: «تبعات الله» قال [الخليل‏] في [كتاب‏] العين: التبعة اسم للشي‏ء الذي لك فيه بغية شبه ظلامة و نحوها.
قوله عليه السلام: «فهلم أيها الناس» قال الجوهري: هلم يا رجل بفتح الميم بمعنى تعال، قال الخليل: أصله «لم» من قولهم لم الله شعثه: أي جمعه كأنه أراد لم نفسك إلينا: أي اقرب. و «ها» للتنبيه. و إنما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال، و جعلا اسما واحدا يستوي فيه الواحد و الجمع و التأنيث في لغة أهل الحجاز.
______________________________
(1) كذا في مادة «أثل» من كتاب النهاية طبع دار الفكر ببيروت، و في طبع الكمباني من البحار هكذا: «و أثل و أثلة الشي‏ء: أصله و زكاه. ذكره الجزري».
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 192
قوله عليه السلام: «حقيقة ما أعطى الله من الحق أهله»: أي جزاء ما أعطى الله أهل الحق من الدين المبين، و سائر ما هداهم الله تعالى إليه بأن يكون المراد بالحقيقة الجزاء مجازا، أو يكون في الكلام تقدير مضاف: أي حقيقة جزاء ما أعطي من الحق، أو يكون المراد بالبلوغ إليها كونه بإزائها و مكافاة لها.
و قيل: المراد بحقيقة ما أعطى الله شكر نعمة هدايته تعالى إلى دين الحق.
و في النهج: «حقيقة ما الله أهله من الطاعة له». و في بعض النسخ القديمة من الكتاب «حقيقة ما الحق من الله أهله».
قوله [عليه السلام‏]: «النصيحة له»: أي لله أو للإمام، أو نصيحة بعضهم لبعض لله تعالى بأن لا يكون الظرف صلة.
و في النهج: «النصيحة بمبلغ [جهدهم‏]» بدون الصلة و هو يؤيد الأخير.
قال الجزري [في مادة؛ نصح» من كتاب النهاية]: النصيحة في اللغة:
الخلوص، يقال: نصحته و نصحت له.
و معنى نصيحة الله صحة الاعتقاد في وحدانيته و إخلاص النية في عبادته.
و [معنى‏] النصيحة لكتاب الله هو التصديق به و العمل بما فيه.
و نصيحة رسول الله صلى الله عليه و آله، التصديق بنبوته و رسالته و الانقياد لما أمر به و نهى عنه.
و [معنى‏] نصيحة الأئمة أن يطيعهم في الحق، و نصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم.
قوله عليه السلام: «و لا لامرئ مع ذلك»: كأنه راجع إلى ما حمل الله على الوالي، أو إلى الوالي الذي أشير إليه سابقا: أي لا يجوز، أو لا بد لامرئ،
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 193
أو لا استغناء لامرئ مع الوالي، أو مع كون واليه مكلفا بالجهاد و غيره من أمور الدين، و إن كان لذلك المرء ضعيفا محقرا بدون أن يعين على إقامة الدين و يعينه الناس أو الوالي عليه.
و في النهج‏: «و لا امرئ و إن صغرته النفوس و اقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه».
. و هو الظاهر.
قوله عليه السلام: «خسأت به الأمور» يقال: خسأت الكلب خسأ:
طردته. و خسأ الكلب بنفسه: يتعدى و لا يتعدى. ذكره الجوهري. فيجوز أن يكون هنا استعمل غير متعد بنفسه قد عدي بالباء: أي طردته الأمور. أو يكون الباء للسببية: أي بعدت بسببه الأمور.
و في بعض النسخ: «حبست به الأمور»: و على التقادير المراد أنه يكون بحيث لا يتمشى أمر من أموره، و لا ينفع سعيه في تحصيل شي‏ء من الأمور.
و «اقتحمته العيون»: أي احتقرته. و كلمة «ما» في قوله: «ما أن يعين» زائدة.
قوله عليه السلام: «و أهل الفضيلة في الحال»: المراد بهم الأئمة و الولاة و الأمراء و العلماء، و كذا أهل النعم العظام فإنهم لكونهم مكلفين بعظائم الأمور كالجهاد في سبيل الله و إقامة الحدود و الشرائع و الأحكام و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى إعانة الخلق أحوج.
و يحتمل أن يكون المراد بأهل الفضيلة العلماء، فإنهم محتاجون فيما حمل عليهم من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى أعوان، و لا أقل إلى من يؤمر و ينهى.
و [المراد] بأهل النعم أصحاب الأموال، لأن ما حمل عليهم من الحقوق أكثر، كأداء الأخماس و الصدقات، و هم محتاجون إلى الفقير القابل لها، و إلى الشهود و إلى غيرهم و الأول أظهر.
قوله عليه السلام: «و كل في الحاجة إلى الله شرع سواء»: بيان لقوله:
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 194
«شرع»، و تأكيد، و إنما ذكر ذلك لئلا يتوهم أنهم يستغنون بإعانة بعضهم بعضا عن ربهم جل و عز، بل هو الموفق و المعين لهم في جميع أمورهم، و لا يستغنون بشي‏ء عن الله عز و جل، و إنما كلفهم بذلك ليختبر طاعتهم و يثيبهم على ذلك، و اقتضت حكمته البالغة أن يجري الأشياء بأسبابها، و هو المسبب لها و القادر على إمضائها بلا سبب.
قوله عليه السلام: «فأجابه رجل»: الظاهر أنه كان الخضر عليه السلام و قد جاء في مواطن كثيرة و كلمه عليه السلام لإتمام الحجة على الحاضرين، و قد أتى بعد وفاته عليه السلام و قام على باب داره و بكى و أبكى و خاطبه عليه السلام بأمثال تلك الكلمات و خرج و غاب عن الناس.
قوله عليه السلام: «و الإقرار» الظاهر أنه معطوف على الثناء: أي أقر إقرارا حسنا بأشياء ذكرها ذلك لرجل، و لم يذكره عليه السلام اختصارا أو تقية من تغير حالاته من استيلاء أئمة الجور عليه و مظلوميته و تغير أحوال رعيته من تقصيرهم في حقه، و عدم قيامهم بما يحق من طاعته و القيام بخدمته.
و يمكن أن يكون الواو بمعنى مع، و يحتمل عطفه على [قوله:] «واجب حقه».
قوله: «من الغل»: أي أغلال الشرك و المعاصي. و في بعض النسخ القديمة: «أطلق عنا رهائن الغل»: أي ما يوجب أغلال القيامة.
قوله [عليه السلام:] «و ائتمر»: أي اقبل ما أمرك الله به فأمضه علينا.
قوله «و الملك المخول»: أي المملك الذي أعطاك الله الإمرة علينا و جعلنا خدمك و تبعك.
قوله عليه السلام: «لا نستحل في شي‏ء من معصيتك»: لعله عدي ب «في» لتضمين معنى الدخول. أو المعنى لا نستحل في شي‏ء شيئا من معصيتك.
و في بعض النسخ القديمة: «لا يستحل في شي‏ء من معصيتك». و هو
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 195
أظهر.
قوله: «في ذلك»: أي في العلم بأن تكون كلمة «في» تعليلية، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما دل عليه الكلام من إطاعته عليه السلام. و الخطر: القدر و المنزلة.
قوله: «و يجل عنه»: يحتمل إرجاع الضمير إلى القياس: أي فضلك أجل في أنفسنا من أن يقاس بفضل أحد. و يمكن إرجاعه إلى العلم فتكون كلمة «عن» تعليلية كما في قوله تعالى: «و ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك»: أي يجل و يعظم بسبب ذلك في أنفسنا فضلك.
قوله عليه السلام: «من عظم جلال الله»: إما على التعليل بنصب «جلال الله»، أو بالتخفيف برفعه: يعني من حق من عظم جلال الله في نفسه و جل موضعه في قلبه، أن يصغر عنده كل ما سوى الله تعالى، لما ظهر له من جلال الله، و أن أحق من كان كذلك أئمة الحق عليهم السلام، لعظم نعم الله و كمال معرفتهم بجلال ربهم، فحق الله تعالى عليهم أعظم منه على غيرهم، فينبغي أن يصغر عندهم أنفسهم فلا يحبوا الفخر و الإطراء في المدح، أو يجب أن يضمحل في جنب جلال الله عندهم غيره تعالى، فلا يكون غيره منظورا لهم في أعمالهم ليطلبوا رضى الناس بمدحهم.
قوله عليه السلام: «و إن من أسخف»: السخف: رقة العيش و رقة العقل. و السخافة: رقة كل شي‏ء. أي أضعف حالات الولاة عند الرعية أن يكونوا متهمين عندهم بهذه الخصلة المذمومة.
قوله عليه السلام: «إني أحب الإطراء»: أي مجاوزة الحد في المدح و المبالغة فيه.
قوله عليه السلام: «انحطاطا لله سبحانه»: أي تواضعا له تعالى.
و في بعض النسخ القديمة: «و لو كنت أحب أن يقال [لي‏] ذلك، لتناهيت‏
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 196
له أغنانا الله و إياكم عن تناول ما هو أحق به من التعاظم و حسن الثناء».
و التناهي: قبول النهي. و الضمير في «له» راجع إلى الله تعالى.
و في النهج: كما في النسخ المشهورة قوله عليه السلام: «فربما استحلى الناس».
يقال: استحلاه: أي وجده حلوا.
قال ابن ميثم رحمه الله: هذا يجري مجرى تمهيد العذر لمن أثنى عليه فكأنه يقول: و أنت معذور في ذلك حيث رأيتني أجاهد في الله، و أحث الناس على ذلك، و من عادة الناس أن يستحلوا الثناء عند أن يبلوا بلاء حسنا في جهاد أو غيره من سائر الطاعات.
ثم أجاب [عليه السلام:] عن هذا العذر في نفسه بقوله: «فلا تثنوا علي بجميل ثناء»: أي لا تثنوا علي لأجل ما ترونه مني من طاعة الله، فإن ذلك إنما هو إخراج لنفسي إلى الله من حقوقه الباقية علي لم أفرغ بعد من أدائها و هي حقوق نعمه و فرائضه التي لا بد من المضي فيها.
و كذلك إليكم من الحقوق التي أوجبها الله [علي لكم‏] من النصيحة في الدين و الإرشاد إلى الطريق الأفضل، و التعليم لكيفية سلوكه.
[ثم قال:] و في خط الرضي رحمه الله «من التقية» بالتاء: و المعنى فإن الذي أفعله من طاعة الله، إنما هو إخراج لنفسي إلى الله و إليكم من تقية الخلق‏ «1» فيما يجلب علي من الحقوق. إذ كان عليه السلام إنما يعبد الله لله غير ملتفت في شي‏ء من عبادته، و أداء واجب حقه إلى أحد سواه خوفا منه أو رغبة إليه.
أو المراد بها التقية التي كان يعملها في زمن الخلفاء الثلاثة و تركها في أيام خلافته، و كأنه قال: لم أفعل شيئا إلا و هو أداء حق واجب علي، و إذا كان كذلك،
______________________________
(1) كذا في أصلي المطبوع، و في ط بيروت من شرح ابن ميثم: «من تقية الحق فيما يجب علي ...».
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 197
فكيف أستحق أن يثنى علي لأجل إتيان الواجب بثناء جميل و أقابل بهذا التعظيم؟! [و] هذا من باب التواضع منه [عليه السلام‏] و تعليم كيفيته، و كسر للنفس عن محبة الباطل و الميل إليه. انتهى.
و قال ابن أبي الحديد: معنى قوله: «لإخراجي نفسي إلى الله و إليكم»:
أي لاعترافي بين يدي الله و بمحضر منكم أن علي حقوقا في إيالتكم و رئاستي لم أقم بها بعد و أرجو من الله القيام بها.
انتهى [كلام ابن أبي الحديد].
فكأنه جعل قوله [عليه السلام:] «لإخراجي» تعليلا لترك الثناء لا مثنى عليه و لا يخفى بعده.
ثم اعلم أنه يحتمل أن يكون المراد ب «البقية»: الإبقاء و الترحم كما قال تعالى: أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض‏ أي إخراجي نفسي من أن أبقى و أترحم مداهنة في حقوق لم أفرغ من أدائها.
قال الفيروزآبادي: و أبقيت ما بيننا: لم أبالغ في كل فساده. و الاسم منه البقية و «أولوا بقية ينهون عن الفساد»: أي إبقاء أو فهم.
قوله عليه السلام: «و لا تتحفظوا عني بما يتحفظ به عند أهل البادرة» البادرة: الحدة و الكلام الذي يسبق من الإنسان في الغضب: أي لا تثنوا علي كما يثنى على أهل الحدة من الملوك خوفا من سطوتهم، أو لا تحتشموا مني كما يحتشم من السلاطين و الأمراء، كترك المسارة و الحديث إجلالا و خوفا منهم، و ترك مشاورتهم أو إعلامهم ببعض الأمور و القيام بين أيديهم.
قوله عليه السلام: «بالمصانعة»: أي الرشوة و المداراة.
قوله عليه السلام: «كان العمل بهما أثقل عليه»: و شأن الولاة العمل بالعدل و الحق، أو أنتم تعلمون أنه لا يثقل علي العمل بهما.
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 198
قوله عليه السلام: «بفوق أن أخطئ»: هذا من [باب‏] الانقطاع إلى الله و التواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحق، و عد نفسه من المقصرين في مقام العبودية، و الإقرار بأن عصمته من نعمه تعالى عليه، و ليس اعترافا بعدم العصمة كما توهم، بل ليست العصمة إلا ذلك. فإنما هي أن يعصم الله العبد عن ارتكاب المعاصي، و قد أشار عليه السلام إليه بقوله: «إلا أن يكفي الله». و هذا مثل قول يوسف عليه السلام: و ما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي‏ إلخ.
قوله عليه السلام: «ما هو أملك به»: أي العصمة من الخطإ فإنه تعالى أقدر على ذلك للعبد من العبد لنفسه.
قوله عليه السلام: «مما كنا فيه»: أي من الجهالة و عدم العلم و المعرفة و الكمالات التي يسرها الله تعالى لنا ببعثة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم.
قال ابن أبي الحديد: ليس هذا إشارة إلى خاص نفسه عليه السلام، لأنه لم يكن كافرا فأسلم، و لكنه كلام يقوله و يشير به إلى القوم الذين يخاطبهم من أفناء الناس فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعا.
و يجوز أن يكون معناها: لو لا ألطاف الله تعالى ببعثة محمد صلى الله عليه و آله لكنت أنا و غيري على مذهب الأسلاف. انتهى.
قوله عليه السلام: «فبلاؤه عندنا ما لا يكفر»: أي نعمه عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرها و سترها، أو لا يجوز كفرانها و ترك شكرها.
قوله عليه السلام: «سياسة أمورنا»: «1» [يقال:] سست الرعية سياسة:
______________________________
(1) هذا و ما بعده من كلام الرجل الصالح الذي أثنى على أمير المؤمنين عليه السلام لا من كلامه.
و ما ذكره المصنف بعده في تفسير السياسة، فيه تسامح. فإن السياسة ليست مجرد الأمر و النهي، بل هي عند الطغاة و الجبارين من الملوك و الوزراء و القواد عبارة عن تحميل أوامرهم و نواهيهم على الرعية على طبق مصالحهم، لا على طبق مصالح الرعية.
و أما السياسة عند الصلحاء و الخاضعين لأمر الله تعالى، فهي عبارة عن تسيير الناس و الرعية على نحو يتضمن مرضاة الله و مصلحة جميع الرعية أو أكثرهم، و يسعدهم على بلوغ أهدافهم المعنوية و المادية معا.
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 199
أمرتها و نهيتها. و «العلم» بالتحريك: ما ينصب في الطريق ليهتدي به السائرون.
قوله: «من بارع الفضل» قال الفيروزآبادي: برع [فلان‏] و يثلث براعة: فاق أصحابه في العلم و غيره، أو تم في كل جمال و فضيلة، فهو بارع و هي بارعة.
قوله: «و لم يكن»: على المجهول من [قولهم:] كننت الشي‏ء: سترته. أو بفتح الياء و كسر الكاف من [قولهم:] و كن الطائر بيضه يكنه [على زنة وعد] إذا حضنه.
و في بعض النسخ: «لم يكن». و في النسخة القديمة: «لن يكون».
قوله: «و توسعا»: أي في الفضل و الثواب.
قوله: «مع ذلك»: أي مع طاعتنا لك: أي نفس الطاعة أمر مرغوب فيه و مع ذلك موجب لحصول ما ينفعنا و ما هو خير لنا في دنيانا و آخرتنا.
قوله «إلا مناصحة الصدور»: أي خلوصها عن غش النفاق بأن يطوي فيه ما يظهر خلافه، أو نصح الإخوان نصحا يكون في الصدر لا بمحض اللسان.
قوله: «و قد عال الذي في صدره»: يقال: عالني الشي‏ء أي غلبني. و عال أمرهم: اشتد.
قوله عليه السلام: «و غصص الشجا»: الغصة بالضم-: ما اعترض‏
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 200
في الحلق. و كذا الشجا و الشجو الهم و الحزن.
قوله عليه السلام: «لخطر مرزئته» الخطر بالتحريك-: القدر و المنزلة و الإشراف على الهلاك. و المرزئة: المصيبة، و كذا الفجيعة و كونها: أي وقوعها و حصولها و الضميران راجعان إلى أمير المؤمنين عليه السلام. و القائل كان عالما بقرب أوان شهادته عليه السلام فلذا كان يندب و يتفجع. و إرجاعهما إلى القائل بعيد.
قوله عليه السلام: «أشفى»: أي أشرف عليه. و الضمير في قوله: «إليه» راجع إلى الله تعالى.
قوله عليه السلام: «و انقلاب جده» الجد: البخت. و التفجع: التوجع في المصيبة: أي سأل الله دفع هذا البلاء الذي قد ظن وقوعه عنه عليه السلام مع التفجع و التضرع.
قوله: «يا رباني العباد»: قال الجزري: الرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف و النون [للمبالغة].
و قيل: هو من الرب بمعنى التربية؛ لأنهم كانوا يربون المتعلمين بصغارها و كبارها «1».
و الرباني: العالم الراسخ في العلم و الدين. أو الذي يطلب بعلمه وجه الله [تعالى‏]. و قيل: العالم العامل المعلم.
قوله: «و يا سكن البلاد» السكن بالتحريك-: كل ما يسكن إليه.
قوله: «و بك جرت نعم الله علينا»: أي بجهادك و مساعيك الجميلة لترويج الدين و تشييد الإسلام في زمن الرسول صلى الله عليه و آله و بعده.
______________________________
(1) كذا في أصلي من ط الكمباني، و في ط بيروت في مادة: «رب» من كتاب النهاية: «كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها».
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 201
قوله عليه السلام: «و للعصاة الكفار إخوانا»: أي كنت تعاشر من يعصيك و يكفر نعمتك معاشرة الإخوان شفقة منك عليهم.
أو المراد الشفقة على الكفار و العصاة و الاهتمام في هدايتهم.
و يحتمل أن يكون المراد المنافقين الذين كانوا في عسكره و كان يلزمه رعايتهم بظاهر الشرع.
و قيل: المراد بالإخوان الخوان الذي يؤكل عليه، فإنه لغة فيه كما ذكره الجزري. و لا يخفى بعده.
و في النسخة القديمة: «أ لم نكن» بصيغة المتكلم، و حينئذ فالمراد بالفقرة الأولى أنه كان ينزل بنا ذل كل ذليل: أي كنا نذل بكل ذلة و هوان. و هو أظهر و ألصق بقول: «فبمن».
قوله عليه السلام: «من فظاعة تلك الخطرات»: أي شناعتها و شدتها.
قوله [عليه السلام:] «بعد الحور» قال الجوهري [و في الأثر:] «نعوذ بالله من الحور بعد الكور» أي من النقصان بعد الزيادة.
و في بعض النسخ [ «بالجور»] بالجيم.
قوله عليه السلام: «و ثمال فقرائنا» قال الجزري: الثمال بالكسر-:
الملجأ و الغياث. و قيل: هو المطعم في الشدة.
قوله [عليه السلام:] «يجمعنا من الأمور عدلك»: أي هو سبب اجتماعنا و عدم تفرقنا في جميع الأمور، أو من بين سائر الأمور، أو هو سبب لانتظام أمورنا، أو عدلك يحيط بجميعنا في جميع الأمور.
قوله عليه السلام: «و يتسع لنا في الحق تأنيك»: أي صار مداراتك و تأنيك و عدم مبادرتك في الحكم علينا بما نستحقه سببا لوسعة الحق علينا، و عدم تضيق الأمر بنا.
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 202
قوله عليه السلام: «ليبلغ تحريكه»: أي تغييره و صرفه. و في النسخة القديمة: «تحويله».
قوله «و لا خطرناها»: أي جعلناها في معرض المخاطرة و الهلاك. أو صيرناها خطرا و رهنا و عوضا لك.
قال الجزري: [و] فيه: «فإن الجنة لا خطر لها»: أي لا عوض لها و لا مثل. و الخطر بالتحريك في الأصل: الرهن و ما يخاطر عليه. و مثل الشي‏ء و عدله، و لا يقال إلا في الشي‏ء الذي له قدر و مزية، و منه الحديث «أ لا رجل يخاطر بنفسه و ماله»: أي يلقيهما في الهلكة بالجهاد.
و منه حديث النعمان [بن مقرن يوم نهاوند]: «إن هؤلاء يعني المجوس قد أخطروا لكم رثة و متاعا و أخطرتم لهم الإسلام»: المعنى أنهم قد شرطوا لكم ذلك و جعلوه رهنا من جانبهم، و جعلتم رهنكم دينكم.
قوله عليه السلام: «حاولك»: أي قصدك. قوله: «من ناواك»: أي عاداك. قوله: «و لكنه»: أي الرب تعالى. قوله: «و عز»: أي ذو عز و غلبة.
و «زاوله»: أي حاوله و طالبه.
و هذه إشارة إلى أن تلك الأمور بقضاء الله و تقديره، و المبالغة في دفعها في حكم مغالبة الله في تقديراته. و قد سبق تحقيق القضاء و القدر في كتاب العدل.
قوله: «نعظمه»: الضمير في قوله: «نعظمه» و «نديمه» راجعان إلى الشكر و الذكر. [و] قوله: «بلاءه»: يحتمل النعمة أيضا.
قوله «ما عنده»: هو خبر «إن»، و يحتمل أن يكون الخبر محذوفا: أي خير لك، و المعنى أنه لا تختلف قلوبنا بل تتفق على أن الله اختار لك بإمضائك النعيم و الراحة الدائمة، على ما كنت فيه من المشقة و الجهد و العناء.
قوله: «من غير إثم»: أي لا نأثم على البكاء عليك فإنه من أفضل‏
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏34، ص: 203
الطاعات، أو لا نقول ما يوجب الإثم.
قوله: «لعز»: متعلق ب [قوله:] «البكاء» و «أن يعود» بدل اشتمال له: أي نبكي لتبدل عز هذا السلطان ذلا.
قوله: «أكيل»: الأكيل يكون بمعنى المأكول، و بمعنى الأكل. و المراد هنا الثاني: أي نبكي لتبدل هذا السلطان الحق بسلطنة الجور فيكون أكلا للدين و الدنيا.
و في بعض النسخ: «لعن الله هذا الشيطان» فلا يكون مرجع الإشارة سلطنته عليه السلام، بل جنسها الشامل للباطل أيضا: أي لعن الله السلطنة التي لا تكون صاحبها.
و يحتمل أن يكون اللعن مستعملا في أصل معناه لغة، و هو الإبعاد: أي أبعد الله هذا السلطان عن أن يعود ذليلا. و لا يخفى بعده.
قوله: «و لا نرى لك خلفا»: أي من بين السلاطين لخروج السلطنة عن أهل البيت [عليهم السلام‏].
________________________________________
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوارالجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (ط - بيروت)، 111جلد، دار إحياء التراث العربي - بيروت، چاپ: دوم، 1403 ق.

بحار الأنوار (ط - بيروت) ؛ ج‏34 ؛ ص183
[الباب الثالث و الثلاثون‏] باب نوادر ما وقع في أيام خلافته عليه السلام و جوامع خطبه و نوادرها
[983] «1»- كا: علي بن الحسن المؤدب عن البرقي، و أحمد بن محمد عن علي بن الحسن التيمي، جميعا عن إسماعيل بن مهران عن عبد الله بن الحارث عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس بصفين، فحمد الله و أثنى عليه و صلى على محمد صلى الله عليه و آله ثم قال:
أما بعد، فقد جعل الله تعالى لي عليكم حقا بولاية أمركم و منزلتي التي أنزلني الله عز ذكره بها منكم، و لكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم، و الحق أجمل الأشياء في التواصف، و أوسعها في التناصف، لا يجري لأحد إلا جرى عليه، و لا يجري عليه إلا جرى له، و لو كان لأحد أن يجري ذلك له و لا يجري‏
________________________________________
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوارالجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (ط - بيروت)، 111جلد، دار إحياء التراث العربي - بيروت، چاپ: دوم، 1403 ق.

بحار الأنوار (ط - بيروت) ؛ ج‏41 ؛ ص154
تبيين قوله ع أوسع الأشياء في التواصف أي كل أحد يصف الحق و العدل و يقول لو وليت لعدلت و لكن إذا تيسر له لم يعمل بقوله و لم ينصف الناس من نفسه و معالم الشي‏ء مظانه و ما يستدل به عليه و الأذلال المجاري و الطرق و اختلاف الكلمة اختلاف الآراء و الأهواء و قال الجزري أصل الدغل الشجر الملتف الذي يكون‏ «2» أهل الفساد فيه و أدغلت في هذا الأمر إذا أدخلت فيه ما يخالفه‏ «3» و المحاج جمع محجة و هي جادة الطريق و اقتحمته عيني احتقرته و الإطراء المبالغة في المدح قوله من البقية في أكثر النسخ بالباء الموحدة أي لا تثنوا علي لأجل ما ترون مني في طاعة الله فإنما هو إخراج لنفسي إلى الله من حقوقه الباقية علي لم أفرغ من أدائها و كذلك إليكم من‏
______________________________
(1) نهج البلاغة (عبده ط مصر) 1: 459- 463.
(2) الصحيح كما في المصدر: يكمن.
(3) النهاية 2: 25.
بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏41، ص: 155
الحقوق التي أوجبها الله علي لكم من النصيحة و الهداية و الإرشاد و قيل المعنى لاعترافي بين يدي الله و بمحضر منكم أن علي حقوقا في رئاستي عليكم لم أقم بها بعد و أرجو من الله القيام بها و في بعض النسخ المصححة القديمة بالتاء المثناة الفوقانية أي من خوف الله في حقوق لم أفرغ من أدائها بعد قوله ع و لا تتحفظوا مني أي لا تمتنعوا من إظهار ما تريدون إظهاره لدي خوفا من سطوتي كما هو شأن الملوك و البادرة الحدة و ما يبدر عند الغضب و المصانعة المداراة و الرشوة.
أقول سيأتي تمام الخطبة في باب خطبه ع.
________________________________________
مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوارالجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (ط - بيروت)، 111جلد، دار إحياء التراث العربي - بيروت، چاپ: دوم، 1403 ق.

















































خطبة بصفین-حق الوالي-حق الرعیة-إنما العصمة للمعصوم من الله سبحانه