سال بعدالفهرستسال قبل

عيسی بن المستفاد-ابو موسی-البجلي-الضرير-صاحب کتاب الوصية(000 - 220 هـ = 000 - 835 م)

عيسی بن المستفاد-ابو موسی-البجلي-الضرير-صاحب کتاب الوصية(000 - 220 هـ = 000 - 835 م)
شرح حال علي بن موسى بن جعفر بن طاووس(589 - 664 هـ = 1193 - 1266 م)
إن باب فاطمة بابي، و بيتها بيتي، فمن هتكه فقد هتك حجاب الله-هتك و الله حجاب الله








طرف من الأنباء و المناقب ؛ ؛ ص59
عيسى بن المستفاد، أبو موسى البجلي الضرير، الذي كان حيا سنة 160 ه- المتوفى سنة 220 ه.
لا نعرف له تاريخ ولادة محدد على وجه الدقة، و لا أين ولد، و كيف نشأ، لأن كتب الرجال تغفل في أغلب الأحيان ذكر هذه الأمور و تقتصر على بعض مروياته، و ما قيل فيه، و عمن روى، و من روى عنه، و ربما لم يذكروا بعض هذه الأمور أيضا و يقتصرون على بيان حاله جرحا و تعديلا، فإن سكتوا عن ذلك أيضا دخل الرجل المترجم له في حيز مجهولي الحال.
لكننا بناء على ما سيتضح من أن عيسى بن المستفاد روى كتاب «الوصية» عن الإمام أبي الحسن الكاظم عليه السلام، نستطيع الجزم بأنه كان حيا في سنة 160 ه.
و ذلك أن الإمام الكاظم عليه السلام تولى أعباء الإمامة و قام بها بعد وفاة أبيه الصادق عليه السلام في سنة 148 ه، مما يعني أن عيسى لم يستق علومه التي رواها عن الكاظم عليه السلام قبل هذه السنة، لأن الشيعة دأبت على تلقي علومها عن الإمام الناطق الذي يتولى أمور الإمامة، دون الإمام الصامت.
و إذا قسمنا حياة الإمام الكاظم عليه السلام إجمالا بعد السنة الآنفة الذكر حتى استشهاده مسموما في سجن السندي بن شاهك بأمر الرشيد سنة 183 ه، وجدنا
______________________________
(1). خاتمة المستدرك (ج 2؛ 460)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 60
أن هذه الفترة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ينحصر بين تاريخي 148- 170 ه، أي بقية حكم المنصور الدوانيقي المتوفى سنة 158 ه، و تمام حكم المهدي العباسي المتوفى سنة 169 ه، و تمام حكم موسى الهادي العباسي، المتوفى سنة 170 ه.
و قد كان الإمام في هذه الفترات تحت ضغط السلطة العباسية و عيونها، و في خضم المضايقات و التشديدات السلطوية، لكنه في هذه الفترة لم يستجلب من المدينة المنورة إلى بغداد إلا في حكم المهدي العباسي، الذي جاء بالإمام إلى بغداد و حبسه، ثم أطلقه لرؤيا رآها، فرجع الإمام عليه السلام إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه و آله‏ «1».
و أما القسم الثاني من حياته: فهو ما بين تاريخي 170- 183 ه، و هي الفترة القاسية المؤلمة التي عاناها الإمام في حكومة هارون الرشيد، و قضى شطرا كبيرا منها بين المعتقلات و السجون.
فقد نص الخوارزمي في مناقبه‏ «2» و العلامة الطبرسي في تاج المواليد «3» و غيرهما، على أن الإمام قضى عشر سنين في سجون الرشيد، فمن سجن عيسى بن جعفر ابن المنصور العباسي في البصرة، إلى سجون بغداد، التي أولها سجن الفضل بن الربيع، ثم سجن الفضل بن يحيى الذي وسع نوعا ما على الإمام، و من بعدها سجن السندي ابن شاهك الذي سم الإمام عليه السلام بأمر من هارون الرشيد.
و نحن لا ندري بالضبط متى سمع عيسى من الإمام الكاظم عليه السلام أحاديث الوصية؟
أ في القسم الأول، الذي يبتدئ بسنة 148 ه و ينتهي بسنة 170 ه، أم في القسم الثاني، الذي يبتدئ بسنة 170 ه و ينتهي بسنة 183 ه؟ و هل أن عيسى تلقى أحاديثه في المدينة المنورة؛ ربما عند ذهابه إلى الحج، و ربما استقر هناك فاستمع إليها،
______________________________
(1). انظر تاريخ بغداد (ج 13؛ 27) و تذكرة الخواص (349)
(2). انظر مناقب الخوارزمي (350)
(3). انظر تاج المواليد المطبوع ضمن مجموعة نفيسة (122)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 61
أو أنه تلقاها في بغداد عند استقرار الإمام فيها مجبورا تحت عيون السلطة، و في الفترات المتقطعة التي كان يفرج فيها عن الإمام أو يوسع عليه تحت الإقامة الإجبارية؟ كلا الاحتمالين وارد.
إلا أننا إذا أخذنا المقدار المتيقن، و افترضنا سماعه من الإمام في الفترة الثانية، علمنا أنه سمع ذلك بعد سنة 173 ه، و ذلك لما مر من أن الإمام حبس عشر سنين في سجون هارون، و أنه عليه السلام توفي سنة 183 ه، فنعرف أنه أتي به إلى البصرة، و من بعدها إلى بغداد في حدود سنة 173 ه، و فيها و فيما بعدها اتصل عيسى بالإمام و روى عنه.
فإذا أخذنا أبعد الاحتمالات، و هو أن عيسى كان في هذه الفترة صبيا مميزا بحيث يصح منه تحمل الرواية و أداؤها بعد بلوغه- كما قرر في محله- فيلزم أن يكون عمره ثلاثة عشر عاما، كحد متوسط للتمييز و صحة تحمل الرواية، يضاف إليها مدة من الزمان لازم فيها الإمام و انتهل من معارفه حتى أصبح مورد ثقة الإمام؛ بحيث ساغ أن يروي له الإمام مهمات أمور الإمامة و أسرارا من أسرار الله، كما نص على ذلك بوضوح في أثناء مطالب كتاب الوصية.
كل هذه الأمور تحدو بنا أن نفترض على أبعد التقادير، أن عيسى كان حيا في حدود سنة 160 ه، و أن الراجح أنه سمع أحاديثه في بغداد لا في المدينة المنورة.
و الذي يؤيد ما استنتجناه و افترضناه، هو أننا نرى كثرة روايته عن الإمام الكاظم عليه السلام، و عدم عده من أصحاب الرضا عليه السلام، في حين عد من أصحاب الجواد عليه السلام، مما يمكن أن يستنتج منه أن الرجل كان بغدادي المنشأ و الوفاة، إذ لم يكن من أصحاب الرضا عليه السلام الذي كان في خراسان، بل اقتصر الرجاليون على تصريحهم بأنه من أصحاب الكاظم و الجواد عليهما السلام، اللذين كانا حتى استشهادهما في مدينة بغداد، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنه رجل ضرير يعسر عليه عادة التنقل من بلد إلى آخر في ذلك الزمان، إلا لأداء الفرائض أو الحالات الضرورية التي تلجئه إلى تجشم متاعب السفر.



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 62
و إذا لحظنا قول الإمام الكاظم عليه السلام له: «تأبى إلا أن تطلب أصول العلم و مبتدأه، أما و الله إنك لتسأل تفقها» «1»، و قوله له عند ما سأله عما يقولونه من أن النبي صلى الله عليه و آله أمر أبا بكر بالصلاة عند مرضه- بعد أن أطرق الإمام عنه طويلا-: «ليس كما ذكروا، و لكنك يا عيسى كثير البحث في الأمور، و ليس ترضى عنها إلا بكشفها». و قول عيسى للإمام: «بأبي أنت و أمي، إنما أسأل منها عما أنتفع به في ديني و أتفقه، مخافة أن أضل و أنا لا أدري، و لكن متى أجد مثلك أحدا يكشفها لي، «2»» ...
إذا لحظنا كل ذلك، علمنا أن الرجل كان ملازما للإمام الكاظم عليه السلام، و من أصحابه المخلصين، و ذلك حيث وصفه الإمام بأنه يطلب أصول العلم و مبتدأه، و أنه يسأل تفقها لا تعنتا و لامراء.
و علمنا أيضا أن عيسى كان مختصا بمرويات الوصية و كيفية بدء الإسلام و البيعة لعلي عليه السلام، فيبدو أن الرجل صب جل اهتماماته في هذا الباب الحساس الذي كثر فيه النزاع، و هذا ما شغله عن طلب الفقه و الفرائض، فلم يرو لنا من ذلك ما يمكن أن يعتد به، خصوصا و أن اهتمامات الإمام الكاظم عليه السلام بالأمور العقائدية تزايدت في جو الخلافة العباسية المتهرئ و المنشغل بالملاهي و الملذات في حكومة الرشيد، فلذلك نراه عليه السلام يصف عيسى بقوله: «و لكنك كثير البحث في الأمور، و ليس ترضى عنها إلا بكشفها».
و من خلال تتبع المرويات، وجدنا أن منها ما يمس خلافة العباس و بنيه، و يثبت الأحقية و الوراثة الدينية و الدنيوية لعلي و أولاد علي عليهم السلام، و هذا ما يقيم الدنيا على هارون الرشيد و لا يقعدها، فكيف حدث الإمام الكاظم عليه السلام بكل هذا عيسى ابن المستفاد، لو لا أنه أهل للتعلم و كتم علوم آل محمد صلوات الله عليهم عن‏
______________________________
(1). انظر بداية الطرفة الأولى‏
(2). انظر بداية الطرفة العشرين‏



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 63
أعدائهم، و لو لا أنه من مخلصي الشيعة و الأصحاب، بل و فوق ذلك، أننا نرى الإمام يخبره أن ما في الوصية التي نزل بها جبرئيل على النبي صلى الله عليه و آله سر من أسرار الله، مما يفيد قطعا أن عيسى كان أهلا و موضعا للتعلم و الائتمان.
و بصرف النظر عن ذلك، فإن عيسى بقي بعد وفاة أبي الحسن الكاظم، و وفاة الإمام الرضا عليهما السلام، و بعد ذلك وافاه الأجل في نفس السنة التي استشهد فيها الإمام الجواد عليه السلام، و هي سنة 220 ه.
هذا ملخص عن ابن المستفاد، و صورة إجمالية عن أحواله و اتصاله الوثيق بالإمام الكاظم عليه السلام، و من بعده اتصاله بالإمام الجواد عليه السلام، و أما بحث حال هذا الراوي الإمامي من وجهة نظر رجالية، فهو بحث لا غنى عنه، و لا بد من أن نقف عنده وقفة تدقيق و بحث، لنعلم حاله جرحا و تعديلا عند الرجاليين.
ابن المستفاد في الميزان الرجالي‏
عيسى بن المستفاد الضرير- عيسى الضعيف- عيسى الضرير
لقد ترجمت كتب الرجال لعيسى بن المستفاد، و ذكرت ترجمتين أخريين باسمين مقاربين للمترجم له، أعني ابن المستفاد صاحب كتاب «الوصية».
أما المترجم له، فهو عيسى بن المستفاد أبو موسى البجلي الضرير، على ما صرح به النجاشي‏ «1» و الطوسي‏ «2» و ابن داود «3» و العلامة «4» و القهبائي‏ «5» و الشبستري‏ «6»
______________________________
(1). رجال النجاشي (297)
(2). الفهرست (116)
(3). رجال ابن داوود القسم الثاني (265)
(4). رجال العلامة القسم الثاني (242)
(5). مجمع الرجال (ج 4؛ 306)
(6). أحسن التراجم (ج 1؛ 448)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 64
و التفريشي‏ «1» و أبو علي الحائري‏ «2» و الكاظمي‏ «3» و الأسترآبادي‏ «4» و غيرهم.
و قد أضاف المامقاني إليه وصفا آخر، فقال: أبو موسى البجلي الضرير الضعيف‏ «5».
و علة هذه الإضافة، أنه قد ورد في بعض الروايات اسمان آخران مقاربان لاسم المترجم له، فلذلك ترجمت بعض الكتب الرجالية لهما كلا على انفراد، و هما عيسى الضعيف، و عيسى الضرير.
و ممن ترجم لهذين الاسمين السيد الخوئي في معجمه، فذكر أن الكليني أخرج لعيسى الضرير حديثا واحدا بهذا الطريق: «علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أحمد المنقري، عن عيسى الضرير، عن أبي عبد الله» ...
الحديث، و أخرج لعيسى الضعيف حديثا آخر بهذا الطريق: «علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أحمد المنقري، عن عيسى الضعيف، عن أبي عبد الله عليه السلام» ... الحديث‏ «6».
و ذكر السيد الخوئي، أن الشيخ الطوسي قد أخرج لعيسى الضعيف أيضا بنفس طريق الكليني إليه، كما أن الصدوق أخرج لعيسى الضعيف بنفس طريقي الكليني و الطوسي إليه- و هما طريقان متحدان- بفارق أن في طريق الصدوق «محسن بن أحمد» بدلا عن «الحسين بن أحمد»، و استظهر السيد الخوئي أنه تحريف.
و بعد ذلك قطع السيد الخوئي باتحاد الاسمين و أنهما لرجل واحد، فقال في ترجمة عيسى الضعيف: «أقول: هذا هو عيسى الضرير المتقدم، و الوجه فيه‏
______________________________
(1). نقد الرجال (262)
(2). منتهى المقال (ج 5؛ 169)
(3). هداية المحدثين (169)
(4). منهج المقال (256)
(5). تنقيح المقال (ج 2؛ 363)
(6). معجم رجال الحديث (ج 14؛ 229) و ذكر «قده» الضعيف برقم ترجمة 9254، و الضرير برقم ترجمة 9253.



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 65
ظاهر «1»»، و ظهور الوجه في اتحادهما إنما هو باعتبار القرينة الخارجية من اتحاد الراوي و المروي في جميع الطرق المتقدمة كما لا يخفى.
و هذا كله سليم لا غبار عليه، و قد صنع مثله من قبل العلامة المامقاني، حيث ترجم لعيسى الضعيف و عيسى الضرير، ثم استظهر اتحادهما باعتبار اتحاد الراوي و المروي عند ترجمة عيسى الضعيف‏ «2».
إلا أن ما لا يوافق عليه العلامة المامقاني، هو استظهاره أن عيسى بن المستفاد و عيسى الضرير و عيسى الضعيف كلهم رجل واحد، فقال في ترجمة عيسى الضرير- الذي استظهر اتحاده مع عيسى الضعيف كما تقدم-: «و الظاهر أنه عيسى ابن المستفاد الضرير الآتي إن شاء الله تعالى».
و لأجل استظهاره هذا، تفرد رحمه الله- دون باقي الرجاليين- بذكر الوصفين جميعا في ترجمة ابن المستفاد، فقال: «عيسى بن المستفاد، أبو موسى البجلي الضرير الضعيف»، ثم قال: «و كتب الرجال خالية عن الوصف الثاني».
و بناء على استظهاره الآنف، حكم بتفرد الصدوق- في باب الدماء من كتاب الفقيه- بوصفه بالضعيف‏ «3»، و حكم بأن الكليني في الكافي أبدله- في باب «أنهم عليهم السلام لم يفعلوا شيئا إلا بعهد».- بالضرير، مع أن الذي في الفقيه هو «عيسى الضعيف» و ليس عيسى بن المستفاد، و الذي في الكافي هو «عيسى بن المستفاد» و ليس عيسى الضرير.
و الذي أوقعه في هذا الخلط إنما هو استظهار اتحاد الثلاثة: عيسى بن المستفاد، و عيسى الضرير، و عيسى الضعيف، مع أن هذا الاستظهار تبرعي محض و لا دليل عليه، و إنما الدليل يقتصر على اتحاد عيسى الضرير و عيسى الضعيف فقط باعتبار
______________________________
(1). معجم رجال الحديث (ج 14؛ 229)
(2). انظر تنقيح المقال (ج 2؛ 361)
(3). انظر من لا يحضره الفقيه (ج 4؛ 69/ 12)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 66
اتحاد الراوي و المروي كما تقدم.
و لذلك رد التستري في قاموس الرجال ما استظهره المامقاني و رتب الآثار عليه، فقال:
«قال المصنف [يعني المامقاني‏]: تفرد تحريم دماء الفقيه بوصفه بالضعيف، و أبدله في باب «إنهم عليهم السلام لم يفعلو شيئا إلا بعهد» بالضرير.
قلت [القول للتستري‏]: ما قاله خبط، فإن في باب التحريم ليس عيسى ابن المستفاد الضعيف، بل عيسى الضعيف، و لم يتفرد به، بل رواه الكافي و التهذيب مثله، و قوله [أي المامقاني‏]: «و أبدله في باب أنهم عليهم السلام» غلط، فإنه إنما يصح أن يقال: أبدله، لو كان روى ذاك الخبر، مع أنه خبر آخر بلفظ «عيسى بن المستفاد أبو موسى الضرير» ... و عيسى الضعيف رجل آخر غير هذا، يروي عن الصادق عليه السلام‏ «1»».
ابن المستفاد و صحبته للجوادين عليهما السلام‏
تبين إذن أن عيسى بن المستفاد غير عيسى الضعيف و عيسى الضرير، فإن هذين الأخيرين إنما هما اسم ذو وصفين لشخص واحد يروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام.
و أما عيسى بن المستفاد البجلي، فإنه من أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام، و قد روى عن الإمام كتاب الوصية، كما أنه من أصحاب الإمام أبي جعفر الثاني الجواد عليه السلام، و قد روى عنه عليه السلام، كما نص عليه النجاشي‏ «2»، و العلامة «3»، و الشبستري‏ «4»،
______________________________
(1). قاموس الرجال (ج 7؛ 280)
(2). رجال النجاشي (297)
(3). رجال العلامة (242/ القسم الثاني)
(4). أحسن التراجم (ج 1؛ 448، 449)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 67
و الآغا بزرك الطهراني‏ «1» و غيرهم.
و قد سها ابن داود في رجاله، فعد عيسى بن المستفاد من أصحاب الإمام أبي جعفر الأول الباقر عليه السلام، فقال: «عيسى بن المستفاد البجلي، أبو موسى الضرير، قر «2» [جش‏] «3»، لم يكن بذاك‏ «4»».
و هذا سهو من قلمه الشريف، منشؤه عدم توصيف أبي جعفر بالثاني، حتى ينصرف إلى الإمام الجواد عليه السلام، فإن إطلاق التكنية بأبي جعفر دون تقييد بالثاني ينصرف إلى أبي جعفر الأول، و هو الإمام الباقر عليه السلام، و قد نبه على هذا السهو العلامة المامقاني في «تنقيح المقال»، و العلامة الأسترآبادي في «منهج المقال‏ «5»».
و مهما يكن سبب سهو ابن داود، كان لا بد من التنبيه إلى ذلك، و أن ابن المستفاد من أصحاب الكاظم و الجواد عليهما السلام، لا من أصحاب الباقر عليه السلام كما في سهو ابن داود، و لا من أصحاب الصادق عليه السلام كما هو لازم استظهار المامقاني السالف الذكر.
ابن المستفاد و كتاب الوصية
بعد كل ما تقدم، نقول: إن عيسى بن المستفاد، هو صاحب كتاب «الوصية»، و قد صرح بنسبة الكتاب إليه الرجاليون، و ذكروا بعض الأسانيد إليه، و إليك أقوالهم في ذلك:
قال النجاشي: «عيسى بن المستفاد، أبو موسى البجلي الضرير، روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، و لم يكن بذاك، له كتاب الوصية، رواه شيوخنا عن أبي القاسم‏
______________________________
(1). الذريعة (ج 25؛ 103)
(2). قر: رمز رجالي معناه أنه من أصحاب الباقر عليه السلام‏
(3). جش: رمز رجالى معناه النجاشي في رجاله‏
(4). رجال ابن داود (265/ الترجمة رقم 1176- القسم الثاني)
(5). تنقيح المقال (ج 2؛ 363) و منهج المقال (256)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 68
جعفر بن محمد، قال: حدثنا أبو عيسى عبيد الله بن الفضل بن هلال بن الفضل بن محمد بن أحمد بن سليمان الصابوني، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن إسماعيل بن أحمد ابن إسماعيل بن محمد، قال: حدثنا أبو يوسف الوحاظي، و الأزهر بن بسطام بن رستم، و الحسن بن يعقوب، قالوا: حدثنا عيسى بن المستفاد، و هذا الطريق طريق مصري فيه اضطراب.
و قد أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمران، قال: حدثنا يحيى بن محمد القصباني، عن عبيد الله بن الفضل‏ «1»».
و قال الشيخ الطوسي: «عيسى بن المستفاد، له كتاب، رواه عبيد الله ابن الدهقان، عنه‏ «2»».
و قال ابن الغضائري: «عيسى بن المستفاد، أبو موسى البجلي الضرير، له كتاب الوصية، لا يثبت سنده، و هو في نفسه ضعيف‏ «3»».
و قال العلامة الحلي: «عيسى بن المستفاد البجلي، يكنى أبا موسى البجلي الضرير، روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، و لم يكن بذاك ... له كتاب الوصية لا يثبت سنده، و هو في نفسه ضعيف‏ «4»».
و قال الأردبيلي: «روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، و لم يكن بذاك، و له كتاب الوصية [جش. صه‏]، و ذكر له رواية عن موسى بن جعفر، و له كتاب الوصية، لا يثبت سنده، و هو في نفسه ضعيف [صه‏] «5»».
______________________________
(1). رجال النجاشي (298) و عنه معجم رجال الحديث (ج 14؛ 224) و تنقيح المقال (ج 2؛ 363)
(2). الفهرست (181) و معجم رجال الحديث (ج 14؛ 224) و تنقيح المقال (ج 2؛ 363) و مجمع الرجال للقهبائي (ج 4؛ 306)
(3). معجم رجال الحديث (ج 14؛ 224) و تنقيح المقال (ج 2؛ 363) و مجمع الرجال للقهبائي (ج 4؛ 306، 307)
(4). رجال العلامة (242/ القسم الثاني)
(5). جامع الرواة (ج 1؛ 654)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 69
و قال العلامة المجلسي في «مرآة العقول» عند شرحه لما أخرجه الكليني في الكافي بسنده عن عيسى، عن الكاظم عليه السلام، قال: «أخذه من كتاب الوصية لعيسى ابن المستفاد، و هو من الأصول المعتبرة «1»».
و قال في «بحار الأنوار» بعد أن أخرج الكثير من مطالب الطرف نقلا عن كتاب «الوصية»، قال: «و عيسى و كتابه مذكوران في كتب الرجال، ولي إليه أسانيد جمة «2»».
و قال في «أحسن التراجم» ما هذا نصه: «عيسى بن المستفاد البجلي الضرير، محدث إمامي، ضعيف الحال، له كتاب الوصية، أدرك الإمام الجواد عليه السلام، و روى عنه أيضا «3»».
و قال الآغا بزرك الطهراني: «عيسى بن المستفاد ... الراوي عن أبي جعفر الثاني عليه السلام ... و قد أكثر النقل عنه ابن طاوس في كتاب «الطرف من الأنباء «4»».
كل هذه التصريحات تدل بما لا يقبل الشك على نسبة كتاب «الوصية» إلى عيسى بن المستفاد، و أقوى دليل على ذلك وصول جل مطالب الكتاب عن طريق نقل ابن طاوس رحمه الله في كتاب الطرف، بل و وصوله إلى العلامة المجلسي بأسانيد جمة، و هذا كاف في الاطلاع على مطالب كتاب الوصية و خصائصه، و ما نقل فيه من مطالب لم ينقلها مصدر آخر في باب الإمامة و الوصية.
و أما ما تضمنته بعض العبائر السالفة في حال الكتاب و راويه، فسيأتي البحث عنه بشي‏ء من التفصيل، بما يثبت الاعتماد على الكتاب و رواياته، كما يثبت مرتبة من الوثاقة لراويه؛ عيسى بن المستفاد.
______________________________
(1). مرآة العقول (ج 3؛ 193)
(2). بحار الانوار (ج 22؛ 495)
(3). أحسن التراجم (ج 1؛ 448، 449)
(4). الذريعة (ج 25؛ 103)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 70
ابن المستفاد و كتاب الوصية في ميزان النقد الرجالي‏
لقد مرت في ثنايا الكلام بعض أقوال الرجاليين- المتقدمين منهم و المتأخرين- في مقدار الاعتماد على عيسى بن المستفاد، و كتاب الوصية، مضافا إلى أقوال آخرين، مثل قول المامقاني: «و كيفما كان فالرجل ضعيف‏ «1»»، و قول المجلسي:
«عيسى بن المستفاد البجلي الضرير، ضعيف‏ «2»»، و عد ابن داود عيسى بن المستفاد تارة في القسم الأول من رجاله، و الذي عقده لذكر أسماء الثقات و المعتمدين، و تارة في القسم الثاني الذي عقده لذكر أسماء الضعفاء و المتروكين من الرجال، إلى غيرها من كلمات الرجاليين و الأعلام.
و من خلال تتبع كلماتهم كلها، وجدنا أن الأقوال جميعا لا تتعدى قولي النجاشى و ابن الغضائري، و أما الكشي، فإنه لم يذكر عيسى و لا كتابه، و اكتفى الشيخ الطوسي بذكره و ذكر كتابه و أنه يرويه عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان، و لم يتعرض له بمدح و لا قدح.
و كيفما كان، فإنه لا بد هنا من التعرض لعدة مباحث لبيان و كشف الحال عن عيسى و كتابه «كتاب الوصية».
البحث الأول: في قيمة تضعيفات و توثيقات المتأخرين‏
قد تقرر في محله من علم الرجال، أن قول المتأخرين من الرجاليين جرحا أو تعديلا ليس حجة على الغير، بخلافه عند المتقدمين- و يقصد من المتقدمين، الطوسي و النجاشي و ابن الغضائري و الكشي و من سبقهم، و يقصد بالمتأخرين من جاء بعدهم-.
______________________________
(1). تنقيح المقال (ج 2؛ 363)
(2). رجال المجلسي (276/ الترجمه 1387) و لا يخفى أنه ليس صاحب البحار



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 71
ثم إن المتقدمين يعد قولهم حجة على الغير، فضلا عن كونه حجة على أنفسهم؛ و ذلك لأن حكمهم على الرواة غالبا ما يكون عن حس و قطع و يقين، أو عن اطمئنان متاخم للعلم؛ لقربهم من عصر الرواة و النص و المعصوم، و عليه فيستبعد منهم الاجتهاد في الحكم على الرواة إلا ما ندر؛ لأن الاجتهاد سيكون مقابل الأمور المحسوسة، و هذا تحصيل للحاصل على أحسن التقادير، و على التقادير الأخرى مناف للحكمة؛ لأنه سيكون كالاجتهاد في مقابل النص، و هذا من مثلهم بعيد جدا.
و أما المتأخرون، فإنهم لما ابتعدوا عن عصر الرواة- و لم تصل إليهم التوثيقات و التضعيفات يدا بيد و لسانا عن لسان، كما هو عليه عند المتقدمين- احتاجوا إلى إعمال النظر في الحكم على الرواة، و بما أن الأنظار و الاجتهادات مختلفة باختلاف الدلائل المتوصل إليها و العقول، صار من البديهي أن الحكم الصادر عنهم في الرواة حجة على أنفسهم فقط.
و عليه، فالعمدة مما حكم به على عيسى بن المستفاد، هو ما حكي عن ابن الغضائري و ما قاله النجاشي من المتقدمين لا غير، و أما العلامة و ابن داود و من تأخر عنهم، فهم من المتأخرين و لا حجة لهم علينا، فلا يلزم اتباعهم في مواطن الاجتهادات، كما اتضح لك فيما تقدم.
أضف إلى ذلك، أن تضعيفات المتأخرين لعيسى بن المستفاد لا تورث الاعتماد عليها؛ لأنك لو لاحظت أقوالهم، لوجدت أنها عبارات مجترة عن النجاشي، و زاد عليهم العلامة بذكره عبارة ابن الغضائري، حتى أن المامقاني عد العلامة ممن ضعفه، مع أنه لم يذكر في الخلاصة غير عبارة النجاشي و ابن الغضائري، و هما غير ناهضتين بالمدعى كما ستعلم.
البحث الثاني: في تعيين دائرة الاعتماد على تضعيفات ابن الغضائري و القميين‏



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 72
تردد أكثر أصحابنا في تعيين مدى الاعتماد على تضعيفات القميين و ابن الغضائري خصوصا، و القدماء عموما؛ و ذلك لأعمية الضعف عندهم عما هو عليه عند المتأخرين، فهم يطلقون الضعيف على من يروي عن الضعفاء، أو يعتمد المراسيل، أو من كان سيئ الضبط، أو قليل الحافظة، أو لتخالفه معهم في بعض الجزئيات العقائدية التي لا تعد من أصول الاعتقادات، كما لو اعتقد الراوي أن للأئمة عليهم السلام مقامات غير التي يعتقدها القميون و ابن الغضائري؛ كنفي السهو عنهم عليهم السلام، و غير ذلك من المراتب الثابتة لهم بالبراهين القطعية التي قد تسالم الشيعة قديما و حديثا على ثبوتها لهم، سوى من شذ منهم، إلى غير ذلك مما عدوا به الراوي ضعيفا، مع أن هذا مخالف للإجماع العملي لسيرة الرجاليين الباقين من الشيعة.
فالراوي حتى مع فرض بعض هذه الأوصاف، يبقى ثقة في نفسه؛ فإن من يروي عن الضعفاء تكون مروياته ضعيفة باعتبار روايته عن الضعفاء فقط، و لا يتعداه إلى معنى آخر للضعف، و هذا مسلم، لكن لا باعتبار القدح في عدالته كما هو واضح، و شاهد ذلك أن أهل الدراية يقولون: «ثقة إلا أنه يروي عن الضعفاء»، و كذا حال الأوصاف الباقية التي يقولون فيها مثلا: «صدوق سيئ الحفظ»، و «صدوق قليل الضبط»، و لا يقولون: «ضعيف»، بقول مطلق، بل إنهم يقولون مثلا: «ضعيف في الحديث»، و يريدون بذلك قلة الحفظ و كثرة الوهم و غير ذلك.
و عليه، فالضعف عندهم عام، فهو يشتمل على الذم و الجرح، و بين المعنيين فرق كبير «1»، فالذم يطلق على الراوي لو كان سيئ الحفظ، أو قليل الإتقان، أو كثير الوهم، أو يروي عن الضعفاء، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا توجب مساسا في عدالته، و أما الجرح؛ فيطلق على الراوي الفاسق أو المبتدع أو الكاذب، إلى غير ذلك من الأوصاف التي تقتضي عدم عدالته، نعم، قد يستعمل- نادرا-
______________________________
(1). انظر مقباس الهداية (ج 2؛ 297، 306)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 73
أحد المصطلحين بدل الآخر عند المتأخرين، و لكنه يحدد بالقرائن اللفظية و السياق، و هذا أمره هين.
و لأجل ذلك، لا يسوغ لنا أن نعتبر تضعيف ابن الغضائري لعيسى بن المستفاد، إذ لعله لأحد الأمور التي ذكرناها، و يشهد له أن ابن المستفاد كان ضريرا، مما يعسر عليه غالبا ضبط مدوناته التي منها كتاب الوصية، فمن الممكن أن يكون تضعيف ابن الغضائري لهذه العلة، أو لأن في كتاب الوصية من المقامات للرسول صلى الله عليه و آله و لأمير المؤمنين و الزهراء و الأئمة عليهم السلام ما لا يرتضيه ابن الغضائري، أو لغير ذلك من موجبات تضعيفاتهم التي لا يمكن الاعتماد عليها؛ لما مر توضيحه في الجملة.
و قد صرح الرجاليون- بعد البحث و التمحيص- بحقيقة ما قلناه من ترددهم و عدم اعتدادهم بتضعيفات القميين و ابن الغضائري، و إليك بعض تصريحاتهم بذلك:
قال أبو علي الحائري: «لا يخفى أن كثيرا من القدماء- سيما القميين و ابن الغضائري- كانت لهم اعتقادات خاصة في الائمة عليهم السلام بحسب اجتهادهم لا يجوز التعدي عنها، و يسمون التعدي عنها غلوا و ارتفاعا، حتى أنهم جعلوا مثل نفي السهو عن النبي صلى الله عليه و آله غلوا، بل ربما جعلوا التفويض المختلف فيه إليهم، أو نقل خوارق العادات عنهم، أو الإغراق في جلالتهم، و ذكر علمهم بمكنونات السماء و الأرض، ارتفاعا أو مورثا للتهمة «1»».
و قال أيضا: «و بالجملة، الظاهر أن القدماء كانوا مختلفين في المسائل الأصولية، فربما كان الشي‏ء عند بعضهم فاسدا أو كفرا أو غلوا، و عند آخرين عدمه، بل مما يجب الاعتقاد به، فينبغي التأمل في جرحهم بأمثال هذه الأمور المذكورة «2»».
و قال الغروي في «الفصول» في معرض تعداد ألفاظ الذم: «و منها قولهم:
______________________________
(1). منتهى المقال (ج 1؛ 77)
(2). منتهى المقال (ج 1؛ 77)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 74
ضعيف، أو ضعيف الحديث، و هو غير صريح في التفسيق؛ لجواز أن يكون التضعيف من جهة الاعتماد على المراسيل، كما هو الظاهر من الأخير، و لو صرح بذلك لم يقدح قطعا، و إن عده بعضهم قادحا، كما عن كثير من القميين‏ «1»».
و قال المجلسي في «روضة المتقين»: «بل الحكم بالضعف ليس بجرح، فإن العادل الذي لا يكون ضابطا يقال له: إنه ضعيف، أي ليس قوة حديثه كقوة الثقة، فلذا تراهم يطلقون الضعيف على من يروي عن الضعفاء و يرسل الأخبار «2»».
و قال الوحيد البهبهاني: «بل و ربما كانت مثل الرواية بالمعنى و نظائرها سببا [أي للتضعيف‏]، و لعل من أسباب الضعف عندهم قلة الحافظة و سوء الضبط، و الرواية من غير إجازة، و الرواية عمن لم يلقه، و اضطراب ألفاظ الرواية ... و كذا نسبة الغلو عندهم، حتى تراهم أن نفي السهو عنهم عليهم السلام غلو، بل ربما جعلوا نسبة مطلق التفويض إليهم، أو المختلف فيه، أو الإغراق في تعظيمهم، و رواية المعجزات عنهم و خوارق العادات لهم، أو المبالغة في تنزيههم من النقائص، و إظهار سعة قدرتهم، و إحاطة العلم بمكنونات الغيب في السماء و الأرض، ارتفاعا موجبا للتهمة «3»».
و قال صاحب «نهاية الدراية»: «فينبغي التأمل في جرح القدماء بأمثال هذه الأمور، و من لحظ موقع قدحهم في كثير من المشاهير؛ كيونس بن عبد الرحمن، و محمد بن سنان، و المفضل بن عمر، و معلى بن خنيس، و سهل بن زياد، و نصر ابن الصباح، عرف أنهم قشريون كما ذكرنا «4»».
و قال المامقاني: «و كما أن تصحيحهم غير مقصور على العدالة، فكذا تضعيفهم غير مقصور على الفسق‏ «5»».
______________________________
(1). الفصول الغروية (304) و انظر منتهى المقال (الهامش ج 1؛ 113)
(2). روضة المتقين (ج 14؛ 396)
(3). الفوائد البهبهانية (8) [ذيل رجال الخاقاني (37)] و انظر مقباس الهداية (الهامش ج 2؛ 297)
(4). نهاية الدراية (168)
(5). مقباس الهداية (ج 2؛ 297)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 75
و قال الشيخ محمد رضا المامقاني- حفيد المامقاني الكبير-: و «الحاصل، أن تضعيفهم ليس بقادح، عكس مدحهم، و الضعف عندهم أعم من الضعف في الحديث أو المحدث‏ «1»».
و قال الكاظمي: «... فقد بان أن التضعيف في الاصطلاح القديم أعم منه في الحديث‏ «2»».
و قال التستري: «اشتهر في عصر المجلسي بعدم العبرة بكتاب ابن الغضائري لأنه يتسرع في طعن الأجلة «3»، و كذا في عصر المتأخرين‏ «4»».
و قال المجلسي: «إن ابن عيسى [يعني أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري‏] أخرج جماعه من قم باعتبار روايتهم عن الضعفاء، و إيرادهم المراسيل، و كان ذلك اجتهادا منه، و الظاهر خطئه، لكن كان رئيس قم‏ «5»».
إلى غير ذلك من الأقوال، التي إذا تأملتها تجدها متحدة المعنى و المضمون.
و الذي يزيدنا إصرارا على عدم اعتبار تضعيف ابن الغضائري، أنه- كما مر عليك- يضعف لأجل الرواية في بعض مراتب الأئمة و مقاماتهم التي لا يعتقدها هو، و نحن نقطع أن بعض مرويات عيسى بن المستفاد في كتاب الوصية- و التي تذكر علو منازل المعصومين عليهم السلام- تكون دليلا قويا لابن الغضائري و القميين للحكم على ابن المستفاد بكونه ضعيفا أو غاليا أو مفوضا، مع أنها في الواقع من أصول اعتقادات الشيعة المسلمة قديما و حديثا.
و مما يورثنا قناعة أكثر بما نقول، أن جل مضامين كتاب عيسى بن المستفاد-
______________________________
(1). مقباس الهداية (الهامش ج 2؛ 297)
(2). عدة الرجال (ج 1؛ 154)
(3). قاموس الرجال (ج 1؛ 55)
(4). قاموس الرجال (ج 1؛ 67)
(5). روضة المتقين (ج 14؛ 261) و انظر عدة الرجال (ج 1؛ 156)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 76
إن لم نقل كلها- وجدناها معتبرة في كتب الأعاظم، كالكليني و المفيد و السيد المرتضى و العياشي و الطوسي و غيرهم، بل و حتى الصدوق من القميين.
و الذي يلفت النظر، أن عيسى بن المستفاد لا توجد له مرويات في كتب الحديث الشيعية كالكافي و الفقيه و الاستبصار و التهذيب، إلا ما يتعلق بمطالب كتاب الوصية، و ما يوضح مقامات الأئمة السامية، و مع هذا يرجح رجحانا كبيرا، بل يكاد ينحصر سبب تضعيف ابن الغضائري لعيسى بهذه الجهة التي لا تصح دليلا على التضعيف كما عرفت.
هذا كله إذا سلمنا بنسبة كتاب «رجال ابن الغضائري» إليه، أو إلى أبيه، فإنه قد وقع موقع الشك، و قد نفى نسبة الكتاب إليهما بالكلية بعض الأعلام، كالسيد الخوئي، حيث قال: «و المتحصل من ذلك أن الكتاب المنسوب لابن الغضائري لم يثبت، بل جزم بعضهم بأنه موضوع، وضعه بعض المخالفين و نسبه إلى ابن الغضائري‏ «1»»، على أنه قد صرح الكاظمي و غيره أن ابن الغضائري مجهول الحال، فقال: «و هو مجهول الحال لا يعرف مقامه، و ليس هو شيخ المشايخ، كما نص عليه غير واحد من أهل هذا الشأن‏ «2»».
البحث الثالث: في مقدار دلالة قول النجاشي «لم يكن بذاك»
لا يخفى أن هناك ألفاظا اصطلح عليها أهل الدراية في ذم من يستحق الذم من الرواة، و تلك الألفاظ متفاوتة الدلالة على مقدار الذم المقصود.
و مرجع هذا التفاوت، هو الصفات المذمومة التي يتلبس بها الراوي، شدة
______________________________
(1). معجم رجال الحديث (ج 1؛ 96) و انظر مقدمة رجال المجلسي (29، 30) لعبد الله السبزالي‏
(2). عدة الرجال (ج 1؛ 419)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 77
و ضعفا، و لأجل ذلك أنهى بعض الأعلام مراتب الذم إلى عشر مراتب، و سماها بطبقات المجروحين، و هذه المراتب العشر «1»- لو قلنا بها- لا تدل كلها على الجرح و القدح في العدالة، بل بعضها الأقل هو الذي يدل على ذلك.
و من هنا قسمت مجموعة أوصاف مراتب الذم- سواء كانت عشرا أو أقل أو أكثر- إلى ثلاثة أقسام، باعتبار اجتماعها مع العدالة و عدمه، و هي:
القسم الأول: و هي الأوصاف الشديدة التي لا يمكن تصور اجتماعها مع العدالة في الراوي، فوصف الوضاع و الكاذب و الفاسق و المبتدع و الناصبي، يدل دلالة ذاتية على سقوط العدالة بجميع مراتبها، مما لا يدع مجالا لفرض اجتماع الفسق و العدالة، أو النصب و العدالة، أو الكذب و العدالة ...، إلى غيرها من الأوصاف المتباينة التي لا يمكن اجتماعها في الراوي الواحد، إذ النسبة بين وصف العدالة و أحد هذه الأوصاف الدالة على الجرح، هي نسبة التباين الكلي كما لا يخفى.
القسم الثاني: و تدخل فيه الأوصاف التي وقع النزاع في دلالتها على القدح و الجرح في العدالة، كقولهم: متروك، ساقط، واهي، ليس بمرضي، و نحو ذلك، فإن مما لا خلاف فيه أن هذه الألفاظ في نفسها تفيد ذما، إلا أن الخلاف وقع في إفادتها القدح أو الجرح.
و قد حكى المامقاني في «المقباس» «2»، عن الشهيد في «البداية» «3»، أنه ذهب إلى عدها من ألفاظ الجرح، و في ثبوت ذهاب الشهيد إلى ذلك تأمل، وجهه؛ أن بعض نسخ البداية غير معنونة بألفاظ الجرح، و لعل عنونة الجرح في النسخ الباقية من زيادات الشراح، فلا يقين في البين، فتدبر «4».
______________________________
(1). انظر مستدركات مقباس الهداية (ج 6؛ 199/ المستدرك 197)
(2). مقباس الهداية (ج 2؛ 301)
(3). بداية الدراية (79، 80)
(4). انظر مقباس الهداية (الهامش ج 2؛ 301)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 78
القسم الثالث: و هي الأوصاف التي تجتمع مع بعض مراتب العدالة، كقولهم:
ليس بذاك، أو ليس بذلك، أو لم يكن بذاك، و غيرها من الألفاظ و الأوصاف التي لا دلالة لها على الجرح في جميع مراتب عدالة الراوي، هذا فضلا عن أننا لم نعثر على قائل به، أضف إلى ذلك أن إفادة هذه الأوصاف ذما، قد تأمل به كثير من علماء الطائفة، بل و استشعروا من هذه الأوصاف المدح للراوي أيضا، و إليك بعض أقوالهم:
قال الكاظمي رحمه الله: «و كذا قولهم: ليس بذاك، فإنه ربما عد قدحا، و أنت تعلم أنه أكثر ما يستعمل في نفي المرتبة العليا، كما يقال: ليس بذاك الثقة، و ليس بذاك الوجه، و ليس بذاك البعيد، فكأن فيه نوع مدح‏ «1»».
و قال الأسترآبادي: «و منها قولهم: ليس بذاك، و قد أخذه خالي ذما، و لا يخلو من تأمل: لاحتمال أن يراد أنه ليس بحيث يوثق به وثوقا تاما، و إن كان فيه وثوق، من قبيل قولهم: ليس بذاك الثقة، و لعل هذا هو الظاهر، فيشعر بنوع مدح، فتأمل‏ «2»».
و حكى الوحيد عن جده المجلسي الأول عد قولهم: ليس بذاك، ذما، ثم قال:
«و لا يخلو من تأمل؛ لاحتمال أن يراد أنه ليس بحيث يوثق به وثوقا تاما، و إن كان فيه نوع من وثوق، من قبيل قولهم: ليس بذاك الثقة، و لعل هذا هو الظاهر، فيشعر بنوع مدح، فتأمل‏ «3»».
و قال صاحب «شعب المقال»: «بل لا يبعد دلالة ذلك على نوع مدح؛ يعني ليس بحيث يوثق به وثوقا تاما، و إن كان فيه وثوق بالجملة «4»».
و قال صاحب «توضيح المقال»: «و لعله لذا لم يذهب ذاهب هنا إلى إفادتها القدح في العدالة «5»».
______________________________
(1). عدة الرجال (ج 1؛ 64)
(2). منهج المقال [حجري (9)]
(3). مقباس الهداية (ج 2؛ 301) و الفوائد البهبهانية (9)
(4). شعب المقال (30) و انظر هامش مقباس الهداية (ج 2؛ 302)
(5). توضيح المقال (43)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 79
و قال المامقاني: «و أما قولهم: ليس بذلك الثقة، و ... نحوه، فلا يخلو من إشعار مدح ما، فتدبر «1»».
و قال أبو علي الحائري- في معرض تعداد أسباب الذم-: «و منها قولهم: ليس بذاك، عند خالي رحمه الله، و لا يخلو من تأمل؛ لاحتمال أن يراد «ليس بحيث يوثق به وثوقا تاما» و إن كان فيه نوع وثوق؛ كقولهم: ليس بذاك الثقة، و لعل هذا هو الظاهر، فيشعر إلى نوع مدح‏ «2»».
و ما أفاده «قده» هنا جاء على وجه الاحتمال، و لكنه «قده» قطع في ترجمة أبي العباس أحمد بن علي الرازي، بأن دلالة قولهم في حقه: لم يكن بذاك، أقرب إلى المدح منها إلى الذم؛ فقال:
«... هذا و دلالة قولهم: لم يكن بذاك الثقة، أو لم يكن بذاك، على المدح أقرب منه إلى الذم‏ «3»».
و قال الغروي في «الفصول»: «و منها قولهم: ليس بذاك، و عده البعض مدحا، و هو يبتني على أن المراد «ليس بحيث يوثق به وثوقا تاما»، و هو أقرب‏ «4»».
و قال الشيخ محمد رضا المامقاني: «و في قولهم: ليس بذاك، و ليس بشي‏ء، تأمل، إذ لعل المراد ليس بذاك الثقة العظيم، أو ليس بشي‏ء مهم، و غير ذلك‏ «5»».
إلى غيرها من الأقوال التي تدل في مجموعها دلالة صريحة على ثبوت المدح بنحو ما للراوي، و لا يذهب عليك أن استشعار المدح من مثل أقوالهم هذه، يلزم منه عدم اجتماع وصف «ليس بذاك» مع أعلى مراتب العدالة في نفس الراوي؛ لأن قولهم:
______________________________
(1). مقباس الهداية (ج 2؛ 302)
(2). منتهى المقال (ج 1؛ 115)
(3). منتهى المقال (ج 1؛ 286)
(4). الفصول الغروية (304) و منتهى المقال (ج 1؛ 115)
(5). مقباس الهداية (الهامش ج 2؛ 295)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 80
ليس بذاك، يدل دلالة ذاتية على نفي أعلى مراتب العدالة، و قد تقدم عليك قولهم في معرض شرح هذا الوصف أنه «ليس بذلك الثقة العظيم»، نعم، تجتمع مع مراتب العدالة الباقية دون أعلى مراتبها، و هذا واضح.
و عليه، و بعد ما تقدم من عدم اعتبار تضعيفات المتأخرين؛ لكونها اجتهادية محضة غالبا، و عدم الاعتداد بتضعيفات ابن الغضائري؛ لما قدمنا من أنه يتعرض حتى للأجلة بالذم و الجرح، كيونس بن عبد الرحمن الذي هو أشهر من الشهرة في العدالة؛ فضلا عن أعمية الضعف عنده مما هو عليه عند المحققين المتأخرين، و لما تحقق في محله من أن قول النجاشي في عيسى «لم يكن بذاك» يشعر بنوع مدح.
من كل ذلك نستنتج أن عيسى بن المستفاد إمامي ممدوح بدلالة الالتزام من صريح الأقوال المتقدمة على أقل تقدير، و إلا فعلى التقدير الحسن هو ممدوح بالألفاظ القريبة من الصراحة؛ لما علمت من أن قولهم: «لم يكن بذاك» يساوي قولهم: «لم يكن بذاك الثقة العظيم».
و لا يفوتنا أن نشير إلى أن ابن داود، قد ذكر ابن المستفاد في القسمين من رجاله، و لعل الذي حدا به إلى هذا، هو استشعاره المدح من قول النجاشي، فذكره في القسم الأول من رجاله الذي ذكر فيه الثقات و المعتمدين، و باعتبار عدم صراحة العبارة في المدح؛ ذكره في القسم الثاني من رجاله الذي ذكر فيه الضعفاء و المتروكين.
البحث الرابع؛ و فيه عدة مطالب:
المطلب الأول: في أسانيد العلماء و المحدثين إلى كتاب الوصية
. قد مرت عليك تصريحات القوم التي تورث العلم الضروري بوجود الكتاب فضلا عن نسبته إلى مصنفه؛ و عليه؛ فالبحث عنه من هذه الجهة تحصيل للحاصل.
و لا يخفى أن ديدن العلماء عموما، و المحدثين منهم خصوصا- المتقدمين‏



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 81
و المتأخرين- إلى وقت ليس بالبعيد عنا، هو رواية كل كتاب أو مصنف أو أصل- ألفه أصحاب الأئمة عليهم السلام أو غيرهم بأسانيد و طرق، أعلاها المصنف عن الإمام عليه السلام- كما هو الحال في كتاب الوصية- و أدناها من وصلت إليه تلك الكتب عبر تلك الأسانيد.
و معلوم أن أجود ما صنف و ألف هو الأصول الأربعمائة، مع أصول أخرى معتبرة أيضا، و هي عمدة التراث الشيعي حتى يومنا هذا؛ و لأجل ذلك تصدى المحدثون من حفظة الشريعة المحمدية- على صاحبها و آله أفضل الصلاة و السلام- إلى جمع أحاديثها و ترتيب أبوابها، لإخراجها بشكل منظم و بتصنيف آخر سهل المتناول.
و ما الكافي و التهذيبان و الفقيه إلا مظهر آخر لتلك الأصول المستفاد عن الأئمة عليهم السلام، لكن بمنهج و جمع ثان لمواضيعها، مع ملاحظة أن الكليني و الطوسي و الصدوق؛ كل منهم قد أخرج من الأصول ما يعتقده أنه حجة بينه و بين ربه، أو أنه الذي عليه العمل و غير ذلك، و سيأتي توضيح ما يتعلق بالبحث من هذه الأقوال.
و على كل حال، فكتاب عيسى بن المستفاد من الكتب أو الأصول المعتمدة و المعتبرة- كما سيأتي بسط الكلام فيه- التي وصلت إلى أجلة علماء الطائفة الناجية، كالكليني و السيد الرضي و الطوسي و النجاشي و ابن طاوس و المجلسي و غيرهم.
و لأجل ذلك، رأينا أن نتوسع بعض التوسع و نطلق عنان القلم بالحديث عن أسانيدهم إلى كتاب الوصية، فنقول:
أما الشيخ الطوسي: فلم نقف بالتفصيل على أسماء و أحوال رواة طريقه إلى كتاب الوصية، سوى أنه صرح في الفهرست بأن عيسى بن المستفاد له كتاب رواه عبيد الله بن عبد الله الدهقان عنه‏ «1».
______________________________
(1). الفهرست (107)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 82
و قد صرح بضعف هذا الطريق النوري في «خاتمة المستدرك» «1»، و الخوئي في «المعجم‏ «2»».
و الذي يغلب على الظن- لما سيأتي من أدلة- أن علة ضعف الطريق هو ضعف عبيد الله بن عبد الله الدهقان، الذي صرح بضعفه النجاشي‏ «3» و العلامة «4» و المجلسي‏ «5» و غيرهم، و ذلك لأن طرق الشيخ في «التهذيب» و غيره إلى الدهقان كلها صحيحة إلا واحدا؛ لوقوع ابن أبي جيد فيه، و الأخير قد استظهرت طائفة من العلماء وثاقته‏ «6»، فراجع.
و أما طرق الشيخ إلى ابن الدهقان فإنها، وفق التتبع كلها صحيحة؛ ففي «التهذيب» طريقه إليه صحيح في باب ارتباط الخيل‏ «7»، و صحيح في باب فضل التجارة «8»، و صحيح في كتاب المكاسب‏ «9»، و صحيح في باب الذبائح و الأطعمة «10».
و في «الاستبصار» صحيح في باب ما كره من أنواع المعايش‏ «11».
و هناك طريق آخر في «الفهرست»، ذكره بقوله: «عبيد الله بن عبد الله الدهقان:
له كتاب، رواه لنا ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن‏
______________________________
(1). خاتمة مستدرك الوسائل (ج 6؛ 206) و انظر تعليقة المحقق‏
(2). معجم رجال الحديث (ج 14؛ 224)
(3). رجال النجاشي (231)
(4). رجال العلامة [الخلاصة (245)]
(5). رجال المجلسي (109)
(6). انظر معجم رجال الحديث (ج 12؛ 84)
(7). التهذيب (ج 6؛ 165/ 309)
(8). التهذيب (ج 7؛ 13/ 56)
(9). التهذيب (ج 6؛ 362/ 159)
(10). التهذيب (ج 9؛ 74/ 314)
(11). الاستبصار (ج 3؛ 13/ 209)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 83
محمد بن عيسى بن عبيد، عنه‏ «1»»، و هذا الطريق أيضا صحيح بناء على وثاقة ابن أبي جيد.
هذه هي طرق الشيخ إلى الدهقان، و هي كلها صحيحة، و بناء على ذلك، فطريق الشيخ إلى كتاب الوصية لا خدشة فيه إلا ما كان من تضعيف الدهقان، و ليس من البعيد أن ندعي هنا أيضا أن تضعيف الرجاليين للدهقان، له نفس مناشئ تضعيف عيسى بن المستفاد، و هي رواية تلك الفضائل العظيمة و المنازل الرفيعة، و المقامات العالية للأئمة عليهم السلام أو غيرها من الوجوه التي لا تصلح للتضعيف، و قد مرت عليك تصريحات العلماء، بأن الضعف عند القدماء أعم من الضعف في الحديث أو المحدث، و مر عليك أيضا أن الضعف في الحديث قد يكون سببه الفهم العقائدي الخاص نحو الأئمة عليهم السلام، و لنعم ما قيل في الفوائد: «كما أن تصحيحهم غير مقصور على العدالة، فكذا تضعيفهم غير مقصور على الفسق»، و هذا كله بحثناه آنفا.
فمن المحتمل ان ندعي اعتبار طريق الشيخ إلى هذا الكتاب، خصوصا لو علمنا أن القدماء لم نقف لهم على تضعيف للدهقان بشكل مفسر مبين، فلم يقولوا عنه مثلا:
كاذب فاسق، أو غير ذلك من التجريحات الواضحة المفسرة، هذا من جهة؛ و من جهة أخرى أنه قد تقدم عليك أن المعتبر من أقوال الرجاليين هو قول القدماء لا المتأخرين، و قد بينا سبب ذلك، و على أي حال، فلم يضعفه أحد من القدماء سوى النجاشي فلاحظ!.
و أما الكليني: فلم نجد له طريقا إلى كل كتاب الوصية بشكل واضح لا كلام فيه؛ لأنه «قده» روى في الكافي عن عيسى بن المستفاد بعض مطالب الكتاب المتقدم بهذا السند، و هو: «الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن الحارث بن جعفر، عن علي بن إسماعيل بن يقطين، عن عيسى بن المستفاد
______________________________
(1). الفهرست (107)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 84
- أبي موسى الضرير- قال: حدثني موسى بن جعفر عليهما السلام ...» الحديث‏ «1».
و ما رواه ابن طاوس في «الطرف» عن كتاب «الوصية»، هو عين ما رواه الكليني بطريقه إلى الكتاب، سوى أن ابن طاوس لم يذكر صدر الرواية التي ذكرها الكليني، و كذلك فرق ابن طاوس رواية الكافي إلى طرفتين، و هما الطرفة (14) و الطرفة (18).
و الذي ينبغي إيضاحه هنا، هو أن الكليني لم يصرح بأن له سندا و طريقا إلى كل كتاب الوصية، و مع ذلك؛ فهل يمكن تعميم سنده لبعض مطالب كتاب الوصية، إلى كل الكتاب؟ أم يجب الاقتصار على القدر المتيقن، و هو الرواية أعلاه؟!.
قد يقال للوهلة الأولى بعدم إمكان التعميم؛ لأن الكليني لم يذكر أنه روى كل الكتاب بهذا السند، و عليه فالتعميم سوف يكون تخرصا و رجما بالغيب؛ لعدم الدليل أو القرينة عليه!.
لكن النظرة التحقيقية التحليلية قد تؤدي إلى إمكانية التعميم لعدة قرائن:
الأولى: إن المحدثين، و بخاصة المحمدين الثلاثة منهم- أصحاب الكتب الحديثية الأربعة- لو تتبعنا أسانيدهم و طرقهم إلى أصحاب الأصول، لوجدناها- على الأغلب الأكثر- لا تتعدى الطريق و السند الواحد إلى كل كتاب، و عليك بمراجعة مشيخة كل من الكافي و الفقيه و التهذيبين لتتحقق من صدق هذه الدعوى.
الثانية: لو تتبعنا مشيخة كل من الكتب الأربعة، لوجدنا أيضا أن المحمدين إنما يروون الأصل أو الكتاب بطريق و سند واحد لكل الكتاب، لا أنهم يروون كل جزء من أجزاء الكتاب، أو فصل من فصوله، أو باب من أبوابه، بطريق خاص به، فهذا ما لم نعهده عنهم، فلو افترضنا تعدد طرق بعض المحدثين لبعض الأصول، فلا يعني هذا اختصاص كل طريق ببعض أجزاء الكتاب أو فصوله، بل تكون كل الطرق إلى كل الأصل.
______________________________
(1). الكافي (ج 1؛ 281)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 85
الثالثة: لو تأملنا كتاب «الطرف» و تأملنا صغره باعتبار كمية المرويات و المتون التي يتضمنها، و قارناها بكتاب «الوصية» الذي يتضمن كتاب «الطرف» جل مطالبه- إن لم نقل كلها- و كذلك لو تأملنا موضوع الكتاب و أن موضوعه هو الوصية، و أن كل مطالبه تنصب عليها، فهي مرتبطة بعضها مع البعض الآخر بنحو ارتباط؛ فتغسيل علي عليه السلام النبي صلى الله عليه و آله و تكفينه، و أنه أبو سيدي شباب أهل الجنة، و أنه فتح له ألف باب من العلم، و أنه جمع القرآن، و أنه صاحب الصحيفة، و غير ذلك، إنما هي قضايا كلها تصب فيما يتعلق بالوصية، فلو تأملنا كل هذه الجوانب حق لنا أن نستبعد أن يكون للكليني «قده» طريق إلى بعضه، لاستبعاد أن يكون مقسما إلى أبواب أو فصول، و يؤيده أن الكتاب ليس كبير الحجم ليضم بين دفتيه مرويات كثيرة، لأننا نحتمل قويا أنه أصغر من كتاب «الطرف»، أو مثله على أحسن الاحتمالات.
و عليه، فلو احتملنا التعميم، فهو احتمال ليس بعيدا من الصواب؛ لما تقدم من القرائن و ما سيأتي.
الرابعة: لو كان للكليني طريق آخر لكتاب «الوصية» أو لبعضه، لذكره كما هو دأبه في ذلك، و حيث لم يذكر طريقا آخر، انحصر طريقه إلى كتاب «الوصية» بالطريق المذكور في «الكافي»، و من كل هذا نستظهر أن السند المذكور هو سند الكليني إلى كل كتاب «الوصية»، و هذا السند معتبر كما سيأتي.
الخامسة: و الذي يزيدنا وثوقا بما ادعيناه آنفا، أن البياضي في «الصراط المستقيم» عد جميع طرف ابن طاوس خبرا واحدا، باعتبار أن جميع ما في «الطرف» يصب في ما يتعلق بموضوع الوصية من نص النبي صلى الله عليه و آله على أمير المؤمنين عليه السلام بالوصية و خلافة الأمة، و من نصوص اخرى عنه صلى الله عليه و آله، هي عرض مؤهلات الإمام على عليه السلام، و زيادة إيضاحها و بيانها، و إليك قول البياضي و هو: «...
لقد رأيت ثلاثا و ثلاثين طرفة في الوصية المذكورة، نقلها الإمام السيد ابن طاوس‏



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 86
«رضي الله عنه» في خبر مفرد، سأضع محصلها في هذا الباب ليهتدي به أولو الالباب‏ «1»».
و قد وفى بوعده «قده» في الفصل «17» «2» من كتاب «الصراط المستقيم»، و ذكر في هذا الفصل ما يساوي أكثر من نصف مضامين كتاب «الطرف».
و في قوله المتقدم «خبر مفرد» دلالة على أن كتاب، «الطرف» كله عبارة عن خبر واحد، باعتبار أنه يصب في موضوع واحد و هو الوصية، و هذا الكلام بعينه يسري إلى كتاب «الوصية» لعيسى بن المستفاد من باب أولى؛ فإن نفس كلمة الوصية التي هي عنوان كتاب عيسى تدل على أنه خبر واحد.
و أما النجاشي: فقد مر عليك طريقه إلى عيسى بن المستفاد، و هو ما ذكره «قده» في كتابه كتاب الرجال، و هذا الطريق و إن وصفه النجاشي بأنه طريق مصري فيه اضطراب، إلا أننا لم نقف على أحوال جميع رواة هذا الطريق لخلو كتب الرجال- بل و التراجم- عن بعضهم، و إن أزهر بن بسطام مثلا؛ عثرنا على ترجمته عند الذهبي في ميزانه، حيث قال: «خادم مالك، لا يعرف، و حديثه منكر، و الإسناد إليه ظلمات‏ «3»». و كرر ابن حجر هذه العبارة بعينها في لسان الميزان‏ «4».
و ليس من البعيد أن ندعي أن الظلمات الإسنادية و الأحاديث المنكرة التي عناها الذهبي و ابن حجر هي أن الأزهر أحد رواة كتاب «الوصية» الذي فيه ما فيه بنظر الذهبي و ابن حجر و من لف لفهما.
و بما أننا لم نقف على تفصيل أحوال رواة هذا الطريق، أعني تواريخ مواليدهم و وفياتهم و تحديد طبقتهم و غير ذلك، فمن العسير تشخيص الاضطراب الواقع في السند، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى، فإننا لم نعثر على قول لأحد العلماء يعين‏
______________________________
(1). الصراط المستقيم (ج 2؛ 40/ الفصل 2)
(2). الصراط المستقيم (ج 2؛ 88/ الفصل 17)
(3). ميزان الاعتدال (ج 1؛ 171)
(4). لسان الميزان (ج 1؛ 339)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 87
فيه علة الاضطراب و وجهه، أضف إلى ذلك أنه صرح بقوله: «رواه شيوخنا»، مما يدل على اعتدادهم بالكتاب، و أن علماءنا كانوا يأخذون به و يعتبرونه.
و أما المجلسي: فإن الكتاب كان موجودا عنده سماعا منه عن أشياخه، و حسبنا في معرفة ذلك قوله «قده»: «ولي إليه أسانيد جمة»، و وصف أسانيده «قده» للكتاب بالجمة، يكشف عن تظافرها و أنها تورث الاعتبار عنده كما هو واضح.
و أما السيد ابن طاوس: فقد صرح أنه جمع كتابه «الطرف» من روايات من يعتمد عليهم في الرواية، و هذا يدل على شيئين: الأول: أن له سندا إلى كتاب الوصية، و ذلك لأنه إنما يروي عن عيسى إحدى و ثلاثين طرفة من مجموع ثلاث ثلاثين طرفة، و التي هي جل كتاب الطرف. و الثاني: أنه مدح كل من رواه عنهم مدحا معتدا به؛ حيث قال في معرض تعداد مصنفاته: «و منها كتاب الطرف ...
و رواية من يعتمد عليه‏ «1»».
المطلب الثاني: في مقدار اعتبار العلماء لكتاب الوصية.
لا غرو لو قلنا بأن كتاب «الوصية» كتاب معتبر، لعدة شواهد بل أدلة، و هذه الأدلة لو جمعت بعضها مع البعض الآخر، لأورثت في النفس من الاطمئنان ما يوجب اعتباره و الاعتماد عليه في المجالات العقائدية.
و قد صرح المجلسي، بأنه لا عبرة بتضعيف من ضعف الكتاب، و ذلك لأن له إلى الكتاب أسانيد جمة، و أن الكليني قد اعتبره، و أن السيدين ابن طاوس و الرضي قد اعتمدا عليه‏ «2».
و قد صرح بذلك أيضا و هو في معرض شرحه للحديث الذي رواه الكليني‏
______________________________
(1). كشف المحجة (195)
(2). انظر بحار الأنوار (ج 22؛ 495)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 88
بسنده إلى عيسى بن المستفاد، فقال في «المرآة»: «ضعيف على المشهور، لكنه معتبر، أخذه من كتاب «الوصية» لعيسى بن المستفاد، و هو من الأصول المعتبرة «1»».
فاعتبار الكليني هذا الأصل، قد يقال فيه: أن طريقه و سنده إليه ضعيف؛ لجهالة حال علي بن إسماعيل بن يقطين و الحارث بن جعفر.
و هذا القول و إن كنا نسلمه من هذه الجهة- إن لم نقل باحتمال ورود مبنى العلامة هنا، و الذي يوثق كل إمامي لم يرد فيه مدح و لا قدح- إلا أن للمناقشة فيه مجالا من جهة أخرى، و هي أنه قد تقدم عليك أن تصحيح القدماء غير مقصور على العدالة و الوثاقة، و يدل عليه أن الكليني «قده» قال في مقدمة كافيه: «و يأخذ من يريد علم الدين و العمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام، و السنن القائمة التي عليها العمل، و بها يؤدى فرض الله عز و جل‏ «2»».
و بما أن بعض أحاديث الكافي غير معتبرة من حيث السند، فلا بد أن تحمل عبارة الكليني بأن كل ما أورده آثار صحيحة عن الصادقين عليهم السلام، إما على اللغو و هو محال في حق الكليني، و هو أعلم الناس بهذه الصنعة، و إما أن تحمل على أن جميع ما في الكافي معتبر أو صحيح و لو من غير الجهة السندية، كاجتماع القرائن و تعاضدها حتى أدت إلى صحتها عند الكليني، باعتبار أن تحصيل تلك القرائن في عصر الكليني ممكن جدا، لقربه من عهد النص، و هو المعنى الأقرب لعبارته و الأرجح منها.
و عليه فطريقه إلى عيسى بن المستفاد معتبر بما تقدم من الكلام، و يدل عليه أن المجلسي قد صرح باعتبار هذا الطريق بقوله في «مرآة العقول»: «ضعيف على المشهور، لكنه معتبر، أخذه من كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد، و هو من الأصول المعتبرة» «3».
______________________________
(1). مرآة العقول (ج 3؛ 193)
(2). الكافي (ج 1؛ 8)
(3). مرآة العقول (ج 3؛ 193)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 89
و أما الشريف الرضي: فإنه نقل طرفتين من مطالب الوصية في كتابه «خصائص الأئمة» بسنده عن هارون بن موسى، الثقة الوجه، عن أحمد بن محمد بن عمار العجلي الكوفي، الثقة الجليل، و نقلهما ابن طاوس في طرفه عن كتاب الخصائص، و صرح المجلسي هنا باعتماد الرضي عليه، مما يعني أنه لم ينقل نقلا مجردا دون اعتبار؛ لأن النقل شي‏ء، و الاعتماد و الاعتبار فيما نحن فيه شي‏ء آخر، و يؤيد ذلك أن الثقات الأجلة كانوا قد رووا مضامين كتاب الوصية كما عرفت، مما يعني أنهم هم أيضا اعتبروه و اعتمدوا عليه.
و نضيف إلى اعتماد الكليني و السيدين- الرضي و ابن طاوس- عليه اعتماد المسعودي و اعتباره لمطالب الكتاب، و لا يخفى أن المسعودي من أجلة علماء الشيعة و قدمائهم‏ «1»، فإنه توفي سنة 346 ه، و عاصر الغيبة الصغرى، و قد صرح «قده» بذلك، حيث قال: «و للصاحب عليه السلام منذ ولد إلى هذا الوقت- و هو شهر ربيع الأول سنة 332 ه- ست و سبعون سنة واحد عشر شهرا و نصف شهر «2»».
فالمسعودي نقل بعض مطالب كتاب الوصية باللفظ كاملة و بعضها مختصرة، مما يعني أحد أمرين: إما أن يكون له سند خاص لمطالبه المنقولة و كتاب «الوصية»، أو أنه رواها عمن له سند إلى الكتاب، و إما أن يكون نقل ما نقله عن نفس كتاب «الوصية»، و في كلا الحالتين يستفاد من ذلك اعتماده على الكتاب، و أخذه مصدرا يستقي منه عقائده في الإمامة و الوصية.
______________________________
(1). هو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي الهذلي على ما ذكره العلامة في الخلاصة: 49، و قال صاحب «رياض العلماء» أنه جد الشيخ الطوسي لأمه، كما نقل ذلك في مقدمة اثبات الوصية.
و قال العلامة في «الخلاصة» (49)، انه من أجلة الشيعة الثقات، و من مصنفيهم. و قال صاحب «الرياض»: كان شيخا جليلا مقدما من أصحابنا الإمامية، عاصر الصدوق «رض». و عده المجلسي في «الوجيزة» من الممدوحين. انظر في نقل أقوال العلماء في حقه مقدمة إثبات الوصية.
(2). إثبات الوصية (232)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 90
و ممن اعتمد على كتاب «الوصية» العلامة البياضي المتوفى سنة 877 ه في كتابه «الصراط المستقيم»، حيث قال: «و لقد رأيت ثلاثا و ثلاثين طرفة في الوصية المذكورة، نقلها السيد الإمام ابن طاوس «رض» في خبر مفرد، سأضع محصلها في هذا الباب، ليهتدي به أولو الألباب و لأتيمن بذكرها، و أتقرب إلى الله بنشرها، فإن فيها شفاء لما في الصدور، يعتمد عليها من يريد تحقيق تلك الأمور «1»».
و قد مر عليك مرارا، أن جل مطالب كتاب «الطرف» هي عين مواضيع كتاب «الوصية»، و اعتماد العلامة البياضي على كتاب «الطرف» يقتضي اعتماده على كتاب «الوصية» بالتبع.
و لعمري إن قوله: «ليهتدي به أولو الالباب»، و قوله: «و لأتيمن بذكرها»، و قوله: «لأتقرب إلى الله بنشرها»، و قوله: «فإن فيها شفاء لما في الصدور»، لا يقل صراحة في الاعتماد عن قوله: «يعتمد عليها من يريد تحقيق تلك الأمور».
و الحاصل: أن اعتبار الكليني، و اعتماد السيدين، الرضي و ابن طاوس، و العلامة المسعودي، و العلامة البياضي على الكتاب، يدل على أن الكتاب كان موضع اعتبار العلماء الأجلة قرنا بعد قرن، و أنه ذو قيمة علمية عند المحدثين و الرواة، و يشهد لذلك أن مشايخ النجاشي قد رووه أيضا، فلو لا قيمته العلمية و أهميته العقائدية لما تجشم مشايخ النجاشي- و هم من العلم و الضبط بمكان مرموق- أعباء قراءته على الشيوخ و روايته عنهم، و يدل أيضا على الاعتبار و الاعتماد ما تقدم من استقراب اعتبار طريق الشيخ الطوسي إليه. و مما تقدم كله من أقوال العلماء التي تورث الاطمئنان على الاعتماد على الكتاب، لا مجال للقول بعدم الاعتداد بالكتاب و راويه.
______________________________
(1). الصراط المستقيم (ج 2؛ 40، 88)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 91
المطلب الثالث: في الشواهد و المتابعات على مرويات ابن المستفاد.
لو تأملنا مرويات عيسى بن المستفاد في كتاب «الوصية» الذي قد أكثر النقل عنه ابن طاوس، و اعتمده كثيرا في كتابه «الطرف»، مع غض النظر عن أقوال الرجاليين فيه، فإنه لا مناص عن قبول كتابه قبولا معتبرا، و الاعتداد به و الاعتماد عليه في مقام الاحتجاج العقائدي، و ذلك لأننا وجدنا جل مطالبه التي اعتمدها ابن طاوس في كتابه هي مرويات و متون قد أخرجها جهابذة الحديث الشيعي، كالسيد المرتضى و الصدوق و المفيد و غيرهم، فهي مضامين بعضها متواترة، و بعضها مستفيضة، و الباقي منها معتبر.
و كان غرضنا الأسمى من العمل في تحقيق هذا الكتاب ليس هو التحقيق المألوف فقط، بل توثيق الكتاب من الجهتين السندية و الدلالية، بما رواه الأعاظم و خرجوه في كتبهم المعتمدة.
و بعبارة أخرى: لو سلمنا ضعف الطرق إلى كتاب عيسى- لضعف بعض رواة طريقه- و الذي سيؤدي إلى ضعف كتاب «الطرف» من الجهة السندية، فلا نسلم ضعف مضامين الكتاب، كيف ذلك؟! و قد ثبت أن كثيرا من المرويات الضعيفة سندا هي صحيحة باعتبار الطرق الصحيحة الأخرى لها، و الأسانيد التي روت نفس هذه المتون، أو نحوها من طرق و جهات أخرى، بل إن تظافر الأسانيد و المرويات- حتى مع ضعفها- يورث الاطمئنان بصحتها، و ليس هم الفقيه و الباحث إلا تحصيل الاطمئنان؛ فإن تحصيله هو ما يصبو إليه العلماء و الباحثون.
هذا، مع أن ألفاظ الروايات و مضامينها شاهدة على صحتها «1»، و أنها صادرة عن الإمام المعصوم، كما صرح بذلك المجلسي رحمه الله.
و قد جعلنا ملحقا لتوثيق مطالب الكتاب و استخراجها من الكتب‏
______________________________
(1). انظر بحار الانوار (ج 22؛ 495)



طرف من الأنباء و المناقب، ص: 92
و المصادر الأخرى، إما بالدلالة المطابقية، و إما بالالتزام و القرائن الدالة على صحة مطالبه، و ذلك أقوى دليل على صحة الكتاب و صدق راويه و صحة الاعتماد عليه.
نسخ الكتاب و منهجية التحقيق:
إن كتاب «الطرف» في أغلب منقولاته هو كتاب «الوصية» لعيسى بن المستفاد، كما عرفت، و هذا ما يجعل له أهمية خاصة باعتبار أن رواياته منقولة عن الإمام الكاظم عليه السلام بواسطة ابن المستفاد مباشرة، خصوصا و إن الكتاب نقل بعض الحقائق التي لم ينقلها غيره، مع أنه من الكتب المعتبرة، و رواية من يعتمد عليه أيضا كما عرفت.
و مع كل ما تقدم، رأينا أن الكتاب لم يعط حقه مما يليق به من التحقيق و التوثيق، فإنه طبع في النجف الأشرف سنة 1369 ه، عن نسخة المرحوم السيد عبد الرزاق المقرم، التي فرغ من استنساخها في 3 ذي الحجة سنة 1349 ه، عن نسخة كتبها المرحوم محمد علي الأوردوبادي، الذي فرغ من استنساخها في 5 محرم الحرام سنة 1333 ه، مصرحا بأنه استنسخها من نسخة سقيمة جدا رديئة و أنه صححها بنفسه، و صرح أيضا بأن النسخة التي نقل عنها فرغ من مقابلتها سنة 805 ه.
و هذه الطبعة مملوءة بالأغلاط المتنية و المطبعية؛ لم تحقق بشكل كامل و لم تقابل على نسخ أخرى للكتاب، و لم تخرج بشكل فني يليق بشأن هذا الكتاب القيم، بل لم يذكر في مقدمة الكتاب سوى اسم السيد رضي الدين بن طاوس دون أي إشار
________________________________________
ابن طاووس، على بن موسى،


طرف من الأنباء و المناقب، 1جلد، تاسوعا - مشهد، چاپ: اول، 1420 ق.










شرح حال عيسی بن المستفاد-ابو موسی-البجلي-الضرير-صاحب کتاب الوصية(000 - 220 هـ = 000 - 835 م)